fbpx

انفجار بيروت: عن يوم لم أعد أذكره…

سنقبع في حداد ممتد حتى نموت. سنرحل عن البلاد، والبلاد ستأبى الرحيل عنا... ومنا.

الثالثة والنصف من فجر يوم لم أعد أذكره. 

أطمر وجهي بين الوسادة والكنبة كما تفعل صديقتي مينا حين تعجز عن النوم. أتمنى لو تبتلعني الكنبة، وأبكي. أشعر بأن روحاً تغادرني. تؤلمني يداي. لم أعد متأكدة منذ كم يوم وليلة وقعت المجزرة. أعلم فقط أنني أشعر بها في رأسي. وكأنها حصلت عندي في البيت. داخل قلبي. كأن كل ما فيَّ انفجر وما زالت أطرافي مفقودة. إلا أنني في الواقع، ما زلت قطعة واحدة. 

كنت في البيت في فردان عند السادسة من الثلاثاء 4 آب/ أغسطس. بمحض مصادفة. أطل برأسي من شباك غرفة الجلوس أحاول اكتشاف مصدر الهدير الآتي من أعلى. الطبقة فوقي خالية من المستأجرين، من أين يأتي الصوت إذاً؟ أعاني ريبة سمعية مدمرّة. أذناي تلتقطان كل صوت لو مهما بَعُد مصدره، كل كنبة تتحرك ولو في المبنى المجاور. الأصوات مجهولة المصدر تفقدني صوابي.

شباكي الزجاجي الممتد على كامل عرض غرفة الجلوس مشرّع، على رغم المكيّف. بمحض مصادفة. شاهدت زجاج المبنى المجاور يتناثر في ثوان، وفي الخلفية، صوت جارتي تنهرني لأدخل رأسي. اهتز بنا المبنى وتحركت الأرض، فدخلت بمينا المرتاعة إلى الغرفة الأبعد في البيت عن الزجاج. وعن السماء. لا أذكر كم من الوقت مضى ونحن في الغرفة. أذكر أنني تلقيت ثلاث اتصالات: أختي، بهيج، وصديقة عمري سميرة. أختي أخبرتني أنها طارت ولكنها دخلت البيت وهي بخير. بهيج أبلغني أن زجاج المطبخ طار ولكنه بخير. وسميرة تجهش بالبكاء، فهمت أن الهواء أحمر وأبيض وأن الناس يركضون في الطرق ولا يعرفون إن كانوا بخير. الأصوات مرعوبة. رعبٌ ممزوج بأحاسيس أخرى عبثاً احاول حصرها بكلمات. لا أذكر الكثير من تلك الليلة سوى أن استيعابي الأحداث كان بطيئاً جداً، ومع تقدم ساعات الليل وتكشّف المزيد من التفاصيل، وجدت نفسي عاجرة عن الحركة أو الوقوف أو الكلام، أصارع لإدخال الهواء إلى رئتي، جبيني الملتهب لا أجرؤ على لمسه.


الرابعة والنصف من فجر يوم لا اذكره. اطمر وجهي. ابكي بدون سبب. مكان قلبي، جوفا استطيع ان اسمع صداه. افكر بما فعلنا لنتقاصص هكذا. افكر بالذين امضوا ساعاتهم الأخيرة تحت الركام، بالذين اسلمت قطعا من قلوبهم الروح بين ذراعيهم. بالذين فقدوا الإتصال بأغلى من في حياتهم لساعات. اتخيل لو لم اتمكن من سماع صوت اختي. اطمر وجهي واتصوّر موتاً بطيئاً لرموز المنظومة. اشاهد اولادهم واحفادهم ينازعون، يطلبون الهواء على مشارف موت بطيء. اشاهدهم يتعذبون، عاجزين عن تخفيف معاناة من يحبون. راكعين، راجين، يتآكلهم الأسى. ارى نفسي، كأنما من عرض جوّي، اتحول الى وحش يتمنى جهنم لأولاد لا ذنب لهم سوى ان لهم آباء جزارين.

يحكمنا أوغاد

يفعلون بنا ما يريدون. يلهون بنا ويضحكون. كانت المفكرة الألمانية الأميركية حنّة آرندت حذرتنا منذ أكثر من 60 عاماً. اخبرتنا كيف تفتك الأنظمة الشمولية بشعوبها، تنكلّ برعاياها وتضحك، والرعايا أيضاً يضحكون. في لبنان لا يحكمنا نظام شمولي، نظرياً. وجه نظامنا مخادع، يظهر تعددياً، لكن داخله توافقي هزلي، لا صراع سياسياً حقيقياً فيه. بدل الديكتاتور الواحد، تحكمنا مجموعة أوغاد، تعمّدوا الفشل بكل ما لا يراكم ثرواتهم. يتعاطون مع البلد كشركة خاصة استنزفوا حصصهم منها حتى افلست، فتركوا موظفيها لمصيرهم. مجموعة أوغاد لا يشون ببعضهم، لأن رحيل واحد يفرط عقد النصب. يتقاتلون عندما تدعو الحاجة لتجديد البيعة لأنفسهم في ختام كل جولة حول الويسكي (أو الشاي) والبوكر.

عَودة إلى حنة. كشفت في كتابها “أصول الشمولية” (1951) أن قادة الأنظمة الشمولية تصرفت على فرضية أنه يمكن إقناع الناس بأكثر السرديات سوريالية يوم الإثنين (كأن قيادة حزب الله تعلم ما في مرفأ حيفا أكثر مما تعلم ما في مرفأ بيروت مثلا)، ولو جاءتهم المنظومة يوم الثلاثاء بأدلة دامغة على خطأ سردية الإثنين، فلن يهجروا من خدعهم، لن يواجه المخدوعون بأكثر من التهكم.. سيتباهون بأنهم كانوا كشفوا الخداع منذ زمن، وسيمدحون ذكاء مهندس الخديعة. الجماهير لا تعترض على الخداع إذاً، وهي جاهزة لتصديق السردية الأكذب، لأنها تتعاطى مع كل معلومة على أنها كذبة.

ليس نظام الحكم في لبنان شمولياً، طبعاً، فنحن واحة الحريات في منطقة الظلام الفكري. لكن الأوغاد حديثي النعمة شديدو الإعجاب بمنطق ماكينة البروباغندا النازية. حتى أن احدهم لم يجد حرجاً بالاقتباس من وزير الدعاية في الحزب النازي جوزيف غوبلز في مقابلة عام 2020. 

يأتينا الصحافي رياض قبيسي “بالوثائق والأدلة”. رياض معنا، تحت. في تموضعي الإستراتيجي تخليت عن كل التدرجات. رياض قبيسي، الذي أزعجني أسلوبه الملوّن بالتشيبح لسنوات، معنا. رياض الذي منّا، والذي احسده على صبره وطول باله، يواظب لسنوات خلت على مدنّا بالمعطيات. بيانات، ومراسلات، وأحكام قضائية، وتسجيلات. تليها مصطلحات تلفزيونية – LVO1 وLVO2 وD1 وN5 لا أطيل المتابعة وسرعان ما يتحول صوته الى مجرد ضجة في الخلفية. أزدري نفسي بعدها، لكنني بصراحة لا اقوى على الدخول في دهاليز الـLVO.

كانوا يعلمون

كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبح انفجار اغتال المدينة مسرحاً للوفكة والتفاصيل والتفاصيل المضادة؟ كيف ننجرإلى هذه المتاهة؟ كيف تصبح مجزرة كهذه متاهة اصلاً؟ رئيس الجمهورية كان يعلم. لم يكن يعلم. بلى، كان يعلم، لكن المرفأ ليس من صلاحياته. كيف يكون مرفأ بيروت خارج صلاحية رئيس الجمهورية اللبنانية؟ لا، يبدو ان المرفأ من صلاحياته لكنه عًلِم بالحمولة المُفرّغة قبل بضعة أيام من الانفجار، كان الأوان فات على أي خطوة مجدية. “ترو تار” كما قال في آخر إطلالة له على شعبه العظيم. أيعقل هذا الكلام؟ هل حصل فعلاً؟ يعقل وقد حصل. وهكذا، يبدو تحميل رئيس الجمهورية أي مسؤولية مجرد رأي شخصي. حتى تحميل المدير العام للجمارك مسؤولية يبقى رأياً أو جزءاً من سلسلة المؤامرات على العهد كما يبدو.

لا يبخل علينا التاريخ بأمثلة تثبت أن أحد أنجح التكتيكات لمحو الخط الفاصل بين الحقيقة الواقعية (المبنية على وقائع) والباطل، هو الادعاء المستمرّ والممنهج بأن أي حقيقة، أو واقعة مهما أٌثبتت، ومهما أكدتها مصادر، هي مجرد رأي. مجرد موقف. وعلى رغم أن الأنظمة الشمولية مارست هذا التكتيك في العلن وصراحة في القرن الماضي، إلا أننا نراه يستعيد مجده اليوم، في أنظمة تستاء رموزها من مقارنتها بالأنظمة الشمولية. نراه اليوم يخلق كوكباً خيالياً موازياً في لبنان من الوقائع البديلة، الحقائق- المواقف. 

الحداد بدوره سيلازمنا، ومعه غضب معتق سنودعه لأولادنا وأولادهم من بعدهم.

نسيج الوقائع المحاكة فيه حياتنا اليومية في هذه البلاد، هش. واهن أمام الوخز المنهجي، ومفتوح على التمزيق الكامل الذي يمارسه أهل السلطة بانتظام على اختلاف مواقعهم. تُرقّع الوقائع هنا بالبالي والباطل ليَسهُل نسيانها. فالحقيقة تحتاج لمن يتذكرها، لشهود صادقين يحفظون مكانتها في التاريخ. وفي تغييب هذه الآلية، سعي إلى إغراق الوقائع وإبقائها في دائرة المشكوك به. وهنا مكمن احتراف أركان المنظومة وأبواقها: في ازدراء الحقيقة بانتظام. فلا واقع أصلاً خارج ما يريدونه واقعاً. وخارج ما يعيدون هندسته بحسب متطلبات الساعة السياسية. يعرفون أن الوقائع تعتمد على سلطة من يخترعها ويثبتها ويبشّر بها. يثابرون على التحوير واللوفكة والترهات والتفاهات على مدار الساعة.

في منزل العائلة في حملايا، أتسمرّ أمام الشاشة، هاتفي في يدي. نسمع عن حمولة متفجرة تنتظرنا في المطار. مصدر الخبر محلل سياسي محسوب على طرف سياسي. يأتي أولاً من مجموعة “واتساب” من ناشطين أصدقاء. الخبر مفبرك. فيلٌ طائرٌ على عجل. دقائق وتراسلني صديقة تقطن وابنها على طريق المطار، غادرت منزلها وهي في طريقها إلى أبعد نقطة ممكنة عن المنطقة. تبحث عن غرف موقتة للإيجارفي منطقة نائية، هالعة. ثم يظهر وزير الأشغال العامة في حكومة تصريف الأعمال على الشاشة ليناقش التسريبات. النفس الممانع طاغٍ في بيتنا، والمؤامرة عدسة تحليلية مفضلّة. ينوي العدو ضرب المطار، يقولون في البيت، والضجة هذه كلها تمهيد لعمل عدواني. يخرج علينا الوزير ومدير الشركة القائمة بالأعمال في المطار بابتسامات بلهاء، بالمستندات والتواريخ، كمن يريد أن يظهر مستبقاً للكارثة. يطمئنوننا إلى أنهم على علم بأن منشآت المطار القديمة جداً بحاجة إلى ترميم، وأنهم سوف يرممونها. صح النوم يا قوم. 

يسأل مراسل – معه مستندات هو الآخر – سؤالاً بدا محرجاً، اضطر على إثره الوزير أن ينهي المؤتمر عوض الإجابة. اختتم المؤتمر، لا أذكر كيف، ولا بأي مخرجات أو استنتاجات. لا متابعة تُذكر في نشرات الأخبار في الأيام والليالي التي تلت، باستثناء تقرير للمراسل صاحب السؤال مفاده أن عقد الشركة القائمة بأعمال الصيانة في المطار يجدد للسنوات المقبلة، من دون مناقصة أو دفتر شروط. ما قصة هذه الحمولة إذاً؟ مشروع انفجار؟ تمهيد لانفجار؟ تغطية لصفقة؟ تشبيح محلل مغمور؟ من نصدق وعلى أي أساس؟ تبدو كل هذه آراء وما من وقائع. معلومات متضاربة في احسن الأحوال. تحليلات. كيف نتموضع وسط تحليلات؟ جنب اي منها نصطف؟ من أين نأتي بالمعطيات إذا ثابر الجميع على الكذب على هذا النحو، وكيف نحكم؟

أعرف أن هذا ما تريده المنظومة. ألا نمتكن من التموضع. وثّقت لنا حنة أن ما يمكّن الأنظمة من السيطرة على العقول هو حرمان شعوبها الحقائق الواقعية بشكل ممنهج، وتزويدهم بالرأي والرأي الآخر، والتحليل والتحليل المضاد، بدل المعطيات. كانت تعلم الأنظمة، كما يعلم الأوغاد اليوم، بأن السرّ هو في سلبهم أمان المعطيات.

اخطر ما سينتج عن هذا الحرمان ليس أن الأكاذيب ستستحيل حقائق، ولا أن الحقيقة ستُعتبر تلفيقاً، وليس توّقف الناس عن تصديق طرف معيّن. أخطر منتجات ماكينة الدجل الدائم هو توّقف الناس عن التصديق بالمطلق، ما ينتزع منهم القدرة على الموقف. تحطّم “اللوفكة” المنظمة قدرتنا على تمييز الحقيقي عن الباطل. يقلقني أننا بتنا المتلقين المثاليين لترّهات الماكينة. نشكك في مُعاشنا، بعدما طوّع الخداع معاييرنا. ومع شعب مُقعد هكذا، أي شيء ممكن. أي كذبة ممكنة. أي هزل ممكن بأضعف مقاومة ممكنة.

الخامسة إلا ربعاً من فجر يوم لا أذكره.

أطمر وجهي بين الوسادة والكنبة. أتمنى لو تبتلعني الكنبة قبل النكبة التالية. سيرتكبون الأفظع، ولن يردعهم شيء. يعرفون أن شعبهم لن يهجرهم، وأن أقصى ما سنقوى عليه بمواجهتهم هو التهكم. 

أطمر وجهي، فيما تحاول مينا تنظيف وجنتي من الدموع، لا تعلم حبيبتي مدى خشونة لسانها على الوجه البشري. أعرف أننا لن نعرف يوماً ما حصل في المرفأ. لن نحصل على خاتمة تسمح لنا باجتياز مصابنا ومتابعة الحياة بعدها. لن نحصل عليها، تماماً كما لم يحصل عليها أسلافنا بعد حرب الـ75. سنقبع في حداد ممتد حتى نموت. سنرحل عن البلاد، والبلاد ستأبى الرحيل عنا. ومنا. والحداد بدوره سيلازمنا، ومعه غضب معتق سنودعه لأولادنا وأولادهم من بعدهم. ولكلابنا وجراويها. ويبقى الجزار جزاراً.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني