fbpx

حين تبحث عن الحياة في مكان آخر…

لم يكن السرطان الوحيد الذي طعنني، بل أيضاً سرطانات أخرى وطعنات في الخاصرتين والقلب. فصرت مريضة المرارات والفقد، وأهم أمراضي وحدتي المستعصية على الرحيل...

بين ابتعاد وبعد، بُعدٌ آخر…

كان لا بد من الابتعاد. هو هاجس راودني منذ سنوات قليلة بعد تجربتي القاسية، أقله وفق اعتباراتي، وبعدما تحولت إلى غلاف لجمع الذكريات.

سافرت وبقيت عالقة في ذلك المكان، لا أنتمي إلى هنا، ولم أعد هناك، والخسارات تتوالى والحال على حاله…

بعد الكثير من الوعود التي لطالما تأملت بها، والكثير من الأفكار التي طويتها في خزانتي كثياب العيد.

كان لا بد أن يخلخل مرض سرطاني الأغاني التي حفظتها، وأن يجعل ضحكتي مختلفة وهدوئي صاخباً وتجاعيد وجهي موسومة بقلق أبدي.

كان علي ان أعيش هذه التجربة وحيدة من دون الاتكاء على غصن أو نبتة أو حلم أو كتاب.

كنت امرأة وحيدة تقلب الليل كدفتر بصفحات سود. كنت أعيش السرطان كلعنة فرعونية. 

كيف تحولتُ في لحظة واحدة من امرأة إلى نساء ناحبات، شاحبات، خائبات؟

كم بحثت عن يدين تعينان يديّ. وكم تمنيت لو ولدتُ بأيادٍ وأقدامٍ إضافية، ووجه آخر ارتديه بحسب الحاجة.

كان يلزمني الكثير مني لأقوم بما يجب. كيف لي وحيدة أن أتابع زوجي المريض، أو أن أغفو إن سعل؟ من سيتفقد “المحارم” سراً من دون أن يراني إن بصق الدم من رئته المريضة؟

ومن سيراقب أنفاسه ليلاً خوفاً من أن تسكت فجأة؟ ومن سينتظر مواعيد الجلسات الكيماوية التي أصبحت روتيناً بشعاً لستة أعوام؟ ومن سيخابر الطبيب وينتظر نتائج الرعب دورياً؟

كيف سأغفو وانا أدقق بكلفة العلاج والمستشفى والأعراض الجانبية؟ كم يلزمني بعد لأنام؟

كيف أنام وأنا من حلقت له شعره (عالزيرو) لأنه بدأ يتساقط بسبب العلاج؟

أصبحت شاحبة. كأن جذور السرطان امتدت إلى أحشائي، ولكنني لا أستطيع التعب الآن… ابنتاي تنظران وتراقبان حزني، تشعران بدموعي الحبيسة، وتحاولان استراق السمع لعلهما تفهمان لماذا اختلفت دورة الأرض علينا.

سأؤجل تعبي حتى تكبرا وتنهيا دراستهما، ويذهب المرض وتعود الأغاني. كان علي أن أبكي سراً حيث أختبئ داخل العتمة، وأعود إلى سريري مع موعد المدرسة وأدعي النوم.

كادت بيروت تعاتبني بأنه ليس سرطاني الوحيد، رئتا البلد ملأى بتدرنات من كل الأحجام وجسده يتهاوى ويئن وجعاً كأناسه.

أخبرني الطبيب عند اكتشاف السرطان بأنه في المرحلة الرابعة والأخيرة. هل كان عليه أن يخبرني؟ لماذا لم يكذب علي لكي أستطيع التحمل؟ ألم يعرف أنني وحيدة ولا قدرة لي على استيعاب هذا كله؟ ألا يعرف أنني لا أطيق الموت؟ ولا يعرف أنني مصابة بهوس الفقد وأنني مغلوب على أمري؟ ألم يعرف أنني لست جاهزة؟

كنت في بيروت التي لم اتفاوض معها ولا مرة على سبل العيش، سلمتها اموري وقلت لها أنت أمي أعينيني. 

لكنها كانت مريضة تنظر إلى حالي كحالها. 

كادت بيروت تعاتبني بأنه ليس سرطاني الوحيد، رئتا البلد ملأى بتدرنات من كل الأحجام وجسده يتهاوى ويئن وجعاً كأناسه. عشرات آلاف الحالات تختنق عبثاً، لست وحدك يا ابنتي وقصتك كبقية القصص.

حينها كانت حلا ابنة الـ19 سنة، ترقد في المستشفى بسبب توقف جسدها الغض عن إنتاج الدم (لا أعرف اسم المرض ولا أريد أن أعرف). أعرف حلا الصبية العروس المخطوبة ابنة خالي وقريتي. كانت حددت موعد زفافها وفستانها الأبيض الجميل وقلمت أظافرها وتزينت ليومها الأبيض.

وكانت حكايا المستشفيات لا تنتهي، وكذلك النقاشات حول ازدياد نسبة السرطانات في البلد وبقية الأمراض، والحكاية الأبرز ونجمة الأحاديث فواتير الاستشفاء وارتفاعها وسبل سدادها في جلسات التعارف، حتى باتت تنافس المرض نفسه.

المستشفيات باتت كبيوتنا أحياناً.

ومرت سنة تلو الأخرى والتفاصيل تحاصرني، فسيفساء من المشاهد وأنا تائهة بين فكرة وأخرى، تنهال علي ليلاً كالدبابير تلسعني إن اقترب مني النعاس.

النهاية باللانهاية، حين تبحث عن حياة في مكان آخر ظناً بأنه أقل إيلاماً وأكثر قابلية للعيش لتجد أنك مت مراراً…

البنات، العلاج، المصاريف، البيت وحاجاته، المستشفى، التحاليل، الصور. قصتي مع الـ21 يوماً طيلة تلك السنوات، كم 21 يوماً مرت وأنا أعيد احتساب الزمن وساعات الأنين؟ كم جلسة كيماوية؟ كم جلسة أشعة مسبقة؟ كم رقم غرفة سُجّل باسمي؟ كم من مشوار إلى الضمان وفاتورة وحرب على فرق الضمان؟

لم يكن السرطان الوحيد الذي طعنني، بل أيضاً سرطانات أخرى وطعنات في الخاصرتين والقلب. فصرت مريضة المرارات والفقد، وأهم أمراضي وحدتي المستعصية على الرحيل، ورجفة غرست مخالبها في جسدي، ووحدة تتعاظم.

لكن الوقت حان. رأيت ذلك في عينيه، بعد 6 أعوام قرر الرحيل، وكأنه استنفد طاقته، وبات عاجزاً عن البقاء أكثر… نظر إلي مرة قبل رحيله بقليل وقال لي من دون مناسبة، “أنت قوية”. حين سألته لماذا، لم يرد، بل كررها. لكنه لم يعرف أنني كنت أوهن من بيت عنكبوت.

كان لا بد من خاتمة مميزة لقصة مميزة. وأنا الى جانبه وابنته غافية في حضنه مات. وكان علي أن أغمض عينيه الزرقاوين بخجل، لكي لا يدرك أنه مات، وادعيت أنني أمسح الموت عن وجهه. تفقدت جسده النحيل وقومت نومته الأخيرة.

وماتت حلا بعد إبراهيم بيومين اثنين وزفت إلى مثواها الأخير بفستانها الأبيض من دون زينتها ودمها الذي خانها.

لم ولن تعود الحياة كما كانت، والنهاية ليست الموت، بل قبل ذلك بستة اعوام. النهاية باللانهاية، حين تبحث عن حياة في مكان آخر ظناً بأنه أقل إيلاماً وأكثر قابلية للعيش لتجد أنك مت مراراً، والسفر هو وهم لوطن بديل، وذاكرة تبحث عن ملجأ لذكرياتها بعيداً من أطلال ماضيك، ووحدة تنساب فيك كأفعى.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
إنها مقتلة متنقلة تحت شعار “إلا رسول الله”، لكن هذا الشعار ليس سوى تمويهاً خبيثاً يراد منه الحفاظ على “قداسة” زعماء وحكام، وتزخيم شعبية متوهمة.
Play Video
قوارب الهجرة نقلت ملايين اللبنانيين إلى بلاد أخرى على مر التاريخ والنكبات، بحثاً عن مستقبل وحياة أفضل… لكن ما الذي يجعل موجة الهجرة الحالية أكثر خطورة؟

5:01

Play Video
للحب ١٤ درجة …في أي مرحلة أنتم؟ تابعوا كلمة واصلها مع باسكال

0:54

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني