fbpx

حرب اليمن في تقرير جديد… هل تأتي المحاسبة؟

خلص التقرير إلى أن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، لم يكن بشكل أساسي نتيجة عرضية للأعمال العدائية، بل أرجع ذلك بشكل مباشر، إلى سلوك أطراف النزاع.

في خضم حالة التطبيع الكامل لمسار الإفلات من العقاب، وعدم تورّع أطراف الحرب في اليمن عن تحييد المدنيين وحياتهم عن العمليات العسكرية المتصاعدة في عدد من الجبهات، أطلق فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن، تقريره الثالث من مدينة جنيف السويسرية، الأربعاء 9 أيلول/ سبتمبر 2020. 

أرض معذبة وشعب مهشم

من خلال مراقبة الفريق، خلال فترة ولايته، الوضع الإنساني في اليمن، خلص في تقريره الثالث في سلسلة عمله منذ عام 2017، إلى أن التدهور المستمر في الوضع الإنساني، لم يكن بشكل أساسي نتيجة عرضية للأعمال العدائية، بل أرجع ذلك بشكل مباشر، إلى سلوك أطراف النزاع. 

ورأى التقرير المعنون بـ”جائحة الإفلات من العقاب في أرضٍ معذبة“، أن الآثار غير المتناسبة جراء القيود المفروضة من قبل التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بما في ذلك إغلاق مطار صنعاء، سببٌ في تفاقم الحالة الإنسانية بشكل كبير، وأن القيود المفروضة على الواردات إلى ميناء الحديدة ساهمت في نقص الوقود والمواد الأساسية الأخرى، وأدت إلى تصاعد الأزمة الاقتصادية والإنسانية. 

 وجاء في التقرير أن فريق الخبراء وجد أن الألغام التي زرعتها “سلطة الأمر الواقع”- جماعة أنصار الله (الحوثيون)، أدت إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تمزق الألغام طرق المدنيين وتنشر الخوف في أوساطهم. وقال الفريق إن الكثير من المزارعين والصيادين، خصوصاً في محافظة الحديدة، أصبحوا يخشون ممارسة مهنة الصيد أو زراعة الأرض أو رعي الماشية، بسبب الألغام البرية والبحرية التي زرعتها الجماعة، ما جعل مجتمعات الصيد والمجتمعات الريفية أكثر فقراً. 

  • رئيس فريق الخبراء، كمال الجندوبي: “بعد سنوات من توثيق الخسائر الفادحة لهذه الحرب، لم يعد بإمكان أحدٍ القول: لم نكن نعلم بما كان يحدث في اليمن”. 

  ووثق فريق الخبراء عدداً من الممارسات التي تقوم بها جميع أطراف النزاع، والتي قال إنها تحول دون وصول الإمدادات الإغاثية، إما من طريق تقييد وصول المعونات من دون داعٍ أو من طريق فرض إجراءات تقوض قدرة المنظمات على القيام بعملها، أو فرض شروط لآلية توزيع المعونات لتشمل قوائم من المستفيدين من الطرف المعني. 

 وقال رئيس فريق الخبراء، كمال الجندوبي، في تصريح تضمنه التقرير: “ما زال اليمن أرضاً مُعذبةً، وشعبها مهشّم بطرائق من شأنها أن تصدم الضمير الإنساني”.

وفي الوقت الذي عبر فيه الفريق عن قلقه الخاص من نقص تمويل المعونات الإنسانية الدولية، خلص إلى أن هذا الأمر قد يفاقم الوضع الإنساني الخطر، خصوصاً أن 20 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي. مع ذلك، اعتقد الفريق أن الوضع الإنساني المزري يمكن تخفيفه بشكل كبير إذا أبدت أطراف النزاع احتراماً وامتثالاً للالتزامات التي تقع على عاتقها بموجب القانون الدولي الإنساني. 

وفي حين صدر التقرير بنسخته الإنكليزية، يُتوقع أن يصدر باللغة العربية، الثلاثاء 29 أيلول 2020، بمعية تقرير آخر مطول بعنوان: “ورقة غرفة الاجتماعات“، وذلك قبيل الإحاطة التي يفترض أن يقدمها الفريق أمام مجلس حقوق الإنسان يوم الجمعة 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2020. 

  وبالمقارنة مع التقريرين السابقين الصادرين عن الفريق ذاته، صيغت توصيات التقرير الثالث بلغة صارمة وواضحة، وبسقف مطالب مرتفع، تشمل مساءلة جميع منتهكي حقوق الإنسان في اليمن، وتحقيق مسار للعدالة والإنصاف.

القانون الجنائي للمرة الأولى

واللافت في التقرير، إضافة القانون الجنائي الدولي إلى الإطار القانوني الذي اقتصر خلال السنوات الماضية على القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ما يتيح معالجة مسؤولية الأفراد لا الجماعات، في الجرائم الدولية، الأمر الذي يجعله الأول من نوعه بين تقارير فريق الخبراء؛ وذلك لاعتماده هذه الصيغة القانونية، وإشارته الضمنية إلى المسؤولية الفردية للأطراف المشتركة في الحرب الدائرة في اليمن منذ أكثر من 5 سنوات.

كما أنه، وللمرة الأولى، سيتولى فريق الخبراء، بنفسه، تقديم التقرير مباشرة إلى مجلس حقوق الإنسان، بعد توسيع صلاحيات ولاية الفريق، في سبتمبر 2019، بدلاً من الآلية السابقة التي كان يقوم على أساسها المفوض السامي لحقوق الإنسان بمهمة تقديم التقرير للمجلس، بعد أن يتولى إجازته وتنقيحه. 

ويتكون فريق الخبراء البارزين للأمم المتحدة بشأن اليمن، من 3، هم: كمال الجندوبي (تونس)- رئيس الفريق، ميليسا باركي (أستراليا)، وأرضي إمسيس (كندا). تم تشكيل الفريق بقرار من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة  في أيلول 2017، ويتم تجديد ولايته في الشهر نفسه من كل عام. ويقدم الفريق تقاريره عن حالة حقوق الإنسان في اليمن في الدورة الثالثة لمجلس حقوق الإنسان من كل عام، والتي عادة ما تعقد لمدة ثلاثة أسابيع في أيلول من كل عام في مدينة جنيف السويسرية. 

ما من أيادٍ نظيفة

على رغم أن الإمارات العربية المتحدة- وهي عضو فاعل في “التحالف العربي”- أعلنت سحب قواتها البرية من اليمن نهاية عام 2019، كشف تقرير فريق الخبراء أنها لم تتوقف عن عملياتها الجوية، وأن 90 ألف مقاتل على الأراضي اليمنية ما زالوا يتلقون دعمهم من الإمارات. 

ونص تقرير فريق الخبراء، المزمع تقديمه لمجلس حقوق الإنسان خلال دورته الخامسة والأربعين، في أيلول 2020، على أن مسؤولية الانتهاكات تقع على عاتق جميع أطراف النزاع في اليمن، وأنه “ما من أيادٍ نظيفة” في هذا الصراع. 

وأوضح فريق الخبراء، أنه خلال فترة ولايته الممتدة من أيلول 2019 إلى آب/ أغسطس 2020، أجرى ما لا يقل عن 400 مقابلة مع ضحايا وشهود، عن انتهاكات قام بها أطراف النزاع في اليمن. كما أنه راجع عدداً كبيراً من الوثائق، والبلاغات التي وردت إليه. 

وشملت التحقيقات، التي عرض التقرير نتائجها، مجموعة واسعة من أنماط الانتهاكات لحقوق الإنسان من بينها: الهجمات الجوية والبرية، الألغام، تجنيد الأطفال، والهجمات على الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين، كالمرافق الصحية ومصادر الغذاء والماء. وحقق الفريق أيضاً في الانتهاكات المصاحبة للاعتقال التعسفي، كالحرمان من المحاكمة العادلة، الاختفاء القسري، التعذيب والمعاملة المهينة أو القاسية أو اللاإنسانية، والعنف المبني على النوع الاجتماعي، كالعنف الجنسي والاغتصاب. 

وقال رئيس فريق الخبراء، كمال الجندوبي، عقب فعالية إطلاق التقرير: “بعد سنوات من توثيق الخسائر الفادحة لهذه الحرب، لم يعد بإمكان أحدٍ القول: لم نكن نعلم بما كان يحدث في اليمن”. 

وخلصت تحقيقات الخبراء إلى أن “الحكومة اليمنية (المعترف بها دولياً)، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وسلطة الأمر الواقع في صنعاء، أي الحوثيين (أنصار الله)، والمجلس الانتقالي الجنوبي، مسؤولون عن انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وانتهاكات أخرى للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. وبحسب تقديرات فريق الخبراء، فهناك نمط ثابت من إلحاق الضرر بالمدنيين لدى هؤلاء الأطراف، ليس في سياق الأعمال العسكرية فحسب، بل بعيداً من خطوط التّماس أيضاً. 

وقال تقرير فريق الخبراء إن أفراداً في كل من “التحالف العربي” بقيادة السعودية والإمارات، وجماعة أنصار الله (الحوثيون) والحكومة اليمنية (المعترف بها دولياً)، ارتكبوا جرائم قد ترقى -رهناً بقرار محكمة مستقلة ومتخصصة- إلى جرائم حرب. وأشار الفريق إلى أنه أحال “قائمة سرية للغاية” إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان، بأسماء استطاع تحديد مسؤوليتها الشخصية في تلك الجرائم الدولية. 

 ونشر التقرير ملحقاً خاصاً يتضمن قائمة بما يقارب 300 اسم من الفاعلين العسكريين والسياسيين والأمنيين، من جميع أطراف النزاع، وسلسلة السلطة وتراتبيتها لديهم وصناعة القرار بينهم. 

  واستنكر فريق الخبراء استمرار “دول ثالثة” كأميركا وإيران وكندا وفرنسا وبريطانيا وإيرلندا الشمالية، في تمويل أطراف الحرب في اليمن بالسلاح، الأمر الذي اعتبره الفريق، يساعد في إدامة النزاع، على رغم التوصيات الواضحة في تقاريره السابقة، بضرورة وقف إمداد أطراف النزاع بالأسلحة. 

  • هل ستنجح حركة حقوق الإنسان في انتزاع قرار من مجلس حقوق الإنسان، بتجديد ولاية فريق الخبراء لعام آخر، وهل تقرير الخبراء يمثل قفزة لتصحيح مسار العدالة الدولية أم سيمرّ كسابقيه، مرور الكرام؟

وضع حد لـ”جائحة” الإفلات من العقاب

 وكان فريق الخبراء البارزين أفرد فصلاً كاملاً لتقييم عمل نظام القضاء اليمني وفاعليته، وهي من المواضيع الجديدة التي لم يتم التطرق إليها سابقاً. 

  وتوصل الفريق إلى أن النظام القضائي اليمني مشلولٌ ولا يستطيع إنفاذ العدالة، ويحمل إرثاً ثقيلاً من الفساد والتدخل السياسي في أعماله وسيطرة السلطة التنفيذية عليه، مستعرضاً ضعف قدرته على حماية حقوق المحاكمة العادلة وتمييزه ضد المرأة حتى في الفترة السابقة للصراع الراهن. وقال الفريق إن هذا الضعف في النظام القضائي اليمني، تفاقم خلال فترة الاحتراب، مع انقسامه إلى قسمين يتم تسييسهما بشكل مطرد.  

وتطرق التقرير إلى ضعف القانون اليمني في معالجة مجموعة كاملة من الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب، وأنماط المسؤولية المنطبقة عليها، ما يجعل منظومة القضاء المحلي أمام تحدٍ قانوني في معالجة ما راكمته الحرب من جرائم دولية. 

 20 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

ويرى فريق الخبراء أن على المجتمع الدولي اتخاذ المزيد من الإجراءات لسد فجوة المساءلة في اليمن، كتشكيل آلية دولية مستقلة ومحايدة للتحقيق في القضايا الجنائية IIIM، على غرار الآلية الخاصة بسوريا، موصياً مجلس الأمن الدولي بإحالة اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع قائمة الأشخاص الخاضعين لعقوبات مجلس الأمن. 

وحث التقرير الدول على التعاون لتمارس محاكمها “ذات الولاية القضائية العالمية” سلطتها في التحقيق، وإقامة محاكمات عند الاقتضاء على المدى الطويل. كما أوصى الفريق السلطات اليمنية والمجتمع الدولي، بالانخراط في المزيد من المباحثات لتشكيل محكمة خاصة في اليمن لمقاضاة الأشخاص الأكثر مسؤولية. 

وأشار الفريق في مواضع عدة من التقرير، إلى ضرورة الاستجابة لحقوق الضحايا في الانتصاف، بما في ذلك التعويضات، وشدد، ضمن مصفوفات توصيات الفريق، على أن تكون تلك التعويضات عادلة وغير تمييزية ومتاحة لجميع الضحايا. 

ودعا الفريق إلى ضرورة الوقف الفوري والشامل للأعمال العدائية وتحقيق سلام شامل ومستدام، ولكنه في الوقت ذاته، حذّر من أي تجاوز أو تقويض لحقوق الإنسان والمساءلة، مثل منح عفو عام، في أي مفاوضات سلام مستقبلية.

كما جدد الفريق، ضمن توصياته الخاصة بالمساءلة، التشديد على مسؤولية “الدول الثالثة” المتورطة بنقل الأسلحة، واصفاً ذلك بأنه إخفاق في تحمُّل الالتزامات المنضوية ضمن احترام القانون الدولي الإنساني، وأن بعض تلك الدول تنتهك أيضاً التزاماتها بمعاهدة تجارة الأسلحة. 

  وحذر الفريق من أن تلك الأعمال قد تتحمل فيها (الدول الثالثة) مسؤولية “المساعدة والمساندة” لجرائم الحرب المرتكبة في اليمن. 

أسئلة واستخلاصات

  يلاحظ المتابع لسير التقارير الأممية الصادرة بشأن اليمن في السنوات الأخيرة، أن الانتقال من تعيين وقائع الانتهاكات إلى المساءلة، من شأنه أن يضع حداً لمسار تطبيع سياسة الإفلات من العقاب. مع ذلك، يثير التقرير الثالث لفريق الخبراء، جملة أسئلة قد تشغل حيزاً من تفكير المتابعين والضحايا والمنتهكين وصناع القرار، في الملف اليمني.

من هذه أسئلة: هل سيجد التقرير آذاناً صاغية في أروقة الأمم المتحدة ودوائر صناعة القرار في مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن؟ وكيف سيستقبل 300 مسؤول وصانع قرار، من جميع أطراف الحرب في اليمن، مثل هذا التقرير؟ 

وأبعد من ذلك، ما هي دلالة تخصيص فريق الخبراء، فصلاً كاملاً من التقرير، لتقييم فاعلية القضاء اليمني؟ ما هي حدود ولاية القضاء اليمني بالنسبة إلى النظر في جرائم قام بها فاعلون غير يمنيين، كأفراد في التحالف مثلاً؟ هل تقدم فريق الخبراء بهذا التقرير خطوة أخرى من المتورطين في حرب اليمن من غير اليمنيين، عبر التوصيات تطالب بمحاكمات وتحقيقات دولية؟ 

 كيف ستستقبل الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان هذا التقرير، خصوصاً أن بعضها ذكرها التقرير كـ”مسانِدة ومساعِدة” في جرائم دولية ارتكبت في اليمن؟ هل ستصوت بريطانيا بـ”نعم” في مجلس حقوق الإنسان لقرار تجديد ولاية فريق الخبراء، خلال دورة المجلس المنعقدة أواخر أيلول/ سبتمبر الحالي؟ وهل ستنجح حركة حقوق الإنسان في انتزاع قرار من مجلس حقوق الإنسان، بتجديد ولاية فريق الخبراء لعام آخر، وهل تقرير الخبراء هذا يمثل قفزة لتصحيح مسار العدالة الدولية أم سيمرّ كسابقية، مرور الكرام؟ ما الذي ستحمله الأيام المقبلة من إجابات؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
إنها مقتلة متنقلة تحت شعار “إلا رسول الله”، لكن هذا الشعار ليس سوى تمويهاً خبيثاً يراد منه الحفاظ على “قداسة” زعماء وحكام، وتزخيم شعبية متوهمة.
Play Video
قوارب الهجرة نقلت ملايين اللبنانيين إلى بلاد أخرى على مر التاريخ والنكبات، بحثاً عن مستقبل وحياة أفضل… لكن ما الذي يجعل موجة الهجرة الحالية أكثر خطورة؟

5:01

Play Video
للحب ١٤ درجة …في أي مرحلة أنتم؟ تابعوا كلمة واصلها مع باسكال

0:54

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني