fbpx

ميدان التظاهر الذي ابتلع الشعب

شكلت الساحات والميادين التي احتشد فيها المتظاهرون خلال الربيع العربي، قوة ضغط على الأنظمة وفضحت فقر شرعيتها ودفعتها إلى التنازل، حيث سقط رؤساء وتصدعت منظومات حكم، وانهار جدار الصمت تبعاً لمقولة راجت آنذاك، لكن سرعان ما تكشف أن للميدان مفعول عكسي، يحد التغيير وينمّط صانعيه.

الساحات والميادين، غدت موضوعاً مركزياً لدى متعقبي التظاهرات ومساراتها، من صحافيين وباحثين وسياسيين، إذ جرى رصد الاجتماع التظاهراتي بكل تفاصيله، من علاقات بين النساء والرجال، وبين الشباب وأصحاب الخبرات السياسية، وبين أصحاب الديانات المختلفة، في محاولة لاكتشاف الشعب، بعد سنوات من المحو الذي مارسه الاستبداد بمنظوماته المتعددة. والرصد والاكتشاف، سيطرت عليهما عين تحتفي بكل ما هو إيجابي، فمثلاً، ساحة التحرير في مصر، تبعاً للصورة المرسومة، خلت من التحرش، وحوادث العنف الطائفي، وانصهر الكل: إسلاميون وعلمانيون، مدينيون وريفيون، في سبيل تحقيق هدف واحد، أي إسقاط النظام.

ميدان التحرير في القاهرة

الصورة “الذهبية” للاجتماع التظاهراتي، خلت من التناقضات والصراعات والاختلافات، وفصلت المجتمع عن نفسه، بحيث جعلت من الميدان نموذجاً له، ينوب عنه ويمثله، بالضد من حقيقته المتمثلة بالتفتت والانقسام، وانعدام قنوات تصريف الأزمات في مؤسسات سياسية. الميدان بدا بديلاً مريحاً، يعفي من تحدي البحث في علاقة المجتمع بالاستبداد، ووجود مرجعيات للأخير، تغذيه وتتغذى به من دين وذكورية وعنف.

المتظاهرون شكلوا حشداً متنوعاً، سرعان ما جرى استقطاعه، عبر آليات بناء الصورة “الذهبية”، إلى نماذج منتخبة، عن المجتمع، ما أفقد المتظاهر فرديته، ونمّطه ضمن النموذج الذي ينتمي له. النساء والشباب والأقليات والطوائف والإسلاميين، صاروا نماذج، تصهر الفرديات وتحيلها إلى جمهور موحد، لا يعتمد في تشكله الآليات السابقة حيث الإيديولوجية والشعارات والعقائد، وإنما يعتمد النمذجة، حيث إعادة انتاج كل جماعة مجتمعية، وفقاً لأفضل ما قدمته في الميدان، وليس وفقاً لحقيقتها السوسيولوجية وتناقضات صراعاتها مع بقية المجتمع. والنمذجة إذ تنحو هنا إلى المثالي والإيجابي والجيد، فهي تنتج مفهوماً متعالياً ومجرداً ومطلقاً للمنتفضين، ما يجعلهم محدودي الفاعلية، وفاعليتهم مشروطة بولائهم للنماذج التي تمّ زجهم بها، بحيث يسفر أي خروج عنها، ليس فقط إلى جرح للصورة المرسومة بل وأيضاً، محدودية في القدرات.

الصورة “الذهبية” للاجتماع التظاهراتي، خلت من التناقضات والصراعات والاختلافات، وفصلت المجتمع عن نفسه، بحيث جعلت من الميدان نموذجاً له، ينوب عنه ويمثله.

وعليه، صورة الميدان المصاغة بمعيار احتفائي يتجنب العيوب والمشكلات، كرّست أمرين، الأول، إعادة محو الشعب المنتفض، عبر نمذجته إيجابياً، ونفي تناقضاته وصراعاته، والثاني، الحد من قدراته على التغيير بحكم ضوابط فرضتها الصورة المتخيلة. وهذان الأمران، سرعان ما انعكسا على الثورات، بشكل سلبي، فمع كل مشكلة كانت تبرز سواء كانت تحرش جماعي، أو عنف طائفي أو صدام مدني – إسلامي، كانت الصورة التي رسمت الميادين، كتمثيل نمطي إيجابي للثورة، تتصدع وتنهار، ما يرتب بالنتيجة، انهيار وتصدع للثورة نفسها التي باتت أسيرة تمثيلها، أي صورة الميدان النقية.

إقفال ميدان التظاهر على تأويل واحد سيعود بالضرر على الثورات، ويقلل من قدرتها على التغيير، ذاك أن الميدان مفتوح على المجتمع وليس تمثيل أحادي نمطي له، والعلاقة بين الميدان والمجتمع متأرجحة جداً، وشديدة التحول، حيث أن القطاعات المنخرطة في ساحات التظاهر، حتى ولو جمعها هدف واحد، لكنها تمتلك أسباب متفاوتة ومقاربات مختلفة، ما يجعل الصراع داخل الميدان أمراً محسوماً، فضلاً عن أن هذه القطاعات، في داخلها تناقضات قابلة للتفجر بشكل دائم، وعلاقاتها ببعضها البعض، مفتوحة كذلك على الصدام.

أي أن الميدان يمكن أن يكون كشفاً لصرعات المجتمع، وتنبيه لجذريتها، بدل أن يكون مصاغ كصورة لشعب مثالي تجاوز خلافاته وانصهر في وحدة جامعة لتحقيق هدفه، عندها أي تناقض أو صدام سيبرز، سيتم تصريفه عبر طرح مقاربات جديدة لحله، وليس باعتباره جرح للمثال المتخيل. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علي نور – صحافي لبناني
على رغم أن حاكم مصرف لبنان تصدّر مشهد الإجهاز على التدقيق الجنائي وتفجيره في النهاية، يمكن القول إن في السلطة من فخخ مسار التدقيق منذ البداية، تمهيداً لإسقاطه لاحقاً حين تصل الكرة إلى ملعب الحاكم.
Play Video
استجاب مجلس شورى الدولة في لبنان لأصحاب مكاتب استقدام عاملات المنازل، بعد أسبوعين من إصدار وزارة العمل عقد عمل موحّد جديد للحدّ من الاستقطاعات التي يحقّ لصاحب العمل احتسابها من راتب العاملة، فكيف حصل ذلك؟

4:30

Play Video

2:03

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني