fbpx

قرار المئة دولار: النظام السوريّ لا يريد عودة الفقراء

هل يسعى النظام السوري لمنع اللاجئين والسوريين عموماً من العودة إلى بلادهم، وهل قرار المئة دولار هو طريقة ضغط على الفئات الأكثر فقراً?

يُضيّع “عبد الودود” أوراقه الثبوتية وجواز سفره في الفيلم الكوميدي السوري “الحدود” فلا يستطيع العودة إلى بلده ولا دخول البلد الآخر، مما يُضطره إلى التخييم في حدود البلدين.

الفيلم الذي كتبه الكاتب السوري محمد الماغوط انتج في بداية الثمانينات، وهو يسخر من ادعاء الوحدة والتعاون بين البلاد العربية، إلّا أنّه اليوم يذكرنا بشكل مباشر بما يحدث على الحدود اللبنانيّة السوريّة حيث يقبع مئات السوريين لا يعرفون ما مصيرهم.

حجج حكومية واهية

تصاعد غضب السوريين بعد عثور عناصر الدفاع المدني اللبناني مطلع شهر أيلول/سبتمبر على جثة فتاة عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، حيث رجح البعض  سبب الوفاة بسقوطها أثناء محاولتها العبور بطريقة غير شرعية بسبب عجزها عن دفع 100 دولار.

فبعد صدور قرار رئيس الحكومة السابق محمد عرنوس، الذي ينصُّ على دفع 100 دولار أميركي للسوريين ومن في حكمهم عند دخولهم إلى سوريا، لن يتمكن السوريُّ من دخول بلده إلّا بدفعه 100 دولارٍ أو ما يقابلها من إحدى العملات الأجنبية، على أن يُعفى المواطنون الذين لم يبلغوا 18 عاماً، وسائقوا الشاحنات والسيارات العامة من التصريف.

ما انفك النظام السوري التعامل مع شعبه بانتقائية، معلناً بفجاجة تفضيله فئات على أخرى

يعجزُ الكثير من السوريين اليوم عن دفع المبلغ الذي يساوي حوالي مجموع رواتب أربع شهور لموظف سوريّ، كما لا يخفى الوضع الاقتصادي السيء للسوريين في لبنان الذي يعاني بدوره من أزمة إقتصادية وتبعات لتفجير ميناء بيروت الذي وقع في 4 آب المنصرم، ويكاد يكون دفع 100 دولار هو أمر شبه مستحيل للكثيرين، ليشكّل هذا القرار تحدياً وعقبة قد لا يقدر الكثيرون على تخطيها، فكيف إن تحدثنا عن عائلات تتكون من أربع أو خمس أفراد؟ ولأن هؤلاء السوريون لا يملكون اليوم 100 دولار قامت الحدود السورية بإرجاعهم وبطبيعة الحال لا يستطيع الأمن اللبناني إعادتهم فاستقروا على الحدود.

وكانت وزارة المالية السوريّة أوضحت أن الهدف من هذا القرار “تأمين جزء بسيط من احتياجات البلاد من القطع الأجنبي”، وكأنَّ السوريين هم المسؤولون عن تأمين القطع الأجنبي، ولم تكتفي الوزارة بذلك، بل أكملت في بيانها أن أيّ سوريّ عائد إلى سوريا سيكون بحوزته قطع أجنبي بطبيعة الحال يجب أن يصرفها عبر القنوات الرسمية (المصرف المركزي، شركات الصرافة، مصارف عامة) ورغم اعتراف الوزارة في تصريحها أن المتوقع من هذا الإجراء من دعم الليرة السورية قليل إلّا أنّه ضروري، وهنا تعترف الوزارة أن هذا القرار ليس خطوة ضرورية وغير قادر على تغيير الوضع الاقتصادي السيء للبلاد بشكل جاد.

يبدو قرار المئة دولار وسيلة ضغط على المواطن السوريّ الذي لا ينفكّ يتساءل لماذا تريد سلطة بلاده الضغط على شعبها أكثر؟ وبينما يتوجب على حكومة أي بلد التخفيف عن مواطنيها ودعمهم لتخطي الأزمات التي تمرّ بها البلاد يبدو أن السلطة السوريّة تستخدم مواطنيها اليوم للحصول على القطع الأجنبي والذي يصل بطبيعة الحال إلى رؤوس السلطة، ولا يساهم بأيّ بشكل في تحسين الوضع المعيشي للسكان فهو حسب الباحث الاقتصادي في معهد الشرق الأوسط كرم الشعار لن يتجاوز سنوياً مليوني دولار وهو رقم منخفض مقارنة باحتياجات النظام السوريّ حسب قول الشعار.

نظام لا يريد عودة شعبه

هل يسعى النظام السوري لردع اللاجئين والسوريين عموماً من العودة إلى بلادهم، وهل قرار المئة دولار هو طريقة ضغط على الفئات الأكثر فقراً لمنعهم من الاستقرار مجدداً في سوريا مع موجة العودة التي بدأت مع انتشار كوفيد 19؟ 

لماذا يريد النظام طرد شعبه؟ 

الأسئلة ملحة وساذجة ربما، إذ يبدو أن من مصلحة هذا النظام ألّا تعود الفئات الأفقر إلى سوريا ويكتفي بالفئات ذات الوضع الاقتصادي الجيد نسبياً والقادرة بطبيعة الحال على تقوية الاقتصاد السوري بشكل ما. سبق أن أعلنها الرئيس بشار الأسد صراحة حين قال أكثر من مرة أن النسيج الاجتماعي السوري بات أكثر تجانساً حين تحدث عن مئات الآلاف الذين هربوا من بطش نظامه عبر الحدود. ما انفك النظام السوري التعامل مع شعبه بانتقائية، معلناً بفجاجة تفضيله فئات على أخرى تبعاً لانحيازات المصلحة الخاصة بالنظام والمستفيدين منه لا وفقاً لاحتياجات الناس.

مجدداً، يقع عموم السوريين فريسة نظام يرمي بالفقراء والمعارضين خارج حدود البلاد عن طريق هكذا قرارات، وتزيد من جهة أخرى الضغط على الشعب وتجعله منشغلاً بطرائق يتدبر فيها تأمين معيشته.

هكذا ينسى الناس المصدر الأساسي لفقرهم ومحنتهم المزمنة: النظام السوريّ!

فلو أرادت هذه السلطة الوقوف جانب شعبها والتفكير وفقاً لاحتياجاته لكانت وضعت ضوابط واضحة تراعي الفئات الفقيرة واحتياجات أخرى كالأشخاص الذين يسافرون إلى لبنان لبضعة أيام لأغراض طبية أو لمراجعة بعض السفارات، ولكانت وضعت استثناءات تخصّ الطلاب مثلاً ولما استثنت الأجانب.

ويبدو أن المسؤولين يدركون جيداً أن هذا القرار هو لدعم النظام من القطع الأجنبي فلذلك لم يجد السوريّ أي تضامن من جانب أي مسؤول حتى ذهب البعض للتهكم المهين ، إذ وصف مدير إدارة الهجرة والجوازات ناجي نمير السوريين العالقين على الحدود بأنهم “يمارسون حياة طبيعية”. هذا التعليق بحد ذاته هو سخرية من آلام السوريين، ليتابع نمير بالقول: “السوري الذي لا يملك المبلغ المطلوب، يكون أمام خيار واحد هو الاتصال بأحد ذويه أو أصدقائه، ليحضر له الـ100 دولار، فيقوم بتصريفها ومن ثم الدخول إلى بلده بشكل طبيعي”.

“نمير” يتوقع مسبقاً أن يملك السوريُّ العالق على الحدود صديقاً أو قريباً في الداخل وأن يملك هذا القريب 100 دولار مع أن حكومته منعت التداول بالدولار، متناسياً أن 82% من الشعب السوريّ تحت خط الفقر.

هذا يحيلنا بطبيعة الحال إلى الطريقة التي يتعامل فيها النظام السوريّ مع شعبه والطرق الكثيرة التي دأب على ممارستها سنوات طويلة للتخلص من شعبه ورميه إما في المعتقلات أو خارج حدود بلاده. 

بالنسبة له الشعب في النهاية وسيلة لتحصيل المال وإعلان الولاء وإن لم ينجح في تقديم أقل قدر منه لهذه السلطة فلا حاجة به داخل وطنه.

وصف مدير إدارة الهجرة والجوازات ناجي نمير السوريين العالقين على الحدود بأنهم “يمارسون حياة طبيعية”. هذا التعليق بحد ذاته هو سخرية من آلام السوريين

قرار  يخرق الدستور

يشكل قرار المئة دولار خرقاً لقانون سابق أصدره الرئيس الأسد في بداية هذا العام، والمتعلق بمنع التداول بغير الليرة السورية بيعاً وشراءً مع منع تصريف العملات الأجنبية في السوق السوداء، بحيث يحكم على المخالفين بالحبس 7 سنوات مع العقوبات الشاقة بالإضافة إلى منع إخلاء السبيل، فكيف تقرّ الحكومة بضرورة الدفع بالدولار مع أن رئيس دولتها أصدر قراراً سابقاً بمنع التعامل بالدولار الأميركي؟

هذا يعيدنا إلى فكرة أن النظام يهتم بمصالحه الخاصة وحسب فحين يضمن وصول القطع الأجنبي مباشرة إليه لا مشكلة وقتها في خرق القوانين وإصدار قرارات تتضارب ورؤيته السابقة، من جهة أخرى يعد هذا القرار خرقاً للدستور السوري وتحديداً المادة 38 والتي تنصّ على أنه لا يجوز إبعاد المواطن عن وطنه أو منعه من العودة إليه كما لكلّ مواطن الحقّ بالتنقل في أراضي الدولة ومغادرتها إلّا إذا مُنع بأمر من القضاء.

شريحة واسعة من المحامين والحقوقيين أعربوا عبر صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن استغرابهم لهكذا قرارات، فهي تعتبر اعتداء على حقّ ملكية مال منقول بإكراه المالك على استعماله والتصرف فيه خلافاً لإرادته.

اليوم مع وجود السوريين على الحدود اللبنانية السورية ومع محاولاتٍ لبعض المغتربين أصحاب رؤوس الأموال إرسال مبالغ تغطي دخول هؤلاء السوريين، نتساءل هل سننتظر على الدوام مساعدة من أحد ما لينقذ أهلنا من المصائب التي يضعه النظام بشكل مباشر فيها، النظام الذي يرضى أن يعلق عشرات السوريين اليوم في العراء، هل يودُّ حقاً مصلحة هذا الشعب وهل هو جدير بحمايته؟ أسئلة كثيرة تدور مع كلّ قرار يصدر وكأنّ همّ السلطة السورية إخضاع الشعب أكثر ونهبه وتهميشه وإفقاره.

 يذكرنا اليوم مشهد السوريين العالقين على الحدود اللبنانية بمأساة السوري الذي قضى حياته في الأعوام الأخيرة على الحدود في كثير من البلاد، متشرداً ونائماً في العراء، منتظراً العبور نحو الطرف الآخر، حيث تفترض أن توجد الحياة، وحيث لم توجد الحياة كذلك، لكن الفرق اليوم أن هذا السوري يودّ العبور نحو بلده ولا يقدر بسبب 100 دولار أميركي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني