fbpx

شبح التلوث فوق بيروت… ما سبل التخلص من آثار التفجير البيئية؟

الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ ...

بعد يومين على تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب، عاد موسى عبد الحسين (49 سنة)، وهو صياد وغطاس من جنوب لبنان منذ 25 عاماً، إلى ممارسة عمله ليصطاد الأسماك في منطقة الروشة قرب الحمام العسكري. لاحظ موسى تغيرات في المياه التي لم تعد “صافية وأصبحت بيضاء اللون منذ اندلاع التفجير”، كما يقول. ولكن ذلك لم يؤثر في حركة الصيد وما زال هذا الصياد اللبناني يحصل على الكميات نفسها كما في السابق.

عل رغم أن الإشاعات المنتشرة حول التلوث وتأثر الأسماك بالتفجير، ما زال الزبائن يشترون أسماكهم من موسى والصيادين الآخرين، ولم تتأثر مهنتهم ومصدر رزقهم بالتفجير، إنما مثل جميع اللبنانيين يساور موسى القلق على صحته جراء التفجير وتأثيره المباشر في مياه البحر. ويشير إلى أنه يعاني من حكة جلدية في وجهه ويديه منذ أيام، “لا أظن أنها بسبب قناديل البحر لأن موسمها قد انتهى”، يضيف. في ما خص موت الأسماك يقول موسى، “في حال تأثر الأسماك بالتفجير فإنها تموت ولكننا لم نجد سوى سمكة واحدة ميتة وقد يكون التفجير هو السبب، ذلك أننا لا نستخدم المواد المتفجرة أثناء الصيد ويندر وجود أسماك ميتة في المنطقة”. 

أسماك ميتة انتشرت بعد الانفجار

من جهة ثانية، يتحدث الصحافي البيئي اللبناني مصطفى رعد عن كميات كبيرة من الأسماك الميتة، وقد شاهد سكان الساحل أسماكاً مقطعة وميتة في البحر جراء الانفجار، مشيراً إلى أن نترات الأمونيوم لا تشكل خطراً على المياه البحرية بعد تفجيرها، فالأوكسجين الموجود في الماء يساهم في تفتيتها، وتتحول تالياً إلى غذاء للأسماك. وبطبيعة الحال تعد المنطقة التي حصل فيها التفجير والمرافئ الأخرى دوائر ميتة ولا تعيش فيها الأسماك بسبب حركة السفن ونسبة التلوث العالية فيها، ناهيك بأنها منطقة عسكرية، لا تصلح للصيد. وقد أصدر الجيش اللبناني قراراً بمنع الصيد حتى في المناطق المحيطة بالمرفأ بعد اندلاع التفجير وذلك بناءً على توجيهات من مركز البحوث العلمية، بحسب معلومات رعد. ولكن ما حدث وفق معلومات حصلنا عليها من مصادر علمية، هو وجود مادة الرصاص في مياه المناطق القريبة من المرفأ 50 مرة أكثر وجودها الطبيعي.

وجود مادة الرصاص في مياه المناطق القريبة من المرفأ 50 مرة أكثر وجودها الطبيعي.

ووفق باحثين لبنانيين في مجال التنوع الأحيائي المائي تواصل معهم “درج”، إن المنطقة البحرية الممتدة من خلدة مروراً بالمطار وصولاً إلى منطقة جونية، ملوثة بأنواع كثيرة من النفايات، منها النفايات الصلبة والمبتذلة وغير المعالجة؛ أي أن سواحل لبنان كانت ميتة قبل حصول التفجير. يقول مدير معهد البيئة في جامعة البلمند اللبنانية، الدكتور منال نادر، لم تُسجل معلومات عن تأثير الانفجار في الثروة السمكية، من الصعب الحديث عن الانفجار والخوف من عواقبه كموضوع بحد ذاته، بل الخوف “هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ من جانب آخر”. وبحسب نادر الخبير في التنوع الأحيائي المائي، هناك حاجة ملحة إلى معرفة نسبة تراكيز الملوثات في الثروة البحرية وهي عملية تحتاج الى سنين للوصول إلى نتائج علمية مؤكدة. “نحن نعرف أن البحر ملوث في تلك المنطقة وهناك مشكلات تظهر أحياناً في المعادن الثقيلة وفي ملوثات أخرى، إنما لا يمكن توجيه النصائح أو عدم توجيهها الى السكان في ما خص تناول لحوم السمك، لأن هناك أسباباً متنوعة لتلوث الثروة البحرية في لبنان وبخاصة في المتوسط الذي يعتبر من البحار الأكثر تلوثاً في العالم”، يتابع نادر.

عل رغم أن الإشاعات المنتشرة حول التلوث وتأثر الأسماك بالتفجير، ما زال الزبائن يشترون أسماكهم من موسى والصيادين الآخرين.

وفي سياق البحث عن آثار التفجير على مياه البحر، حصل مدير مختبرات البحوث الصناعية في بيروت الدكتور جوزيف متّى على عينات من مياه المرفأ ومحيطه القريب وتبين أنها تحمل من مادة الرصاص ما يتعدى 50 مرة النسبة المقبولة، وفي مياه البحر بمنطقة جونية تتعدى الميات 10 مرات النسبة المقبولة، بينما لم يتم تسجيل أي زيادة في منطقة الجبيل. ويشير الباحث إلى أن العينات المأخوذة التي تم فحصها باستثناء نسبة عالية من الرصاص لا تحمل أي مواد أخرى، ولكنه لا يخفي خطورة الرصاص في المياه قائلاً: الرصاص خطير جداً ولا تجب الاستهانة بوجوده في المياه، لذلك يجب التحرك فوراً وأخذ الحذر، لأن الرصاص يبقى موجوداً، ولا يتفكك وقد ينتقل إلى الثروة السمكية. ومن شأن استمرار استهلاك الأسماك التي تحتوي أجسامها على الرصاص، ان يسبب أمراضاً في الجهاز العصبي وغيرها من الأمراض.

ولمعرفة حال الثروة البحرية، علينا العودة الى الدراسات التي أجريت عن تلوث الثورة السمكية قبل الانفجار، ويحتاج ذلك إلى متابعة ولا يمكن اجراؤها مرة واحدة، ذاك أن تركز الملوثات في الثروة المائية والأسماك يزيد مع الوقت، فإذا توقف التلوث، تعود الكائنات البحرية إلى تنقية نفسها، لذلك من الصعب إبداء الرأي في هذا الشأن من دون وجود بيانات دقيقة بحسب الباحث منال نادر. “ان الواقع الحالي البحري يقتضي وجود برنامج جدي لمراقبة التلوث بين الكائنات البحرية التي يتم استهلاكها للغذاء البشري، ونحن نطالب بهذا البرنامج منذ فترة طويلة، حتى بعيداً من الانفجار، لأن الأمر يتعلق بالأمن الغذائي بخاصة في ظل تركز الملوثات في الأسماك ولا يستبعد أن تنتقل عبرها إلى الانسان”، يقول نادر هذا، مؤكداً أن المعلومات النظرية في غياب بيانات علمية دقيقة، لا تكفي وحدها، ولا يجب تالياً، إلحاق الأضرار بقطاع الصيد بناءً على مثل هذه المعلومات النظرية عن تلوث الأسماك، بل تجب توعية المستهلكين، للتأكد من مكان شراء الأسماك ومصدرها.

يصعب القول إن الانفجار يزيد من نسبة الملوثات في الكائنات البحرية برأي نادر، لا سيما أن التلوث في لبنان مزمن. ويرى أن هناك نقاط انطلاق لإجراء دراسات المقارنة بين ما قبل الانفجار وما بعده، إنما تحتاج أي دراسة من هذا النوع الى بيانات علمية دقيقة، “لذا نحن بحاجة الى وضع برنامج لمراقبة نوعية اللحوم البحرية على المدى المتوسط، 5 سنين على الأقل كي نخرج ببيانات علمية”. 

ركام متجول

منذ حصول التفجير الكارثة، يتجول الركام المتبقي منه كطيف ثقيل الظل في المدينة ولكن الجميع يرفض استقباله أو دفنه. حارت بلدية بيروت منذ البداية، ولم تعرف ماذا تفعل بالأجزاء التي سقطت من المدينة. قام المتطوعون الشباب بإزاحة المخلفات في الطرق، إنما لم يستطع أحد إزالتها، فلا مكان يحويها.

بحسب رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، تم جمع المخلفات في عقار عائد إلى بلدية بيروت في منطقة الكرنتينا، لكن المكان امتلأ ولا يتسع للمزيد. كانت الخطة في البداية تقضي بنقل المخلفات بأسرع وقت، ولكن مرّ أكثر من شهر وما زالت بلدية المدينة تبحث عن مكان لدفن الركام. يقول عيتاني، “وجدنا عقاراً مغلقاً في الشويفات لفرزها، ولكن بلدية المنطقة رفضت. قدمت الرهبنة المارونية عقاراً كبيراً لبلدية بيروت في منطقة الناعمة، وتم الاتفاق مع وزارة البيئة بخصوص مراعاة الوزن وفرض الحراسة المتواصلة على العقار، ولكن تبين أن هناك شكوى قانونية بخصوص العقار، ناهيك برفض أهل المنطقة استقبال المواد خوفاً من الملوثات التي قد تحملها، ما أدى إلى تعطيل الفكرة برمتها”. وتسعى البلدية الى إيجاد مكان جديد لفرز المخلفات، وسبق أن تم الاتفاق مع وزارة البيئة والجامعة الأميركية، لمعالجة الركام والاستفادة منه عبر فرزه، إنما عدم وجود مكان لجمع الكميات الهائلة من الركام عطّل الاتفاق. وتمت مخاطبة وزارتي البيئة والداخلية بغية انقاذ بيروت من المخلفات، ولكن لم تحصل أي استجابة. 

المشــهـد الحالــي: يتولى الجيش الأمر ولا تزال الحلول غائبة، بينما يخاف الناس من الركام وما قد يحمله من ملوثات، تحديداً مادة الأسبستوس الموجودة في بيوت بيروت القديمة، وهي مادة تختلف تأثيراتها الصحية بحسب الفترة الزمنية التي يتعرض فيها الإنسان لغبار أليافها وفقاً لباحثين. وبما أن معظم البيوت التي انهارت في الكرنتينا، الجميزة والأشرفية هي أبنية تراثية قديمة وتشكل الأسبستوس جزءاً من إنشاءاتها، هناك تخوف من استمرار بقائها بين المخلفات والمخاطر التي تشكلها على الصحة العامة.

ويؤكد نادر ضرورة قيام الدولة والجيش بإزالة الردميات والمخلفات وفق خريطة (جي آي إس) تتضمن تفاصيل المخلفات قبل نقلها من المرفأ أو فيما يتم ايصالها الى أي مركز للدفن (الرمي)، وذلك من أجل التعرف إلى الملوثات الموجودة في المخلفات قبل رميها أو دفنها عشوائياً. ويتطلب مثل هذا الإجراء بحسب الباحث وجود فريق عمل يقوم بتحليل المخلفات وتحديد الملوثات فيها، من ثم تبدأ خطة المعالجة والتخزين، من دون ذلك يحدث التلوث في فصل الشتاء تحديداً. ويقول نادر بهذا الشأن، “قد يقال إن أماكن الدفن مخصصة ومعزولة، ولكن لا يتم ترتيب المخلفات وفق HTPI أي المناولة والنقل والتعبئة والتحديد (الحماية العضوية) ولا يتم عزلها عن المياه الجوفية ولا خطة للمعالجة”. 

إلى جانب ذلك يجب البحث عن وجود الرصاص في الركام أيضاً، ذلك أن إمدادات مجاري المياه في البيوت القديمة كانت مصنوعة من الرصاص، ناهيك بوجود مادة الاسبستوس في الأبنية القديمة المنهارة، وهي مادة مسرطنة، بحسب متى.

ماذا كان في المرفأ؟

يحاول ناشطون بيئيون وصحافيون استقصائيون، الوصول إلى المعلومات عن طبيعة المواد التي كانت موجودة في المرفأ وانفجرت أو احترقت جراء انفجار نترات الأمونيوم، ذلك أن التعرّف إلى محتويات المستودعات في المرفأ يساعد على التعامل مع المخلفات وسبل معالجتها ودفنها. هناك صور تشير إلى كميات كبيرة من علب الكبريت في مستوعبات المرفأ من دون تأكيد من قبل السلطات اللبنانية، ناهيك بالحديث عن كميات كبيرة من المفرقعات، وماذا بعد؟ لا أحد يجيب على مثل هذا السؤال.

يحاول صحافيون وناشطون بيئيون واجتماعيون وأفراد من ثورة 17 تشرين، وكذلك مراكز البحوث الحصول على البيانات المتعلقة بالمواد الموجودة ليس في العنبر 12 في المرفأ، بل في كل المستودعات التي انفجرت وتدمرت جراء الانفجار. ولكن لا أجوبة شافية.

ولا يخفي نادر تخوفه من وجود مواد خارج البيانات في المرفأ، ذلك أن الفساد في لبنان ليس مستشرياً فحسب، بل هو نظام متبع في مؤسسات الدولة. إنما لا يعني ذلك التخلي عن الفكرة الأساسية وهي “الحصول على البيانات التي من شأنها أن تعطينا فكرة واضحة عن الموجودات في المستودعات، كي يتم التعامل مع المخلفات وتقييم الأضرار ونسبة التلوث وسبل معالجتها”.

” الواقع الحالي البحري يقتضي وجود برنامج جدي لمراقبة التلوث بين الكائنات البحرية التي يتم استهلاكها للغذاء البشري”.

الحل بالنسبة إلى نادر هو ضرورة التعاون بين الدولة المسؤولة عن التنظيفات والتحقيقات وبين الجامعات ومراكز البحوث والمختبرات، ما يقتضي تقسيم العمل برأيه بين هذه المؤسسات وتستلم كل مؤسسة علمية نوع محدد من الملوثات حتى يتم تركيب أجزاء اللغز، مع وجود مركز واحد مسؤول عن مجمل العملية يقوم بتقييم النتائج. العملية برمتها تحتاج إلى الموارد وقدرة المختبرات للقيام بمثل هذا العمل، ولكن يحتاج قبل ذلك الى البيانات والصلاحيات الممنوحة من قبل الدولة للقيام بمثل هذا العمل، إذ لا يمكن إجراؤه خارج هذا الإطار.

الهواء

بعد مرور 7 ساعات على الانفجار، تبعثر غاز ثاني أوكسيد النيتروجين وعادت معدلات الغازات إلى طبيعتها في سماء بيروت. تشير د. نجاة صليبا من الجامعة الأميركية في بيروت إلى أن غاز ثاني أوكسيد النيتروجين خفيف في الهواء ويتبعثر بالسرعة، لكنها تتأسف لأن الغاز انتقل الى مكان آخر. وتشرح صليبا كيف أدى NO2 إلى تشكل سحابة بنية في سماء بيروت لفترة 6 إلى 7 ساعات، رصدت تأثيرها الأقمار الصناعية حتى اليوم الثاني، إنما اختفت في اليوم الثالث. وتقول بهذا الخصوص، “ذلك يعني أن الغاز تبعثر، ومع الأسف، انتقل الى أماكن أخرى في الجو، فحين يتبعثر الغاز وينتقل إلى مكان آخر، يخف تأثيره وكثافته بسبب انتشاره في أنحاء المنطقة كلها، لكن انتشاره يلحق الأضرار بالكرة الأرضية ككل”. في ما خص بقاء الغاز أو عودته إلى سماء بيروت، فلن يحدث، لأن NO2 يتفاعل في الهواء ويحوله التفاعل المستمر في الجو الى شيء آخر ولا يبقى كما هو. فكما هناك فاعل كيميائي يدفعه للتحول الى شيء آخر، وهناك فاعل فيزيائي يحرّكه ويأخذه الهواء. 

تالياً، وبحسب د. صليبا، لا يمكن الحديث عن استنشاق هواء ملوث لمرة واحدة، أي أن الصحة كي تتأثر بالهواء الملوث، يجب أن يكون التعرض للهواء الملوث لفترة الطويلة. يتحمل جسم الإنسان برأيها الهواء الملوث لفترة قصيرة، إنما الخطورة تكمن في استنشاق الملوثات في الهواء لفترة طويلة. وتشرح ذلك قائلة: “مثلاً إذا بقي الغبار في بيروت لفترة طويلة، بسبب قيام السكان بتنظيف البيوت والشرفات والشوارع، ناهيك بهدم البيوت التي تضررت وعمليات التعمير، يؤدي هذا النشاط الى انتشار الغبار في الشوارع وتدخل البيوت ويعرض الناس لاستنشاق الهواء الملوث لفترة طويلة من الزمن، من هنا تحدث المشكلة”. 

في سياق تلوث الهواء يشير د. جوزيف متّى إلى أن انفجار نترات الأمونيوم قد يؤدي إلى توليد نترات أمونياك أو مواد كيماوية متفرعة منها مثل الزئبق والكاب، وهذا محتمل ومنطقي بسبب الغيمة التي انبعثت فور اندلاع الانفجار، إضافة إلى الخطورة التي قد شكلها تساقط الأمطار في مكان آخر، ذلك أننا لا نعلم إلى أين حمل المطر تلك الملوثات، إذا صحّ وجودها. وتبقى الخطورة بالنسبة إليه في الحرائق التي توالت بعد التفجير، ذلك أنها تحتوي على مواد عضوية ثابتة وقادرة على التحمل ويمكن أن تذوب في المواد الدهنية، أجسام الحيوانات وكذلك في جسم الإنسان مثلاً، ولا تؤثر هذه المواد وفقاً لجوزيف متّى في تركيبة المياه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني