fbpx

“آ لا غارسون” أو الشعر القصير المثير المتمّرد!

لا شيء يضاهي لديّ، في المرأة، الشعر القصير. لا شيء يضاهي رقبة مكشوفة، وخصلات شعر قصيرة تنسدل هناك حيث مخرج الروح بالنسبة إلى كثيرات.

كان يدهشني هذا الخروج العنيد للروح من مكان ليست فيه فتحات ظاهرة. مسامات فقط. تضع شفتيك هناك، على مسام الرقبة، تحت الأذن، أو أسفل الحنك، وتُخرج لسانك، وتصير شيئاً أشبه بعزرائيل. تنتزع روحاً كما يفعل مصّاص دماء. تسحبها إلى جوفك. تمتصّها. وانت تلامس بأطراف اصابعك نهايات الشعر القصير المقصوص.

لا شيء يضاهي شعراً أنثوياً مقصوصاً بطريقة تظهر فيها ملامح الوجه كاملة. شيء أشبه بالتعري بالنسبة إلى المرأة. شيء أشبه بالتخلص الكامل من كل أثر الذكورية وإرثها. سيغموند فرويد في أحد كتبه يقول إن الشعر الطويل هو بالنسبة إلى المرأة بمثابة القضيب. قضيب مفقود. وأنها حينما تعاند قصّه، إنما تعاند التخلي عن قضيبها. هل أوافق فرويد على كل شيء؟ لا. برأيي هو شخص مضطرب. وحتى هذا التفصيل قد لا ينجو من اضطرابه. لكنه يحيل إلى التفكير في الأسباب التي تدفع نساء لديهنّ وجوه وأعناق ساحرة، إلى اسدال شعر طويل عليها كستارة في نهاية مسرحية ممتعة. ما الذي يجعلهن يتمسكن بهذا السدّ بين العين وأعناقهن الناصعة اللامعة كنصل، أو خدودهن الملأى كسلال تفاح أحمر. لا أعرف. ولا أعرف لماذا الكثير من الرجال يفضلون الشعر الطويل في المرأة. هل هو شأن شمشوني؟ 

ما أعرفه أنني كنتُ منذ طفولتي أنجذب إلى ذوات الشعر القصير. الشعر الذي يظهر الأعناق من الأمام والرقاب من الخلف. الشعر الذي يقول: لست هنا لأخبئ، بل لأظهرَ المفاتن. الشعر الذي رسم، بسقوطه خصلاً على أرضيات صالونات الحلاقة، إفلاتاً للمرأة من قبضة المجتمع، من جدائل يصعب فكّها إلى حرية يصعب ضبطها. وما أحلاها حرية بلا خصل وبلا حبال ولا مشانق.

ربما، أفكّر إن كان للأمر علاقة بصفعة معلمة اللغة الفرنسية على خدّي وكنتُ سارحاً بجمالها في الصفّ غير منتبه إلى شرحها. أتأملها كالمسطول. ولا أرفع عيناي عن ملامح وجهها وشعرها القصير المصفف بأسلوب جريء، ورقبتها الطويلة الممتدة من صدر “رحب”. كانت في أواخر ثلاثيناتها، و”بكامل مشمشها” بالتعبير الدرويشي، تسير في الصفّ موزّعة عطرها الأخاذ بين الطاولات، مخلّفة “ضحايا” بين التلاميذ، وكنتُ أكثرهم “تضرراً”، وما أحلاه من ضرر. ولا أظنها صفعتني حينها لأنني كنت غير منتبه للدرس. بل على الغالب رأت في عينيّ تلك النظرة الشهوانية. وصفعتني لتقول لي: استيقظ من رغباتك أيها الولد. أنا لستُ لك، ولن أكون يوماً.

في تلك الفترة من طفولتي كانت قصة “الأميرة والبرج” تحيرني. تلقي الأميرة بضفيرة شعرها الطويل من البرج لتسمح للأمير بالصعود إلى أعلى البرج حيث هي مسجونة. تستخدم شعرها، لا لتتحرر هي، بل لتسجن معها أميرها. لا تقص شعرها لتسخدمه للهرب. تسدله من أعلى البرج ليتسلقه أميرها ويسجن نفسه معها. لا يكملون لنا الحكاية بعد ان يصير الأمير معها في البرج. لكنهما، هناك، مسجونين. ولا سبيل لخروجهما سوياً إلا بتخلي الأميرة عن شعرها الطويل، ليصير حبل الخلاص، خلاصهما معاً. 

“امرأة تقص شعرها هي امرأة على وشك تغيير حياتها”. 

أتذكر أنني كنت أقرأ في كتاب “الأعمال الكاملة لبديع خيري” الشاعر المصري فوجدت حوارية تعود إلى بدايات القرن الماضي من “اوبريت البلابل”، بين الرجال والنساء، عن قصّ النساء شعورهن. وحينما يعاتب الرجال النساء على قصة “آلا غارسون”: “ايه بقى يفرق بينا وبينكم/ من بعد المطاليع دي السوده؟”. تجيب النساء: “مساكين بالذمة يا نيلة/ روبابيكا ودقه قديمة/ تمدّنوا كده وبلا حيلة/ خليكوا بقى تصبحوا قيمة”. كان قص الشعر “آ لا غارسون” يعتبر تشبّهاً بالرجال. مع أن السردية التاريخية تخبرنا أن الرجال سابقاً كانوا يطيلون شعورهم. 

في هوامش كتاب شوقي دويهي البديع “مقاهي بيروت الشعبية” ملاحظة عن الأبواب الخلفية والجانبية للمقاهي في ساحة البرج ووظيفتها تأمين هرب لعيبة القمار في حال مداهمة الشرطة لهم. دويهي يقول إن مرافق أخرى كان لها هذا النوع من الأبواب أيضاً ومنها صالونات الحلاقة النسائية. خصوصاً أن فترة الثلاثينات شهدت موضة قصة الشعر القصيرة (آ لا غارسون) والغرض من هذه الأبواب هو عدم رؤية المرأة أو الفتاة عند دخولها وخروجها من الصالون، لان موضة الشعر القصير كانت تعد خروجاً على الاعراف “بدليل المقالات الصحافية التي تناولتها بالنقد”. هذا في الثلاثينات. بعدها بعقود، في زمن طفولتي، كان إغلاق الصالونات النسائية بستائر وصور تحجب ما في الداخل عن المارة في الخارج يجعل ما يدور في هذه الصالونات بالنسبة إليّ جديراً بالاختراق. وكنت أحسب، كما أظهرت لي ملاحظة دويهي، أن ما يدور هناك، لا يرتبط بالموضة فحسب، بل إن هذه الموضة التي تصنع خلف الزجاج الحاجب، إنما هي نوع من الثورة على التقاليد، ولهذا تخاف النساء ويخاف الحلاقون والحلاقات من كشف صناعة هذا النوع من “الثورة” إلى الخارج. 

لا شيء يضاهي شعراً أنثوياً مقصوصاً بطريقة تظهر فيها ملامح الوجه كاملة.

قبل سنوات طويلة عرّفني الصديق المصور مروان طحطح إلى المصور العالمي هيلموت نيوتن. مصور جريء يعرف كيف يلتقط الأجساد والوجوه. يعرف كيف يلتقط اللحظات الحاسمة في الاحتكاك الجنسي بين النساء والرجال، وبين النساء والنساء، وبين الرجال والرجال. يعرف كيف يصنع من الصورة قصة كاملة. يعرف كيف يقطف الأرواح من النيغاتيف. مصور استثنائي. من بين صوره واحدة لـ”آريال بعد قصة الشعر”. وفيها الموديل آريال وقد حصلت على قصة شعر قصيرة، مع غرة تغطي جبينها، وقد تناثر الشعر المقصوص على نهديها العاريين. ما كان يغطي الوجه، صار كله متناثراً على النهد، تمكن بنفخة إزالته من هناك، مع ما يستتبع ذلك من امتصاص للروح من الحلمات أو المسامات المغلقة. الصورة ليست ايرويتيكية بقدر ما تمثل حرية الجسد بالتوازي مع حرية تساقط الشعر المقصوص على العري الكامل. 

هذا التساقط الحرّ، يحيلني دائماً إلى جوني ديب في فيلمه الشهير “إيدوارد سيزور هيندز” (إدوارد ذو الأيدي المقصات)، حينما يقص شعر جارات الحي حيث يلجأ إلى بيت بيج، ولا يمكن إغفال فرحة إدوارد الكبيرة واستمتاع السيدات وهو يجزّ شعورهن ويهبهن قصّات تخرجهن من أقفاص حياتهن الرتيبة، فكما تقول كوكو شانيل، “امرأة تقص شعرها هي امرأة على وشك تغيير حياتها”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني