fbpx

البصرة.. اِحتضار آخر أنهر “فينسيا الشرق”

لم تفعل الحكومة المركزية والمحلية شيئاً يذكر إزاء معالجة الوضع الصحي لمياه البصرة لحد الآن، ولم تجرِ حتى الساعة أية مداواةٍ لأنهر "فينسيا الشرق" المُحَتضرة.
نهر العشار في حقبة الستينات

في يومٍ ربيعي من أيام السبعينيات، جذبتني شقيقتي الكبرى بقوة من معصمي بعدما كدتُ أنزلق من على ضفة نهير العشار؛ إذ كنتُ هائماً بالمنظر الآسر الجمال لمائه الرقراق وأسماكه اللعوبة وهي تلتقط ببراعةٍ فتات الخبز الذي ألقيه نحوها.

هذه الجملة الأخيرة تختصر ماضي أنهر “فينسيا الشرق” المحفوفة بغابات النخيل وأشجار الفاكهة الغنّاء المتوغلة في قلب مدينة البصرة جنوبي العراق كالأوردة الدموية. قبل نحو مائة عام، كان هنالك نحو “635” نهيراً عذباً يتلوى بسلاسة عبر غياهب بساتين البصرة. كانت تؤدي دورها الطبيعي المتقن في الإرواء والبذل بتناغمٍ دقيقٍ مع حركة المد والجزر لشط العرب العظيم من دون حاجةٍ إلى أي جهد بشري يذكر.  

لكن، لم يتبقَ من تلكم الأنهر سوى ما يعادل عدد أصابع اليدين؛ لقد اندرس القسم الأعظم منها وجفَّ تماماً مع تقادم الزمن فيما رُدم القسم الآخر وشُغلت الأرض من فوقه بمساكنٍ فاخرةٍ ومتاجرٍ عامرةٍ، أما ما نجى منها اليوم.. فهو أقرب إلى بِرْكةٍ ملؤها النفايات والقذارة والعفن.

 ترى.. ماذا تخبأ لنا ذاكرة أنهر مثل بويب والخورة والعشار والخندق والترك وغير ذاك؟ كل ما تبقى لدينا ذاكرةٌ صوريّةٌ باليةٌ.. تعيدنا بالكاد إلى أولئك المفتونين بالجمال والناشدين الأشعار والمغتسلين في السواقي والمجدفين أبلام متهادية فوق كف الماء. 

أما حاضراً، فالواقع مغاير جذرياً.. بلا شك.

نهر العشار اليوم

حملتُ عدّتي المكّونة من أجهزة مخبرية حقلية برفقة بعضٍ من طلابي المتطوعين، وقصدنا نهير العشار. عند وصولنا، أجبرتنا رائحة العفونة على تكميم أنوفنا فتراجعنا قليلاً، لكن كان لابد من إنجاز المهمة أياً كان التحدي. انحدرتُ صوب الضفة بحذرٍ، وفيما كنت أتعثر بأكداس الأزبال المتناثرة هناك، كان طلابي يحرصون على الإمساك بي خشية الوقوع.. في موقفٍ أعاد إلى ذهني قبضة شقيقتي قبل أربعين عاماً خلت. 

حين دنوتُ، بدا “الماء” ساكناً.. بلونٍ رمادي مخضرٍ مشوبٌ ببقعٍ سوداءٍ. لم أشاهد كائناً حياً واحداً يسبح في تلك البِرْكة النتنة. كان علينا إجراء الفحص بأسرع وقت ممكن، فالروائح لم تعد تسمح لنا بالبقاء طويلاً. ذُهل الطلاب حينما وجدوا أن مقدار الأكسجين المذاب في الماء كان “صفراً” على نقيض متطلبات البيئة التي تشترط أن لا يقل المقدار عن أربع درجات كحدٍ أدنى. وحين سألني أحدهم عن رأيي بذلك، أجبت بأسى: “إنه ميت.. النهر ميت سريرياً”!

تطوّع أحد طلابي بمهمة لم يسبقه إليها أحد؛ راح يمشي متتبعاً مجرى نهير العشار من بدء تفرعه عن شط العرب وحتى نهايته في منطقة البصرة القديمة لمسافة ناهزت 10 كيلومترات.. مُحصّياً عدد مذبات المجاري التي تصب فيه. ثمّ جاء بالنتيجة: “ألف وثلاثمائة وأثنان وخمسون مذباً”.

تحديداً في سنة 2008، أعلنت مصلحة مجاري البصرة رسمياً عن تحويل أنهر “فينسيا الشرق” إلى قنواتٍ لتصريف مياه المجاري الآسنة. وجاء هذا الإعلان تعبيراً عن عدم توافر إرادةٍ صادقةٍ لحل معضلة تدفق مياه المجاري القذرة إلى الأنهر؛ فقد تضخّمت المدينة ديموغرافياً ما بعد العام 2003 حين وفد إليها مئات الألوف من محافظات مجاورة.. وقطن الكثير منهم على مقربة من هذه الأنهر، وفتحوا بشكل مباشر مجاري منازلهم ودكاكينهم لتلقي بفضلاتها في أنهرٍ كانت ذات يوم شريان حياةٍ لهذه المدينة.  

تطوّع أحد طلابي بمهمة لم يسبقه إليها أحد؛ راح يمشي متتبعاً مجرى نهير العشار من بدء تفرعه عن شط العرب وحتى نهايته في منطقة البصرة القديمة لمسافة ناهزت 10 كيلومترات.. مُحصّياً عدد مذبات المجاري التي تصب فيه. ثمّ جاء بالنتيجة: “ألف وثلاثمائة وأثنان وخمسون مذباً”. جميعها كانت تقذفُ قذاراتٍ في نهيرٍ أكرم المدينة وأهلها أيمّا إكرام! 

ولأنني أؤمن دوماً أن الطبيعة ترد الصاع صاعين؛ فقد انقلبت أنهر “فينيسا الشرق” الوديعة إلى أنهرٍ للهلاك. إذ بلغت حمولة تلوّث هذه الأنهر ذروتها القصوى خلال السنوات الأخيرة، وانعكس ذلك على شط العرب ذاته الذي شهد خلال صيف العام 2018 انخفاضاً حاداً في مناسيبه وهبوطاً دراماتيكياً في تصاريفه ليبلغ 30 متراً مكعباً في الثانية فقط، بسبب موجة شح ماءٍ شديدةٍ ضربت البلاد، الأمر الذي سمح بتدفق عكسي بملايين الأطنان لمزيجٍ سائلٍ سامٍ ملء مجرى شط العرب.. مصدر الشرب الرئيس. وأسفر ذلك عن أكبر أزمة تسمّم مائي عرفها العراق والمنطقة على الإطلاق أصابت نحو 118 ألف مواطن بالتهابات معويّة حادة، وأعقبها اندلاع احتجاجات شعبية غاضبة سقط على إثرها عدد من المحتجين بنيران قوات الأمن.  

 في دراسة علمية حديثة أجريت فحوصاتها المخبرية في فرنسا، ظهر أن الميكروبات المعويّة المُمرضة الموجودة في عينات أنهر البصرة قد فاقت التصوّر كماً ونوعاً. ولعل هذا يدلل على أن تراكم الملوّثات الملقاة في هذه الأنهر طيلة سنين إنما عمل على تخميرها وتكوين مستعمرات جرثومية راسخة وفتاكة، باستطاعتها النيل ممن يمسسها أو يتعاطى معها. وتالياً، فقد تتحوّل هذه المستعمرات، متى ما توافرت الظروف، إلى بؤرٍ ساخنةٍ لتفشٍ وبائي جديد على غرار أزمة التفشي في عام 2018 أو التفشي الحالي لجائحة كورونا. 

إيجازاً، كل الذين ألتقيتهم من المسؤولين المعنيين كانوا يتنصلون عن الحقيقة. لم تفعل الحكومة المركزية والمحلية شيئاً يذكر إزاء معالجة الوضع الصحي لمياه البصرة لحد الآن، ولم تجرِ حتى الساعة أية مداواةٍ لأنهر “فينسيا الشرق” المُحَتضرة. ثمّة محاولات ترقيعية وتجميلية جرت مؤخراً من دون التورط في مساس جوهر المشكلة. أظن أنّهم يرغبون بموتها نهائياً، لا يهمهم فقدان أشياءٍ مثل ذاكرة أو أيقونة أو تراث مدينةٍ.. الخ. ليس في أجندتهم حلول جذرية من قبيل تأهيل شبكة مجاري متقدمة أو تشييد محطات معالجة عملاقة أو مشاريع تصفية متطورة أو محاسبة المتسببين بالتلوث. أظنهم، وكعادتهم، يراهنون على عامل الزمن ولا أدري ما الذي بوسع الزمن أن يفعل لهم عدا مزيدٍ من التأزم.. واللعنات!     

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني