fbpx

لبنان: جو ملاح… الرجل الذي لا يشبه سلطتهم الرثة

يوسف ملَّاح لملكة انسانية فيه، وقدرته على تظهير المظلومية التي تسببت بها السلطة بحق من يمثلهم، تُوجّب تقديمه "رمزاً" لتلك الشريحة التي تتماهى والإنسانية في زمن احتضار الأخيرة بيد من ابتلينا بسلطتهم .

تُغري محاولة الفريق التشيلي في البحث عن أحياء أو أموات تحت ركام أحد أبنية مار مخايل، بمقارنة بين امتلاك الإنسانية وانعدامها، وهو الأمر الذي تحتل السلطة عدميته قطعاً، وكأحد طرفي المقارنة، فبعد أكثر من شهر على “مقتلة” المرفأ، يشي رصد السلطة وأفعالها تجاه تلك المقتلة بسعي حثيث منها إلى إسدال الستار على تبعات تلك المأساة الجريمة، وهو سعي يؤشر بوضوح إلى مسؤولية تريد هذه السلطة دفنها بأقل الأثمان. لكن سعيها المريب يُقابل بجهد إنساني للدفاع المدني الذي يحاول بما استطاع جبه السعي السلطوي إلى دفن ضجيج تلك المأساة، ببشرها وحجرها، تحت الركام الشاهد على هول المجزرة، وليس عابراً في السياق ذاته ما كابدته تلك السلطة في الأيام الأخيرة حين تكفلت الكلبة “فلاش” بوضعها أمام مرآة جنسها، من دون أن تمنحها مشقة اكتساب أهم خصالها، وهي الوفاء.

يوسف ملاح، متطوع في الدفاع المدني

يوسف ملاح، متطوع في الدفاع المدني اللبناني، ومع أنَّ استدراج الاسم إلى متن الحدث الراهن ليس بالضرورة محاولة لأيقنة الرجل، وإن كان في أحد أهم أوجهه، أبلسة سالبي حقه، فملَّاح لملكة انسانية فيه، وقدرة على تظهير المظلومية التي تسببت بها السلطة بحق من يمثلهم، كان على كاتب هذه الكلمات أن يقدّمه “رمزاً” لتلك الشريحة التي تتماهى والإنسانية في زمن احتضار الأخيرة بيد من ابتلينا بسلطتهم .

يوسف ملاح ومن يمثل هم مواطنون لبنانيون، وهو انتماء أغلب الظن صار يُحمل على سوء الطالع الذي يئن أكثرنا تحت عسفه، ومع أنَّ الشاب ورفاق مهنته، هم في المحصلة جزء من المنظومة الوظيفية في الدولة وإن تطوعاً، لكنهم الأكثر غبناً في قطاع سلَّم بهذا السوء، وتماهى معه غالباً، وهو ما يرجحه الاهتراء في الكثير من مرافق الدولة وإداراتها والتي كان انفجار مرفأ بيروت شاهداً حتمياً عليها، فيما ملاح وأمثاله كانوا نموذجاً فارقاً عن النمطية السائدة في الدولة المهترئة وهم يتسيدون بشخوصهم مضارعة النوائب التي صارت ديدن هذا البلد الذي لا يزال يستنزف تعبهم وجهدهم مجاناً .

 الدفاع المدني كنموذج إنساني، أول الفة الأعين التي على الأرجح صارت مصابة بالمشاهد المأساوية، وربما ليس من المبالغة القول إنَّ مساحة التعب التي يقيم عليها هؤلاء المتطوعون صارت مدىً لأبصارنا إذ المواءمة بين الكارثة والجغرافيا هي تماماً لبنان .

 صورة يوسف ملاح المرفقة بالنص، حتى ولو بدا اختيارها غير عفوي، فإن استحضارها المتعمد، وعلى السوية التي هي عليها، محاولة لا شك رابحة لمقارنة هي في صلب الغاية التي تُسال من أجلها هذه الكلمات. هنا تماماً تقفز إلى المخيلة صورة الكثير من “الأمنيين” الذين تشي “بزة” ملاح ورفاقه بجدوى المقارنة المفتعلة معهم.

يوسف ملاح ومن يمثل هم مواطنون لبنانيون، وهو انتماء أغلب الظن صار يُحمل على سوء الطالع الذي يئن أكثرنا تحت عسفه.

  قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، طوَّعت السلطة اكثر من 5 آلاف عسكري ألحقوا بالأجهزة الأمنية، لا سيما الجيش وقوى الأمن الداخلي، فيما السلطة ذاتها ضنَّت على متطوعي الدفاع المدني بإدخالهم إلى قطاعها العام، وبدا حينها جبران باسيل متقدماً هذه السلطة في سلب هؤلاء حق مكتسب لهم أقله بالممارسة اليومية لجهود مضنية تنكبها هؤلاء، وتحت أعين جميع اللبنانيين. لكن تنطح باسيل للمهمة القذرة لا يعفي بالتأكيد شركاءه في السلطة، بظاهرهم وباطنهم، من هذه القذارة التي لا ينفكون مجتمعين على تسييلها في التحاصص والفساد، وهو ما يفترض بالضرورة أن تقف قذارتهم بوجه أُولِي الحق .

 الصورة أيضاً فيها شيء من نمط جذاب، لكن جاذبيتها تكتسب صدية مكثفة بتلازم المظهر والمهمة، مع أنَّ الصورة لو تركت لذاتها قد تشي بتكثيف المظهر على حساب المهمة، لكنه ظن سرعان ما يتهاوى ونحن نلمس في يومياتنا المُشبعة بالمآسي أن صاحب المظهر وفي سياق مهمته وخواتيمها يُفضي إلى صورة نقيضة تماماً، صورة تكاد تتقمص الكارثة التي تطوعت هذه النماذج في مواجهة عصفها. وهنا لا بأس في مضاعفة المقارنة مع المظهر الذي يستقيم شكلاً مع الكثير من “العسكر”، لكن مضمون المقاربة هو من يصنع فارقاً ملموساً بين نموذج متطوع مقيم في وعي إنساني جمعي و”عسكري” تتفاوت نظرتنا إليه، ولعل ما يحدث منذ 17 تشرين الأول/ أكتوير الماضي وحتى اليوم يعزز هذا التفاوت الكبير.

غالباً، سيبقى متطوعو الدفاع المدني أسرى غبن سلطوي مزمن، وأغلب الظن انَّ هذه السلطة مسكونة بكره شديد لكل نجاح يفضح عجزها وفشلها، وهؤلاء المتطوعون دليل واضح على عجز سلطة لا تزال تستثمر في قطاع عام ليس وفق ما تحتاجه مرافقها، بل وفق زبائنية أثقلت القطاع العام واداراته ومرافقه بموظفين منتفعين من الولاءات السياسية التي على الأرجح تعفي هؤلاء من ملَكَة الكفاءة والحاجة التي يُفترض أن تكون المعيار الوظيفي. وهنا تماماً تصير الصورة المقارنة بين “يوسف ملاح” ومن يقابله في الأجهزة الأمنية واجبة الكثافة، فالأخيرة، وفي العقد الأخير، وفي ظل تناقص القدرة عند زعماء الطوائف على الإستثمار الوظيفي في غيرها، تحولت إلى أهم “معقل” توظيف لمناصريها، إذ رُفِدَت بـ”جيش” من محاسيب السياسيين، وهؤلاء باغلبهم أدخلوا ولاءاتهم الطائفية إلى المؤسسات الأمنية التي يفترض أن تصهرهم في أولى قيمها العسكرية، وهي المواطنة .

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني