fbpx

حظر “كورونا” مطبق على النساء لا الرجال: الوباء والموروث والحرب يحاصر اليمنيات

القانون في اليمن كان انتقائياً تمييزياً ضد النساء، إذ كان التركيز على المحال والمراكز التي يعملن فيها، بينما تُركت محال أخرى تابعة لرجال من دون أي تهديدات.

“ليس لدى والدي عمل ثابت لذلك اضطررت إلى الاعتماد على نفسي فقررت شراء بعض المنتجات، التي أسوّقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن “كورونا” أوقف عملي لأنني لم أستطع إيصال البضائع إلى الزبائن، ما كلفني الكثير، حتى أنني خسرت تجارتي الآن ولجأت إلى الاستدانة كي أعيش”.

تحاول سمر الكثيري أن تبتكر وسائل تساعدها على العمل رغم كل الصعوبات، فحاولت تنفيذ مشروع بسيط لتوفير احتياجات عائلتها. وعندما بدأت تكوين دخل جيد بدأت الجائحة والإغلاق، فاضطرت إلى تعليق عملها. 

الكثيري خريجة تربية وتعليم، وهي من حضرموت، ولكن قسوة الحياة وغلاء المعيشة دفعاها إلى العمل في مجال آخر غير اختصاصها، لتوفير لقمة العيش، خصوصاً بعد طلاقها وحصولها على حضانة طفلين يعتمدان بشكل كلي عليها، إذ رفضت المطالبة بنفقتهما من والدهما، لأن الأمر يكبدها مبالغ كبيرة ووقتاً طويلاً.

“فكرت كثيراً وقررت أن أعمل بأي شيء كي أوفر لطفليّ سبل العيش الكريم، الحياة في هذه البلاد أصبحت كفاحاً، إذا أراد الواحد أن يعيش من دون أن يمد يده للآخرين”، تضيف.

امتدّت آثار “كوفيد- 19” ومأساته إلى اليمن، وشهدت العاصمة صنعاء إغلاقاً جزئياً، وفي 17 أيار/ مايو 2020، صدر بيان فيه قرار غرفة عمليات الطوارئ في اللجنة الفنية لمكافحة الأوبئة في أمانة العاصمة، بإغلاق محلات ومراكز وأسواق بيع الملبوسات في عموم مديريات الأمانة بشكل موقت لمدة 12 ساعة ابتداء من السادسة مساء وحتى السادسة فجراً.

ووجّه البيان بضبط مخالفي قرار الإغلاق، الذي شمل عدداً من الإجراءات المتعلقة بالمطاعم، والمتمثلة في إغلاق صالاتها والاقتصار على خدمة “الديليفري”، واتخاذ عدد من الإجراءات في أسواق القات والأسواق العامة.

إلا أن تطبيق القانون كان انتقائياً تمييزياً ضد النساء، إذ كان التركيز على المحال والمراكز التي يعملن فيها، بينما تُركت محال أخرى تابعة لرجال من دون أي تهديدات، على رغم عدم مراعاتها الإجراءات الاحترازية التي أقرّتها “منظمة الصحة العالمية” للحد من تفشي الوباء.

تقول أبها عقيل، إعلامية يمنية، “تواجه النساء تحديات كبيرة في ظل الحروب، فهن الآن إما معيلات أو مشاركات في إعالة عائلاتهن، في ظل مجتمع كان معظمه يرى أن تعليم الفتاة أمرٌ ثانوي، وتوظيفها رفاهية. وفي ظل انهيار الاقتصاد تصبح المجالات التي يمكن أن تقتات منها المرأة محدودة جداً سواء بفرص العمل أو المشاريع الصغرى التي تعتمد على حركة السوق بشكل أساس”.

وتضيف أبها: “كثيرات كنّ ينتظرن مواسم البازارات سواء في الاحتفالات أو المهرجانات، بخاصة المدربات والطالبات الجامعيات، ويسجلن أسماءهن للعمل بمقابل مادي بسيط. هناك يبعن ما استطعن إنتاجه. والآن الوضع الاقتصادي يزداد سوءاً، لا سيما بوجود كوفيد-19”.

كل شيء توقف والحياة تضيق يومياً، وإذا انتهت الجائحة تحتاج هؤلاء النساء الكثير من الوقت، الجهد والتكاليف ليستطعن العودة إلى نقطة الصفر.

الموروث ضد النساء

ما زال الموروث الثقافي والديني نافذاً بقوة في اليمن، وما زالت النظرة الدونية تلاحق المرأة وتعيق تقدّمها، وربما زاد الأمر سوءاً في الآونة الأخيرة بفعل الحرب وتوغل جماعات دينية تطوع سلطاتها في سبيل تحديد دور المرأة في الحياة العامة وتنميطه، ما يؤثر في مدى فاعليتها في المجتمع.

لم تكن المرأة اليمنية قبل الآن تعتمد على نفسها في تيسير شؤون حياتها بما في ذلك العمل مدفوع الأجر خارج المنزل أو حتى داخله… لكن الحرب قلبت الموازين وأصبح وجود المرأة في سوق العمل حاجة ملحة وإن لم تكن مستعدة لذلك.

بعد 6 سنوات حرب، لمع شيء إيجابي غيّر في حياة نساء كثيرات. شهدت البلاد انهياراً في الاقتصاد وغياب نسبة كبيرة من الرجال عن منازلهم أو خسارتهم عملهم، وتسببت الحرب بقتل وجرح أكثر من 17500 مدني بحسب مشروع “بيانات اليمن”، التابع لـ”هيومن رايتس ووتش” في تقريرها الصادر عام 2019. 

كل ذلك أعاد ترتيب الأدوار بين المعيل والمعال في الأسرة اليمنية. وأصبحت النساء أكثر حضوراً في سوق العمل، على رغم الفجوة النوعية بين الذكور والإناث في سوق العمل والتي تمثل 91 في المئة وفق آخر إحصاء نشر عام 2018. إلا أنه على سبيل المثال، في مناطق سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) حيث تشكل النساء أغلبية من حيث العدد، نلاحظ وجود عاملات في أماكن كانت حتى وقت قريب مقتصرة على الرجال، من نادلات في مطاعم وعاملات في المحلات التجارية وغيرها من الأعمال التي كان من المعيب والمهين للرجال أن يسمحوا لنسائهم بمزاولتها.

“تواجه النساء تحديات كبيرة في ظل الحروب، فهن الآن إما معيلات أو مشاركات في إعالة عائلاتهن، في ظل مجتمع كان معظمه يرى أن تعليم الفتاة أمرٌ ثانوي، وتوظيفها رفاهية”.

هذه الفرصة جاءت لليمنيات أخيراً ولكنها كانت محض اضطرار لذا كان هذا وضعاً استثنائياً لهن، لم يكنّ مستعدات له بما يكفي، فالنساء عادةً لا يحصلن على نسبة التدريب الفني والمهني ذاتها الذي يحظى بها الذكور. وتصل مشاركة النساء إلى 25 في المئة في التدريبات المحلية، وتنخفض النسبة كثيراً في التدريبات الدولية، وقد لا تتجاوز 15 في المئة.

لذلك لجأت كثيرات إلى فتح مشاريع صغيرة ممولة ذاتياً ومن دون خبرة مسبقة أو العمل في الخدمات الاجتماعية العامة، على رغم النظرة الدونية التي تلاحق كل من يعمل فيها نساءً أو رجالاً.

تهديد مباشر

تواجه النساء حرباً نفسية من الجماعات الدينية التي قويت شوكتها خلال الحرب وفي خضم هذا العبث. وتعاني النساء أيضاً من انعدام الأمن كما تشكو سمية محمد، “بخاصة مع الإجراءات التعسفية التي يفرضها الحوثيون في المراكز والمولات، يفتعلون المشكلات كي يقطعوا رزقنا بلا وجه حق”.

سمية واحدة من قليلات حظين بدعم مادي ومعنوي من أزواجهن أو أحد الأقارب الذكور. تعمل الآن في محل صغير في أحد مولات صنعاء. ولكن عندما يكون الأهل داعمون يتحول المجتمع والسلطات إلى عقبات، وتظل المرأة دائماً بحاجة إلى نضال كي تنال حقوقاً أساسية يكفلها لها القانون اليمني، كحرية العمل.

القانون اليمني وفق مختصين، متناقض في الكثير من نصوصه، وذلك بهدف تأطير المرأة وتحديد مشاركتها في الحياة العامة، لتظل تابعة للرجل. وفي ما يخص عمل المرأة فإنها وفق الدستور حرة في العمل من عدمه، وكذلك في اختيار نوع الوظيفة التي تريدها. ولكن قانون الأحوال الشخصية المادة 40 الذي يفرض موافقة الزوج على خروجها من المنزل للعمل، يقيد هذه الحرية ويخالف الحقوق الدستورية بالعمل والتعليم والحرية الشخصية والمشاركة الاجتماعية والسياسية. يضاف إلى ذلك، تسلط المجتمع الذي يؤطر النساء ويقيدهن في مجالات معينة دون غيرها كالتعليم والتمريض.

وفي هذا السياق، تقول هدى الصراري رئيسة مؤسسة “دفاع للحقوق والحريات”، إنه على رغم أن اليمن وقع اتفاقية السيداو التي تلزمه بتشريعاتها وأيضاً اتفاقية فيينا، إلا أن النصوص التمييزية لا تزال موجودة في اليمن، ما يحرم النساء الوقوف على أرضية صلبة أثناء المطالبة بحقوقهن.

تؤكد صراري أن المرأة اليمنية تتحمل أعباء كثيرة خلال الحرب، “تصطدم اللاتي كان لزاماً عليهن الخروج إلى سوق العمل، بأولياء أمورهن، كون الأمر غير معتاد في المجتمع، ما يولّد عنفاً أسرياً ضدهن. وطبعاً هنّ لا يملكن آليات حماية قانونية أو دعماً نفسياً، إضافة إلى عدم وجود إرادة سياسية في تغيير النصوص التمييزية، وساعد على ذلك استمرار سنوات الحرب”.

يُذكر أن هنالك دراسات وتقارير كثيرة ناقشت القوانين المجحفة بحق المرأة والمتناقضة بما يتيح للذكور التلاعب والتحايل، وتم تقديم مقترحات قوانين تكفل للنساء حداً من الحرية والكرامة والأمان، ولكنها أُجهضت بذريعة الحرب.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني