fbpx

سوريا: ربطة الخبز تدخل بورصة الذل على البطاقة الذكية

في سوريا، أنت غير قادرٍ على تناول الخبز من دون شريحتك الإلكترونية. ليست هذه قصة من قصص الخيال العلمي الذي يستشرف مستقبل الإنسان بعد سنوات أو قرون، بل واقعٌ فرضه قرار الحكومة تنظيم بيع الخبز عبر البطاقة الذكية، التي لن تحصل على مبتغاك ما لم تبرزها.

البطاقة الذكية الخاصة بالخبز كانت السبب في ظهور أزمة جديدة تختلف عن غيرها من الأزمات وتعد أشدّ وقعاً، لأنها تطاول قوت المواطن. 

هذه البطاقة التي ابتُدِعت سابقاً، لتنظيم حصول المواطن السوري على حصته المحددة من المحروقات وقوارير الغاز عبرها، قررت الحكومة استخدامها لتنظيم حصوله على الخبز أيضاً. وبهذه الطريقة تحصل الأسرة المكونة من شخصين على ربطة خبز واحدة زنة 1300 غرام، أما المكونة من أربعة أشخاص فتحصل على ربطتين، وهكذا. 

ولا يكاد المواطن السوري الذي سلِم من الحرب والموت يعتاد أزمةً من الأزمات ويماهي حياته وفق ضرباتها، حتى يصطدم بأزمة جديدة، تتطلّب  منه جهداً وصبراً ليفهمها ويبحث عن أساليب لتخفيف وقعها عليه. وقد استُفتِح شهر أيلول، بأزماتٍ كثيرة، أُضيفَت إلى الأزمات السابقة، المزمنة، والتي تتوارثها الحكومات المتعاقبة من دون تكليف نفسها جهد البحث في حلها، أو حتى نقاشها وتفسير أسبابها. وإذ يمكن تبرير بعض الأزمات، إلا أن المواطن أيقن أن بعضها الآخر مفتعلٌ، يراد به أن يكون هذا المواطن أداةً، أي فأر تجارب، ما يقرِّبه من التشيُّؤ، وهو الذي أفرغته هذه الممارسات من قيمته وقِيَمه، لتسهيل التحكم به. 

وإفراغ المواطن السوري من قيمته وإشعاره بأنه أداةٌ من دون هويةٍ، يتحكَّم به مُصْدرو القرارات الذين لا يرون فيه شخصيةً اعتباريةً، لها رأي وتجارب يعتدُّ بها لتصويب هذه القرارات، بل يتوجب إسكاته إن تجرأ على النطق، كلها ممارسات تهدف إلى تشييء هذا المواطن. ومن تلك الممارسات الأزمات التي تشلُّ حياته، فلا يستطيع التفكير إلا بتدبير قوته اليومي، ما يشعره بفقدان آدميته، وجعل غريزة البقاء هي المتحكمة الوحيدة بأفعاله ونشاطه اليومي. وبذلك يقترب من العدم، ولا يقوى على التفكير إلا بيومه، بعد حرمانه التفكير بمستقبله الذي يُمنع عليه المشاركة في تقريره.

وبينما كان الهدف من القرار الأخير تخفيف الازدحام على المخابز، ازداد الازدحام في أماكن وأحياء أخرى، أي أمام أبواب معتمدي بيع الخبز الذين هم عادة أصحاب حوانيت. وبسبب اضطرار البائع لتنظيم سجلات بأسماء الحاصلين على ربطة الخبز وأرقام هواتفهم ورقم البطاقة الشخصية والبطاقة الذكية، زادت ساعات الانتظار للحصول على الخبز. 

أما الهدف الآخر لهذا الإجراء، والمتمثل بالحد من متاجرة أصحاب المخابز الخاصة بالطحين، أو حتى بالخبز علفاً للحيوانات، فهو ما لن تستطيع وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك تحقيقه، لأنها لم تردع أصحاب تلك المخابز عن فعله عبر تقديم أحدهم للقضاء؛ فهنالك شراكة بينهم وبين “بعض الفاسدين من عناصر حماية المستهلك” التابعين للوزارة، بحسب مقالة لأحد الإعلاميين في صحيفة الثورة السورية الرسمية. وهؤلاء الذين يستمرون ببيع ربطة الخبز بوزن يقل نحو نصف كيلو عن الوزن المقرر، بحسب الإعلامي ذاته، لم يراقب عملهم أحد لكي يجبرهم على تحسين الرغيف ليصبح قابلاً للاستهلاك البشري، فهم يُسرّعون إنتاجه من دون أن ينضج بما يكفي، وذلك لبيع كميات المازوت والخميرة التي يوفرونها من تقديمه بنوعيته السيئة.

كلها ممارسات تهدف إلى تشييء هذا المواطن. ومن تلك الممارسات الأزمات التي تشلُّ حياته، فلا يستطيع التفكير إلا بتدبير قوته اليومي، ما يشعره بفقدان آدميته، وجعل غريزة البقاء هي المتحكمة الوحيدة بأفعاله ونشاطه اليومي. وبذلك يقترب من العدم

وبعد تراجع مداخيلهم وانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية، تحول الخبز إلى الوجبة الرئيسة للمواطنين السوريين، بحسب تصريح مدير المؤسسة السورية للمخابز. لذلك يجد المواطنون أنفسهم مجبرين على شراء هذا الرغيف السيئ، فينتظرون بالرتل تحت أشعة الشمس ويعطلون من أجل ذلك أعمالهم، ومنهم سائقون عموميون تركوا دورهم على محطة البنزين الذي حجزوه لساعات طويلة واتجهوا للحصول على ربطة الخبز لأبنائهم، فخسروا بذلك فرصة الحصول على البنزين.

يقول بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي ما مفاده أنه إذا كانت أزمة الخبز مفتعلة، أو يمكن تفاديها عبر المراقبة الحقيقية والمحاسبة فإن أزمة البنزين قد تكون خارج إرادة الحكومة، بسبب خروج إحدى مصافي النفط من الخدمة للصيانة، وعدم توفر مادة البترول. لكنهم مع ذلك لا يبررون عدم اتخاذ الحكومة احتياطات لمنع تكرار أزمة الخبز أو البنزين التي شلَّت البلاد وعطلت أعمال المواطنين. تضاف هذه الأزمات إلى أزمَتَي الكهرباء والغاز المنزلي الدائمتين؛ إذ تخضع هاتين المادتين لتقنين قاسٍ، برره المسؤولون بأن بعض الناس يستخدمون الكهرباء للتكييف في ظروف الحر، والغاز للتدفئة خلال الشتاء. وهذا ما لا تقبله الحكومة ولا ترضاه من المواطن الذي لا ضير لديها إن عانى من الحر أو من قلة المياه التي تساعده على تحمله، أو إن تجمَّد من البرد ومات، فالمواطن بنظر دولته “شيء” ويمكنها انتهاك حياته بما تراه من أساليبٍ، إذا شعر بأن آلام الحرب قد بدأت تخفُّ. 

هل بقيَ من المواطن سوى اسمه بعد أن شيَّأته القرارات، التي تيقن أنها ليست سوى طريقة لزيادة الشِّدة، شِّدة يُعبِّر عنها ساخراً: “لا تقولوا شِّدة وبتزول، نحن الذين سنزول”.

أزمة البنزين اندلعت، بداية أيلول، بالتوازي مع ظهور أزمة المواطنين السوريين العالقين على حدود بلادهم؛ فقرار الحكومة السورية إلزام المواطنين السوريين الآتين إلى سوريا، بتصريف مبلغ 100 دولار أميركي إلى العملة السورية وفق سعر الصرف الرسمي على المعابر الحدودية، أدّى إلى تكدّس هؤلاء هناك بسبب عدم امتلاكهم المبلغ. وإذ يثير القرار السخط والغبن بين المواطنين السوريين بسبب شعورهم بأن وطنهم يسلبهم حقهم في الرجوع إلى أحضانه، إذا لم يدفعوا المبلغ، فإنه يشير إلى حالة التردي المعيشي والاقتصادي التي وصل إليها هؤلاء وجعلهم عاجزين عن تأمين مبلغ 100 دولار لتصريفه، فعلقوا على الحدود اللبنانية غير قادرين على دخول وطنهم وغير قادرين على العودة إلى حيث كانوا في لبنان، لأسباب إجرائية تتعلق بالخروج والعودة. 

هؤلاء لم تشفع لهم الأيام والليالي التي أمضوها في العراء والحر الشديد، في السماح لهم بالعبور إلى بلادهم، التي لا تراهم سوى أداة لتحصيل الأموال لإنقاذ الاقتصاد الذي يحتاج إلى كل مبلغ مهما كان صغيراً.

ولكن، ألا يشي كلام مدير إدارة الهجرة والجوازات عن أن من لا يملك 100 دولار عليه العودة من حيث أتى، بأن هذا المواطن لم يعد يُنظر إليه سوى كأداة للحصول على 100 دولار، وبهذا أزيلت عنه صفة الإنسانية، شأنه شأن البضائع التي تجب جمركتها لدى دخولها البلاد ودفع بدلات ذلك بالعملة الصعبة؟ طبعاً لم يلاحظ أصحاب هذا القرار انتهاكه الدستور الذي تنص المادة 38 منه على أنه “لا يجوز إبعاد المواطن عن وطنه أو منعه من العودة إليه”. ولكن أي دستور هذا الذي يبعده المسؤولون جانباً لدى التعاطي مع المواطن، وهل بقيَ من المواطن سوى اسمه بعد أن شيَّأته القرارات، التي تيقن أنها ليست سوى طريقة لزيادة الشِّدة، شِّدة يُعبِّر عنها ساخراً: “لا تقولوا شِّدة وبتزول، نحن الذين سنزول”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني