fbpx

من أفغانستان والهند إلى مانهاتن… الأموال القذرة تهدد الآثار والفنون

استخرجوا رؤوساً لتماثيل قديمة لبوذا من الأرض في أفغانستان التي تمزقها الحرب وسرقوا تماثيل من معابد هندية. وكسروا أبواب أضرحة في نيبال وكمبوديا، واشتروا تمثالاً يعود إلى القرن الحادي عشر ويمثل الالهة الهندية شيفا من السوق السوداء.

ووفق لوائح اتهام قدمت في نيويورك العام الماضي، استخرجت شبكة من لصوص الأعمال الفنية ومهربيها آلاف الآثار الثمينة من مواقع أثرية في أنحاء آسيا كلها، وباعوها لمتاحف ومعارض للنخبة ومشترين خاصين أثرياء.

ويقول الادعاء إن المجموعة تضم موردين ومرمّمين وتجاراً للأعمال الفنية في نيويورك، لفّقوا وثائق تصف مصدر الآثار لتمويه عمليات النهب.

وتقدم وثيقة مصرفية سرية حصل عليها التحقيق في ملفات جهاز مكافحة الجرائم المالية، نظرة نادرة إلى سلسلة التوريد الغامضة التي تقدم آثاراً قيّمة إلى دور المزادات والمتاحف الغربية الكبرى. وهي تكشف عن شركة وهمية غامضة تسمى “بانثيون وورلدوايد ليميتد”، بادلت ملايين الدولارات، من النقد والآثار مع مهربين مزعومين، في حين حيرت المسؤولين عن الامتثال في مصرفها، “ستاندرد تشارترد بنك” ومقره لندن.

وضم “ستاندرد تشارترد” ثلاثة حسابات لـ”بانثيون” في فرعه في هونغ كونغ. لكن المسؤولين عن الامتثال في “ستاندرد تشارترد” لم يعرفوا شيئاً عن عميلهم، وفق الوثيقة. ولم يكونوا واثقين من هدف الشركة ولم يظهر أنهم عرفوا مكان تسجيلها، وهاتان المعلومتان أساسيتان لتقييم ما إذا كانت الشركة واجهة لتبييض الأموال أو جرائم مالية أخرى.

وحاول الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين وفشل في متابعة “بانثيون”. فعنوانا الشركة في هونغ كونغ ولندن الواردان لدى “ستاندرد تشارترد” تبين أنهما غير موجودين، وأكدت سلطات هونغ كونغ أن أي شركة بذلك الاسم لم تُؤسَّس يوماً هناك.

والملف، وهو تقرير عن أنشطة مشبوهة سُرّب إلى “بازفيد” وتمت مشاركته مع “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، يقترح أيضاً أن دارين بارزتين للمزادات في نيويورك، هما “كريستيز” و”سوذبيز”، أجرتا معاملات شملت “بانثيون”، على رغم أن طبيعة هذه المعاملات لا تزال غامضة. ولم يعلق أي من الدارين على “بانثيون”.

ويمتد الغموض الذي يكتنف “بانثيون” إلى ما وراء الشركة. فالمشغلون الذين ينقلون نقداً وآثاراً مثار شبهة عبر الحدود، يستخدمون في الأغلب شركات مؤسسة في سلطات سياسية خارجية لتغطية مساراتهم. في الولايات المتحدة، أصبح سوق الأعمال الفنية أكبر قطاع قانوني، لكنّه غير منظم حتى الآن، ما يعني أن العاملين في غسل الأموال والمتهربين من الضرائب، يمكنهم “شراء قطع من دون أي سجل للمعاملات”، وفق تقرير حديث لمجلس الشيوخ الأميركي.

“خسارة فصول تاريخية”

يقول الخبراء إن هذه السرية تشجع أيضاً لصوص الأعمال الفنية، الذين ينهبون التراث الثقافي للعالم النامي، لمصلحة نخبة من هواة جمع التحف والمتاحف. وقالت تس ديفيس المديرة التنفيذية لائتلاف الآثار الذي يدعو إلى إعادة الآثار المسروقة إلى بلدانها “إن المواقع الأثرية في العالم تدمّر على نطاق قطاعي. فنحن نتكبد خسارة لفصول تاريخية”.

وتعرض المتاحف المرموقة في العالم بانتظام الآثار التي تم الحصول عليها قبل فترة طويلة من خلال وسائل غامضة. لكن الوسائل الغامضة لا تعني بالضرورة أنها غير قانونية.

فالكثير من قوانين الآثار التي تهدف إلى منع نهب الكنوز الوطنية جديدة نسبياً، ولا تغطي أعمالاً صُدّشرت من البلدان قبل سنها. ولم تسن الهند، مثلاً، قانوناً قوياً يحد من تصدير بعض الآثار مثل اللوحات حتى عام 1972.

وكان يفترض أن تُلغي قوانين التصدير الصارمة والضغط المتزايد على بائعي الآثار لتوفير مصدر تفصيلي – أي السجلات حول منشأ قطعة ما وملكيتها – الاتجار غير المشروع بالمنحوتات واللوحات وغيرها من القطع التاريخية.

وعلى مدى العقد الماضي، وجه مكتب المدعي العام في مانهاتن اتهامات جنائية ضد الكثير من تجار الفن البارزين، في قضايا شملت بعضاً من أكبر دور المزادات والمتاحف.

وأحد المتهمين هو سوبهاش كابور، المالك السابق لمعرض في مانهاتن يسمى “فن الماضي”. وتفصل شكوى جنائية من 200 صفحة مئات الأشياء التي يقال إن كابور هرّبها، فيما تصفه السلطات الأميركية بأنه “واحد من أكثر مهربي السلع إنتاجاً في العالم”.

وفى مداهمات لمخازن كابور في مانهاتن وكوينز اكتشفت السلطات آلاف الآثار المسروقة من مقابر ومعابد ومواقع أثرية ضعيفة ثم تم تهريبها إلى الولايات المتحدة وفق ما جاء في الشكوى.

وتفيد الشكوى الجنائية بأن وسيطاً من كابور دخل أفغانستان خلال الحرب الأهلية الوحشية في البلاد في التسعينات، وقدّم رشوى لأحد قادة المجاهدين ليتمكن من الوصول إلى موقع أثري. ويُرَوّج أن الصفقة أسفرت عن رأسين لبوذا من الجص، يعودان إلى حضارة قندهارا القديمة، التي امتدت إلى أجزاء مما يعرف الآن بباكستان وأفغانستان قبل مئات السنين من صعود الإسلام.

وتتهم شكوى منفصلة كابور بتهريب تمثال قديم لإله هندوسي من الهند إلى نيويورك في حاوية مملوءة بالحرف اليدوية القانونية. وقيّمته نانسي وينر، وهي تاجرة بارزة للفنون، بـ3.5 مليون دولار.

ووُجِّهت إلى وينر في نيويورك عام 2016 بعدما زُعِم أنها باعت ما قيمته ملايين الدولارات من قطع الآثار المنهوبة – من أفغانستان وتايلاند وكمبوديا والهند وبلدان أخرى – من خلال معرض مانهاتن.

وكان من بين المشترين النهائيين “سوذبيز” و”كريستيز”، وباعت الأخيرة دفعة واحدة من الأعمال بأكثر من 12 مليون دولار، وفق لائحة الاتهام. ولم تتهم السلطات “كريستيز” أو “سوذبيز” بارتكاب مخالفات.

واتهم علماء آثار وغيرهم في عالم الفن “كريستيز” و”سوذبيز” بالتغاضي عن سجلات المنشأ غير الكافية أو المشبوهة.

وفي العام الماضي، وفي قضية منفصلة، دعا عالم آثار يوناني شهير دار “كريستيز” إلى إلغاء مزاد لتماثيل رومانية من القرن الأول بسبب صلات العمل المزعومة بـ”تجار سيئي السمعة مرتبطين بالكثير من قضايا الآثار غير المشروعة”. وعام 2011، ألغت “سوذبيز” مزاداً على أحد تماثيل الخمير بعدما قدمت الحكومة الكمبودية شكوى رسمية ضد دار المزادات، بحجة أن القطعة من الواضح أنها منهوبة.

ونفى كابور ووينر التهم الموجهة إليهما والتي لا تزال معلقة. وقال جورج ليدرمان، محامي كابور، للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين إن المدعين العامين بدأوا محاسبة تجار الآثار وفق “معايير جديدة أكثر صرامة في مجال العناية الواجبة” على الأعمال التي اشتروها قبل عقود من الزمن. وكابور مسجون في الهند وينتظر تسليمه ليواجه تهماً في الولايات المتحدة.

أما وينر فطليقة في مقابل كفالة. ورفض محاميها إيفان تي بار الإدلاء بأي تعليق.

وراجع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين التقرير عن النشاط المشبوه الخاص بـ”ستاندرد تشارترد” لعام 2017 من ضمن ملفات جهاز مكافحة الجرائم المالية، وهو تحقيق يستند إلى أكثر من 2100 تقرير عن أنشطة مشبوهة مسربة قدمتها مصارف إلى شبكة إنفاذ الجريمة المالية التابعة لوزارة الخزانة الأميركية. وتعكس التقارير أنشطة مشبوهة مخاوف موظفي الامتثال داخل المصارف وليست بالضرورة دليلاً على أي سلوك إجرامي أو مخالفات أخرى.

ويلخص تقرير “ستاندرد تشارترد” 413 معاملة مالية على مدى 7 سنوات، بلغ مجموعها 27.8 مليون دولار. ويذكر أن 17 شخصاً وشركة على صلة بالولايات المتحدة وهونغ كونغ والهند ذكروا في التقرير، بمن فيهم الكثير من الذين ورد ذكرهم في شكاوى جنائية.

وذكر التقرير أن “بانثيون” عملت مع كابور ووينر لغرض واضح هو تسهيل “النقل غير القانوني للأعمال الفنية”. وذكر التقرير أن نسيجاً نيبالياً مرسوماً يعرف باسم ثانجكا ولوحة هندية، وبوديساتفا جالساً بطول 15 بوصة، انتقلت عبر “بانثيون”.

وقال التقرير إن وينر تلقت أكثر من 1.6 مليون دولار من كل من “بانثيون” وشركة أخرى.

ووفق التقرير دفعت “بانثيون أيضاً أكثر من 3.6 مليون دولار لنايف حمصي، وهو تاجر آثار في نيويورك. واتُهِم حمصي عام 2015 وأُدِين بعد ذلك في نيويورك باستيراد تمثال برونزي نيبالي مذهب مسروق يمثل إلهاً بوذياً من القرن الثالث عشر. وتم تقييم التمثال بـ484 ألفاً و500 دولار، وفق لائحة اتهام لولاية نيويورك. ولم ترد إشارة إلى هذا العمل في التقرير عن النشاط المشبوه الذي صدر عن ستاندرد تشارترد”.

ولم يتضمن تقرير المصرف كميات دقيقة بالدولار تخص المعاملات التي شملت كابور. كما أنه لا يحدد الطبيعة أو القيمة الدولارية للمعاملات التي ربطت “بانثيون” بـ”كريستيز” و”سوذبيز”.

ورفضت “كريستيز” و”سوذبيز” التعليق على “بانثيون وورلدوايد ليميتد”. وقالت كات مانسون، الناطقة باسم “كريستيز”، إن دار المزادات ليس لديها أمر ذو صلة تشاركه، وإنها غير قادرة على الكشف عن المعلومات، حتى لو كانت “بانثيون” عميلة لها. وقال مانسون في رسالة بالبريد الإلكتروني إن دار المزادات تقدّم “العناية الواجبة الأولية والمستمرة لعملائنا لأغراض مكافحة غسل الأموال”.

ويبقى دور “بانثيون” – إن وجد – في القضايا الجنائية التي تورط فيها كابور ووينر وحمصي وغيرهم غير واضح.

البحث عن “بانثيون وورلدوايد”

يوفر تقرير “ستاندرد تشارترد” عن الأنشطة المشبوهة عنواناً في شارع لاثنين من مكاتب “بانثيون” في مبنى في الحي الأوسط في هونغ كونغ. ومع ذلك، لا يحتوي سجل الشركات في هونغ كونغ على أي أثر للشركة.

وتضمن التقرير عنواناً ثانوياً لـ”بانثيون” في المملكة المتحدة. لكن هذا العنوان ينتمي إلى “بانثيون وورلدوايد ليميتد” التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، وتم تسجيلها عام 2016، بعد أربع سنوات من سجن كابور في الهند. وقالت شركة المحاسبة التي أنشأت الشركة إن “بانثيون” التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها لم تتعامل قط بالآثار – أو أي شيء آخر من هذا القبيل. “وعلى حد علمي، فإن الشركة لم تقم بأي نشاط تجاري على الإطلاق”، وفق ناطق باسم “بي آر بي للمحاسبة” للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.

وعثر الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين على “بانثيون وورلدوايد” مسجلة في جزر البهاماس، لكن الشركة توقفت عن العمل عام 2007، قبل سنوات من تدفق ملايين الدولارات من خلال الحسابات المصرفية لـ”ستاندرد تشارترد”.

ومن الأهمية بمكان أن تعرف المصارف الأسماء الحقيقية لعملائها وعناوينهم. وقال روس ديلستون، وهو محام مقره واشنطن ومتخصص في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتنظيماتها، “إن معرفة السلطة السياسية التي يتم فيها تسجيل شركة أمر بالغ الأهمية لتحديد مخاطر العميل”.

وعام 2014، غرّمت الجهات التنظيمية المالية في ولاية نيويورك “ستاندرد تشارترد” 300 مليون دولار وفاوضته على أمر موافقة يطالبه بجمع معلومات أفضل من فرعيه في هونغ كونغ ودبي حول معاملات العملاء. وأكد الأمر أهمية مشاركة فروع المصارف عناوين دقيقة، بما في ذلك بلد الأفراد الذين أجروا المعاملات كلها والذين استفادوا منها.

ولم يرد “ستاندرد تشارترد” مباشرة على الأسئلة المتعلقة بـ”بانثيون وورلدوايد”، لكنه دافع عن جهوده الرامية إلى الامتثال بعبارات عامة. وقال المصرف في بيان، “إننا نأخذ مسؤوليتنا في مكافحة الجريمة المالية على محمل الجد واستثمرنا في شكل كبير في برامج الامتثال. ولدى ستاندرد تشارترد ما يقرب من 2000 موظف في أنحاء العالم، كلهم مكرسون لمنع المعاملات المشبوهة وكشفها والإبلاغ عنها، وجميع الموظفين مدربون على الجزاءات والامتثال لمكافحة غسل الأموال”.

ومن بين الإشارات الوحيدة إلى “بانثيون” التي استطاع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين العثور عليها في سجل عام، إشارة ظهرت في أوصاف أربع قطع أثرية، أدرجتها للبيع على الإنترنت دار “بونهامز” للمزادات الراقية. فكل قائمة تصف “بانثيون” بأنها مالك حديث للأعمال.

وتصف قوائم المزاد، التي نُشرت كلها عام 2018، نسيجاً زيتياً ملوناً من التبت، وتجسيداً نحاسياً لملك تبتي جالس من القرن السادس عشر، ولوحتين من الهند من العصر المغولي، بما في ذلك لوحة تسمى “سيد وحريمه يستمتعون بعرض ألعاب نارية في شاب إي بارات”. وكل من هذه الأعمال يعود تاريخه إلى 400 سنة على الأقل.

وتنص قائمة “بونهامز” على أن “بانثيون” تقع في هونغ كونغ. وفي بيان، قالت بونهامز إنها لم تتلق الأعمال الأربعة من “بانثيون”. وقالت دار المزادات “إن بونهامز تتعهد فقط ببيع الأغراض التي يتم إدخالها للبيع من خلال الإجراءات الصحيحة”.

وعلى عكس المصارف الكبرى، لم يُطلَب من أي من دور المزادات المرتبطة بـ”بانثيون” تقديم تقارير عن الأنشطة المشبوهة إلى وزارة الخزانة الأميركية. ويلزم تشريع تدعمه سلطات إنفاذ القانون تجار الآثار بتقديم هذه التقارير. زتم تمريره بسهولة في مجلس النواب الأميركي العام الماضي، لكنه توقف في مجلس الشيوخ.

وتجار المعادن الثمينة، وسماسرة الأسهم، والكازينوهات أمثلة على الشركات الأخرى غير المصارف التي يطلب منها تقديم تقارير عن الأنشطة المشبوهة.

وقالت ليلى أمين الدولة، وهي محامية مقرها نيويورك متخصصة في قضايا تهريب الآثار، إن صالات العرض غالباً ما تفتقر إلى معلومات عن المشترين الحقيقيين.

وقالت أمين الدولة إن “السرية المالية تؤدي دوراً في أكبر فضائح نهب الآثار. فعدم الكشف عن الهوية في هذا السوق عميق جداً، وهو لا يزال مشكلة خطيرة”.

  • سبنسر وودمان
  • المساهمون: إميليا دياز ستراك
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور – صحافي لبناني
على رغم أن حاكم مصرف لبنان تصدّر مشهد الإجهاز على التدقيق الجنائي وتفجيره في النهاية، يمكن القول إن في السلطة من فخخ مسار التدقيق منذ البداية، تمهيداً لإسقاطه لاحقاً حين تصل الكرة إلى ملعب الحاكم.
Play Video
استجاب مجلس شورى الدولة في لبنان لأصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل، بعد أسبوعين من إصدار وزارة العمل عقد عمل موحّد جديد للحدّ من الاستقطاعات التي يحقّ لصاحب العمل احتسابها من راتب العاملة، فكيف حصل ذلك؟

4:30

Play Video

2:03

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني