fbpx

بيروت: هل ما زالت فندقاً ومقهى؟

يشكّل القطاع السياحي نموذجاً حيّاً لما تعانيه البلاد من تدهور اقتصادي، إذ عمدت مؤسسات إلى الإقفال الكلي أو الجزئي، وخفض رواتب موظفين، أو تسريحهم، لا سيما عبر إجبارهم على توقيع استقالاتهم قسراً.

“بعد أكثر من 30 سنة من العمل المتواصل في الفندق، أُجبرت على توقيع استقالتي… حتى تعويضي لم أحصّله. هذا المكان الذي استنفذ كل طاقتي، كنت له حاضراً في كل الظروف، واليوم رُمي بي خارجاً…”، يقول عصام (57 سنة)، وهو مدير في أحد أكبر فنادق في بيروت.

عصام الذي يعيش اليوم بلا أي مدخول له ولأسرته، هو واحد من آلاف الموظفين الذين سُرّحوا قسراً من عملهم عقب صفعات عدة ضربت القطاع السياحي، وصولاً إلى انفجار المرفأ الذي دمّر جزءً كبيراً من الفنادق والمطاعم والمؤسسات السياحية. حتى أن موظفين كثراً أُجبروا على أخذ إجازتهم السنوية، أو حتى إجازات غير مدفوعة.   

لم يبقَ أي قطاع اقتصادي في لبنان بمنأى عن الأزمة المستمرة منذ أشهر، والتي تصاعدت وتيرتها مع انخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار وانفجار مرفأ بيروت أخيراً. إلا أن القطاع السياحي، الذي يشمل الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية، تحديداً في منطقة وسط بيروت المتضررة من الانفجار، كان القطاع الأكثر تضرراً، خصوصاً أنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة منذ الانتفاضة اللبنانية مروراً بوباء “كورونا”، وبات اليوم شبه غائب. 

إذاً، يشكّل القطاع السياحي نموذجاً حيّاً لما تعانيه البلاد من تدهور اقتصادي، إذ عمدت مؤسسات إلى الإقفال الكلي أو الجزئي، وخفض رواتب موظفين، أو تسريحهم، لا سيما عبر إجبارهم على توقيع استقالاتهم قسراً، كما حصل مع عصام. 

ضربات متتالية أقساها الانفجار

“بذلت وخطيبي كل ما لدينا لبناء مطعمنا منذ 6 سنوات، واليوم كُسر الحلم…”، تقول باميلا شمالي (33 سنة)، وهي شريكة في مطعم “مشاويش” مع خطيبها جورج عون (34 سنة)، الذي دُمّر بالكامل في شارع مار مخايل.

تقول باميلا لـ”درج” إن المطعم يحتاج إلى 20 ألف دولار لإعادة إصلاحه، ولا مساعدات مادية ولا حتى معنوية قدمتها الدولة أو أي مؤسسة رسمية. لذلك قرّرت وخطيبها إطلاق حملة عبر الانترنت لجمع تبرعات لترميم المطعم، خصوصاً أنه من وجوه شارع مار مخايل المقصودة. إلا أن التبرعات انحصرت بمبلغ محدود من أصدقاء المطعم خارج لبنان، ولا بوادر قريبة لافتتاح المطعم، علماً أنه مصدر مدخولهما الوحيد.

“مشاويش” هو من المؤسسات التي كانت تجاهد من أجل البقاء، إلى أن وقع الانفجار وأودى بها أرضاً. وأبرز هذه المشكلات يكمن في واقع الاقتصاد اللبناني المتردّي والمتمثّل بعدم وجود سيولة في المصارف، وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطن الرازح تحت تفلّت سعر الصرف والبطالة، إضافةً إلى المماطلة والخصومات في دفع الرواتب. هذا عدا عن اضطرار المؤسسات السياحية إلى شراء المواد الأساسية بسعر صرف يتحرّك حول 7000 ليرة للدولار، فيما تسعير الخدمات والسلع النهائية يبقى عند 1500 ليرة، أي سعر الصرف الرسمي، أو يزيد قليلاً عنه. 

المطعم قبل الانفجار

وبعدما كان القطاع السياحي مساهماً بحوالى 25 في المئة من الناتج المحلي اللبناني، تراجع مردوده بشكلٍ لافت في السنوات الماضية، وتحديداً في بداية العام الحالي بالتزامن مع انتشار فايروس “كورونا”، خصوصاً أن 40 في المئة من المطاعم لم تفتح أبوابها بعد رفع الحجر الصحي، أو عمد أصحابها إلى خفض رواتب الموظفين بنسبة وصلت إلى 50 في المئة، وفقاً لبيار الأشقر، نقيب أصحاب الفنادق في لبنان. وهذا ما دفع القطاعات السياحية إلى إطلاق صرخةً لمطالبة الدولة بدعمها ومنحها إعفاءات ضريبية، بدون جدوى. 

100 ألف عامل خسروا وظائفهم…

“لقد وضعت كل طاقتي، تصرفت على أنه بيتي… وفجأة اهتزّ سقف البيت وهبط على رؤوسنا… والآن أنتظر المجهول”، تقول رولا (26 سنة)، وهي موظفة في أحد الفنادق التي تدمّرت في وسط بيروت.

رولا كانت في الفندق عند وقوع الانفجار، ونجت من الموت بأعجوبة، كما تقول. حتى أنها تطوّعت لاحقاً في تنظيف الفندق من الركام، إلا أنها تؤكد أن عملية الترميم قد تطول، ولا بوادر للعمل مجدداً في الأفق. 

رولا واحدة من 100 ألف عامل خسروا وظائفهم عقب الانفجار من أصل 150 ألف عامل في القطاع السياحي، وفقاً لطوني الرامي، نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي في لبنان. 

وفي هذا السياق، يؤكّد بيار الأشقر، بعد مرور نحو شهر على انفجار بيروت، أن عدداً من أصحاب الفنادق، على رأسهم فندق “فينيسيا” و”لو غراي” بدأوا ترميم ما دمّره الانفجار، إلا أن إعادة البناء لن تنتهي قبل 6 أشهر على الأقل، خصوصاً في ظل نقص مواد البناء وغيرها من السوق اللبناني أو حتى غيابها، عدا عن صعوبة استيرادها من الخارج بسبب انهيار قيمة الليرة مقابل الدولار إلى ما يلامس 80 في المئة.

ويضيف لـ”درج”، “خسر القطاع السياحي 2060 مطعماً و163 فندقاً و250 سيارة تأجير و40 شقةً مفروشةً بناءً على مسح أولي في منطقة بيروت الكبرى. وهو ما يحتاج من 800 مليون إلى مليار و200 ألف دولار لإعادة إعماره أو ترميمه”. 

في المقابل، ثمة مؤسسات سياحية عاجزة عن الترميم نظراً إلى رفض شركات تأمين العمل إلى أن تظهر التحقيقات طبيعة الانفجار، وهي لن تدفع ثمن التصليحات والترميم إلا إذا أظهر تقرير الحكومة أن الانفجار كان نتيجة “حادث عرضي”، وليس نتيجة عمل إرهابي. أما أولئك الذين لا يحظون بتأمين، فهم في صدد رفع دعوى على الدولة، وتحديداً على إدارة المرفأ، بمساعدة 100 محامٍ، اعتراضاً على الإهمال واللامبالاة.

يحتاج القطاع السياحي من 800 مليون إلى مليار و200 ألف دولار لإعادة إعماره أو ترميمه. 

ويشير الأشقر إلى أن “الخسائر وقعت على القطاع السياحي منذ بداية عام 2012 إلى عام 2014 تحديداً، أي عقب الثورة السورية التي أودت إلى تزعزع الاستقرار الأمني، وإلى انقسامٍ سياسي نتجت عنه حملات تخوين واتهام للدول الخليجية. ما دفع الأخيرة إلى منع رعاياها من زيارة لبنان”.

“سيّاح دول الخليج هم العمود الفقري للبنان، بعد خسارتهم، خسر القطاع السياحي أول من يستطيع إدخال عملات أجنبية إلى البلد”. يقول الأشقر، مؤكداً أن “هذه الفئة من السياح هي الأكثر إنفاقاً والأطول إقامةً في لبنان، عدا عن أنها المستثمر الوحيد فيه، إذ إن للخليجيين حصة كبيرة من شقق بيروت الكبرى مثلاً”. 

شهد لبنان، لا سيما بيروت حروباً وأزمات عدة، إلا أن القطاع السياحي لم يتلقَ صفعةً كتلك التي أحدثها الانفجار، ولعلّ النهوض من تلك الصفعة يحتاج أشهراً، أو ربما سنوات.         

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني