fbpx

جدل عودة الاستعمار و الثنائيات القاتلة

حصر الاستعمار بين الشر المطلق والخير المطلق، يحيلنا نحن شعوب هذه المنطقة، إما إلى "مقاومين" و"شهداء" أو "مستسلمين"، و"منبهرين" بنماذج يقدمها لنا الخارج.

يتأرجح الجدل المستعاد حديثاً حول الاستعمار، بين المديح والذم وبين القبول والرفض. البعض يريد عودة الأجنبي ليتحكم به وينقذه من أنظمة وحكومات فاشلة، مسترجعاً حقباً “ذهبية” قوامها تعلم سبل الحكم وبناء الدول، والبعض يمانع عودة الأجنبي ويراه “محتلاً” تجب مقاومته، مسترجعاً كذلك، حقباً “وحشية”، قوامها نهب الثروات ومنع بناء الوطنيات وارتكاب مجازر وإعدامات. والطرفان إذ يعتمدان على التاريخ، في بناء مواقفهما، فإنهما يحيلان هذا التاريخ إلى الجوهري والثابت، حيث التجارب ناجزة وتامة ولا يشوبها أي تفاوت وتعدد. ما يحصر الاستعمار بين الشر المطلق والخير المطلق، وبالتالي، يحيلنا نحن شعوب هذه المنطقة، إما إلى “مقاومين” و”شهداء” أو “مستسلمين”، و”منبهرين” بنماذج يقدمها لنا الخارج.

وبناء الثنائيات الصلبة، هذه، يستند إلى إغفال مسارات معقدة في علاقتنا بمستعمرينا، لا تستقيم مع السردية الرسمية المعتمدة، ذاك أن المقاومات ضد الأجنبي في المشرق، اختلطت بما هو أهلي وطائفي ومناطقي، وكذلك بمصالح ضيقة لهذا الزعيم وذاك، ولم تكن تتكئ على وطنية جامعة، لم تتأسس حتى الآن. في المقابل، تجارب الحكم التي أراد الاستعمار نقلها كانت لها حوامل محلية تمثلت بطبقة من السياسيين والأعيان، الذين انخرطوا في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وشاركوا في تطويرها أقله في الممارسة والتراكم. وعليه، فإن نقص الوطنية الذي جعل المقاومات أقرب إلى تمردات لها أسباب مختلفة، توازى مع مؤسساتية ناشئة سرعان ما فتكت بها الراديكاليات العسكرية. وبين الوطنية الناقصة والمؤسساتية الناشئة، مد وجزر في العلاقة مع المستعمر، تتلابس فيها مقاومته مع الاستفادة من التجارب التي ينقلها. 

المقاومات ضد الأجنبي في المشرق، اختلطت بما هو أهلي وطائفي ومناطقي، وكذلك بمصالح ضيقة لهذا الزعيم وذاك، ولم تكن تتكئ على وطنية جامعة، لم تتأسس حتى الآن.

والحال، فإن مقاومة المستعمر اقتطعت من سياقها التاريخي، وارتباطاتها بطبيعة المجتمعات التي نشأت فيها، وجعلتها ماهية بحد ذاتها، منزهة عن محيطها وموجهة ضد الأجنبي، فباتت خطاباً تشكل جزء من سردية الأوطان عن نفسها، وتتغذى على لغة يسارية تحيل المستعمر إلى موقع ناهب ثروات الشعوب والهادف إلى إضعافها دائماً، وأخرى إسلامية تحيله إلى موقع متخيل مستقى من أدبيات الحروب الصليبية. وفي الموازاة، تم اقتطاع التجربة المؤسساتية الضعيفة، خلال فترات الاستعمار، من سياقها وتمت إحالتها إلى فرصة ذهبية لنشوء الدول وتأسيسها، والاقتطاع هذا استند إلى قواعد ليبيرالية، تغفل أن لمثل هذه التجارب في منطقتنا حوامل موقتة وغير جذرية، من أعيان وزعماء لهم مصالح ضيقة، وليست بالتالي أحزاباً لديها برامج سياسية. 

والأرجح أن الجدل الحديث بين داعمين الاستعمار ومعارضيه، له أصل تاريخي، يتأرجح بين الاقتطاعين السابقين، بمعنى أدق، بين وهمين، يعوّض أحدهم عن نقص الوطنية بمقاومة ضد الأجنبي، فيما يعوّض الثاني عن فشل بناء الدولة بالحنين إلى محاولة مؤسساتية هشة. وللجدل كذلك أصل راهن، ليس معدوم الصلة بما هو تاريخي، فأنصار التيار الأول وارثو المقاومة، وجدوا حلاً لإشكال نقص الوطنية وصعوبة تأسيسها في إقصاء سواهم، وتخوينهم، وفرض إما استبداد تام، أو استبداد جزئي يقوم على التخويف من السلاح، أما أنصار التيار الثاني، فوجدوا حلاً في إشكال فشل بناء الدولة، بالقبول بطبقة سياسية هي امتداد لسلطة العائلات وذوي النفوذ.

من هنا، فإن عودة الاستعمار من عدمه، ترتب النتيجة ذاتها، طالما أن النقاش حولها يضمر فشلاً مزدوجاً، ويكرس أمراً واقعاً. وعليه، فإن تطوير هذا النقاش يبدأ من تحريره من الثنائيات القاتلة، وجعله نسبياً، علماً أن هذا يبدو شديد الصعوبة طالما أننا لم نبنِ وطنيات تعاقدية، أو دولاً تحتوي وطنياتنا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني