fbpx

انفجار بيروت كما رأيته على مرآة دانيال

الناس أصبحوا يمرون من أمام المرآة غير آبهين، كخيالات تمرّ ولكنها لا ترى نفسها. لا أحد يريد التقاط صورة على هذه المرآة بعد الآن. أحقاً نريد أن نرى وجوهنا مع هذه الخيبات؟

إعادة الإعمار سهلة بالمعنى التقني. مهندس يكشف على الأضرار، جمعية ما، محليّة أو دوليّة، ستدفع تكاليف الترميم وتعود الشوارع كما كانت: الأبنية، البيوت، المحلات، المطاعم، حتى واجهات الأبنية التراثية سترمم، ولكن من سيعيد إعمار حياتنا ومن سيستطيع ترميم ذكرياتنا؟ سيأتي موظف في إحدى الجمعيات لملء استمارة يقيّم فيها حجم الأضرار ويرسلها إلى مركز بيانات. مركز البيانات هذا سيشفر أسماء الشوارع والمباني ليستطيع الحاسوب قراءتها. أسماء سكان هذه الأحياء ستستبدل بكلمة “متضررين” أو “منتفعين”. الشوارع التي احتضنتنا نراها الآن على خرائط ملوّنة مقسمة بحسب حجم الضرر أو بحسب بعدها من الانفجار. انظر إلى هذه الخرائط بتمعن وارسم طرقاً لطالما مشيت عليها، أتناول قلماً وأضع علامة على بضعة أماكن كنت أمضي وقتي فيها، وأكتب اسم المكان بلون أحمر واضح لعلّني أستطيع انسنة هذه الخرائط.

بتنا نطلق على هذه الشوارع اسم “المنطقة المتضررة”. أكتب تقريراً عن هذه المنطقة تمهيداً لإرساله إلى إحدى الجمعيات وأعيد قراءته مرات عدّة. التقرير جيّد فيه كل ما تحتاجه هذه الجمعية من معلومات عن حجم الأضرار وعدد المتضررين. في كلّ مرة اعيد القراءة، أشعر بأن شيئاً ما ينقصه. ينقصه أن أذكر أن هذا المنزل المدمر عاش فيه صديق وملأه تحفاً وأغراضاً، كان يحضرها من أسفاره. ينقصه أن أشير إلى زاوية شارع، فيها مطعم صغير وأن أذكر في تقريري أن باميلا وجورج يعدّان هنا أطيب سندويشة كباب حلوم. أريد أن أضع هوامش في هذا التقرير وأخبر قصصاً عن أيام وليال أمضيناها معهما أمام هذا المطعم. على كراسيه الخشبية القديمة أكلنا وشربنا وأحببنا وتناقشنا. هناك ضحكنا كثيراً في الأيام الأولى للثورة عندما رفعنا علم لبنان على بابه مطلقين عليه اسم “مطعم الثورة”. من هذا المطعم الصغير كنا ننطلق إلى ساحة الشهداء للانضمام إلى الثوّار، ناسفين مبدأ أن البطون الخاوية تصنع ثورة، كنا نملأ بطوننا وننطلق. هذا المطعم ليس “مؤسسة متضررة” بل هو الخيبة التي أصابتنا جميعاً. خيبة الأحلام والتوقعات والآمال التي بنيناها.

تقف دانيال طويلاً أمام المرآة، تستعيد إحدى الحكايات التي تصوّر المرآة نقطة عبور بين العوالم. تنظر إلى ركام مشغلها، إلى أحلامها، إلى ذكرياتها في هذا الشارع تحاول جاهدة العبور إلى عالم العجائب ولكن صوت الانفجار يقطع عليها متعة العبور. 

أريد أن أذكر في تقريري أن المنازل ليست مجرد حجارة واسمنت ونوافذ وأبواب. رّمِموا المنازل ولكن لا تنسوا أن في داخلها لحظات وذكريات تلاشت أيضاً مع عصف الانفجار. عندما أرسلت لي زينة صديقتي صورة منزلها مع الباب المغروس في الحائط فوق الكنبة التي سمّيناها “كنبة البوح” لأننا كنا نبوح عليه ساعاتٍ قبل أن نغرق في نوبات ضحك أو وبكاء، لحظتها فقط نسيت كل شيء. لم يعد في ذاكرتي سوى صورة البيت المدمر وبابه الأخضر الخشبيّ القديم. تذكرت جملة كتبها فادي: “الموت هو اكتمال الذكريات، لا نهاية الحياة”. نعم، ستستمر الحياة، سنعيش، زينة ستشتري كنبة أخرى ستنزع الباب الأخضر المغروس في الحائط ولكن هل أصبح قدرنا أن نختبر الموت قريباً لهذه الدرجة لنصنع ذكرياتنا؟ ألا يمكن الاكتفاء بذكريات بسيطة: فنجان قهوة بعد ظهر ذلك الثلاثاء المشؤوم وصوت جارتهم المسنّة دائمة التبرج تصرخ بكلابها لتكفّ عن النباح مع موسيقى خافتة في الخلفية. لم نكن نطلب أكثر من هذه الذكريات البسيطة.

أذكر ثواني الانتظار على الهاتف وأنا أحاول الاتصال بالأصدقاء للاطمئنان عليهم. هذه الثواني التي لا تتعدى الستين أحسستها دهراً. كمية المشاهد والصور التي تراءت أمامي في تلك اللحظات هي ما حاولت جاهداً أن أعيش عمري من دون تخيلها. في تلك اللحظات تذكرت فادي صديقي من  سوريا الذي هرب من جحيم الحرب هناك عام 2014. كان يخبرني دائماً أن لحظة واحدة كفيلة بتغيير حياتك. فربما اللحظة التي تقرر فيها أن تحضر فنجان قهوة وتتوجه إلى المطبخ هي اللحظة ذاتها التي يسقط فيها صاروخ على الغرفة التي كنت تجلس فيها وتنجو بفضل فنجان قهوة.

عندما اتصلنا بدانيال للاطمئنان عليها وبينما كانت رنا تحدثها على الهاتف لم يخطر في بالي سوى سؤالها عن المرآة التي على الحائط أمام مشغلها. لم أسأل. اكتفيت بالاستماع إلى دانيال تخبرنا عن تلك اللحظات وعن إصرار أمها قبل الانفجار على المغادرة، على رغم أن لا موعد بانتظارهما. دانيال التي اعتادت البقاء في مشغلها لساعات متأخرة غادرت الساعة السادسة لتعود عند السابعة بعد الانفجار إلى مشغلها وتجده مدمراً بالكامل. لم يسلم شيء من فساتينها. حتى قطع القماش تمزقت وظهرت خيوطها. في صباح اليوم التالي ذهبنا لمساعدتها، كنت أعبر الشارع مسرعاً، مستعجلاً الوصول. أوّل ما نظرت إليه كانت المرآة. كانت ثابتة في مكانها حتى أنها كانت نظيفة من أيّ غبار. مرآة كبيرة علقتها دانيال أمام المشغل تعكس الشارع وتتوسط تلك الانعكاسة شجرة دائمة الخضرة. لم يكن المشهد الظاهر في المرآة هو ذاته التي اعتدت رؤيته. كانت اكياس الردم وانعاكس البنايات المهدمة يظهر في المرأة. هذه المرآة التي تختزن ذاكرة المدينة بقيت مكانها. هذه المرآة التي تذكرني بشربل وريمون ودجى وكثر غيرهم اعتادو التقاط انعكاساتهم فيها. كانت هذه المرآة انعكاساً لمشاعرهم في كل اللحظات التي عاشوها في تلك الشوارع. لحظات الحب ومثلها لحظات الخيبة، وثقوها أمام هذه المرآة بصورة. هكذا كان تعلقنا بهذه الشوارع وبأشيائه البسيطة. مرآة دانيال، درج صغير يعطي إحساساً بالحميمية، رصيف عليه كرسيّ قديم مصنوع من القش. تفاصيل صغيرة لن تذكر في التقارير ولكنها صنعت ذكرياتنا في الشوارع.

عندما أخبرت دانيال عن إحساسي عند رؤية هذه المرآة سالمة ونظيفة صمتت وارتسمت ضحكة صغيرة على وجهها وطلبت مني أن أريها ما كتب عن هذه المرآة. وجدت نفسي أسترسل في الحديث محاولاً تصوير المرآة على أنها رسالة للأمل وللبقاء. الشيء الوحيد الذي يبقينا في هذا الوطن هو الأمل. الأمل بأن الغد أفضل وأجمل وأكثر سلاماً، ولكن الواقع شيء آخر. الواقع تعكسه هذه المرآة، فالناس أصبحوا يمرون من أمام المرآة غير آبهين، كخيالات تمرّ ولكنها لا ترى نفسها. لا أحد يريد التقاط صورة على هذه المرآة بعد الآن. أحقاً نريد أن نرى وجوهنا مع هذه الخيبات؟ فكرت كثيراً بالمرآة ودلالاتها بخاصة أن لها دلالات كثيرة في التراث الإنساني، الكثير من الحكايا والأساطير تحدثت عن العلاقة بين الإنسان والمرآة فالبعض يعتقد أن للمرآة ذاكرة تخزن الطاقة الإيجابية والطاقة السلبية. الطاقة الإيجابية التي انبعثت من هذه المرآة والتي أودعها ملتقطو الصور بضحكاتهم وابتساماتهم وقبلاتهم، محتها ثواني الانفجار. إنها رسالة لنا بأن لا مكان للإيجابية في حياتنا. محكومون بالخيبات. تقف دانيال طويلاً أمام المرآة، تستعيد إحدى الحكايات التي تصوّر المرآة نقطة عبور بين العوالم. تنظر إلى ركام مشغلها، إلى أحلامها، إلى ذكرياتها في هذا الشارع تحاول جاهدة العبور إلى عالم العجائب ولكن صوت الانفجار يقطع عليها متعة العبور. 

مرّ أكثر من شهر على الانفجار كأنه البارحة وكأنه دهر، لا قيمة للوقت عندما تشعر بأنك تعيش بين هوامشه منتظراً موتاً قد يأتيك على شكل انفجار أو حريق أو رصاصة طائشة. التقارير قد تحتسب الأضرار والكلفة ولكن هل تستطيع تقدير كلفة عمرنا الضائع ونحن ننظر في المرآة مرددين: “بكرا أحلى”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
٤ أشهر على جريمة ٤ آب، والسلطة تمعن في اذلال المعوّقين واهمال أبسط احتياجاتهم، تابعوا رسالة سيلفانا اللقيس…

6:58

Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني