fbpx

باب فيروز المقفل

كنا نراقب صورهما التي تمّ تسريبها بعد اللقاء الذي كان بعيداً من الإعلام، بكثير من الدهشة، كأننا صدّقنا لتوّنا أن فيروز حقيقية وأن لها بيتاً وضحكة وأن بابها يُفتح... إنما ليس لنا.

ربما بالغنا في انتظاراتنا من فيروز، كنا ننتظر أن ترد حبّنا وفضولنا بشيء ما وأن تكون حاضرة معنا في أزماتنا ولوعاتنا، وأن تخرج من أجلنا مرّة واحدة من بيتها، وتقول: “هاكم أنا معكم!”. كنا نريدها في كل أزمة أو كل صباح أن تطل بلحمها ودمها وصوتها غير المسجّل لتنجدنا، كما كنا نستنجد بأغانيها لنشعر بأنّ الدرب أقصر وأن الحبّ لا يحترق وأننا سنصل إلى طريق النحل في النهاية وأنّ بلدنا حلو وأننا نحبّه.

كنا نريد فيروز التي في الأغاني، فيروز بترا ولولو السويعاتية، فيروز بنت الحارس وزيّون وسفربرلك. لطالما طالبنا السيدة فيروز المغنية سفيرتنا إلى النجوم، بما لم تستطيعه فيروز الإنسانة.

ربما كلنا أو جزء منا، خطر في بالنا ونحن نجول في شوارع بيروت المدمّرة بعد انفجار المرفأ، أن على فيروز أن تفعل شيئاً، عليها أن تنزل بيننا وتغني “لبيروت”، مرة أخرى بصوت غير مسجّل. كنا دوماً نريدها أن تخرج من الإسطوانات والكاسيتات والشاشات التي بالأبيض والأسود وأن تمنحنا متعة أن نراها وألا تبقى مجرد فانتازمات وتخيلات، كما لو كانت امرأة من عالم آخر، لا يمكن أن نلمسها أبداً.

طوال سنوات ومذ دخلنا في نفق “فيروز الأسطورة”، سواء أحببناها أو لم نفعل، كنا نتساءل، كيف تصحو صباحاً؟ أي موسيقى تسمع؟ هل تأكل وتشرب مثلنا؟ هل تحبّ الشاي بعد الظهر؟ هل تمشّط شعرها؟ هل تحبّ الشعر الحديث الذي نكتبه؟ هل تعرف أنّنا قد ندفع ثروة من أجل أن نلمحها؟ من أقنعها بأنّ عليها أن تركن في ذاك المنزل في الرابية ولا تحتكّ بنا؟ هل هي سعيدة؟ هل هو قرارها؟ أم أنه قرار ابنتها ريما؟ هل سبق أن لبست سروال جينز؟

كلنا من صحافيين ومواطنين كنا نتمنى أن نقرع جرس بابها وتفتح لنا، أو لا تفعل، ولكن أن يكون الباب موارباً قليلاً ونستطيع التلصص على بيتها ونعرف حينها لون ستائرها أو نشمّ رائحتها أو نراها تكوي قميصاً أو تقرأ كتاباً أو تضحك وحسب، لعلنا نرى تلك الضحكة التي بقيت بخيلةً خجولة… فضحكات فيروز منذ عرفناها، تكاد تعدّ على الأصابع. حتى أنّ من يعثر على فيديو لها ضاحكةً يسارع إلى نشره على السوشيل ميديا كما لو أنه خبر استثنائي “فيروز تضحك!”.

واصلت فيروز عزلتها، إلى أن أتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفتحت له الباب الذي لطالما كان موصداً في وجوهنا، هكذا ببساطة، قال ماكرون إنه سيزورها، دقّ الجرس، فُتح الباب، دخل الرجل الأشقر، وأغلق الباب من جديد. لماذا تعبس فيروز في وجوهنا جميعاً وتبتسم لماكرون؟

كنا نراقب صورهما التي تمّ تسريبها بعد اللقاء الذي كان بعيداً من الإعلام، بكثير من الدهشة، كأننا صدّقنا لتوّنا أن فيروز حقيقية وأن لها بيتاً وضحكة وأن بابها يُفتح… إنما ليس لنا.

كان علينا أن نفهم منذ وقت طويل أن فيروز ليست خلاصنا وليست شريكتنا في هذه اليوميات المريرة. أرادت أن تبقى في زمنها، زمن ميس الريم وكحلون (يا ضيعة ستي البعيدة)، وأعلنت انسحاباً ناعماً من حاضرنا ومشكلاتنا. جلست في منزلها حيث الستائر واللوحات تشبهها، أو تشبه صورة التقطناها لها وعلقنا فيها.

كان علينا ونحن نحفظ أغانيها ومسرحياتها عن ظهر قلب، أن نتعامل مع  فيروز الإنسانة بتوقعات أقل. السيدة نهاد التي أصبحت أسطورة في رؤوسنا، كانت تريد العزلة والهدوء. منحتنا أغاني كثيرة ومسرحيات، ثم استدارت ومشت. كان علينا أن نفهم منذ وقت طويل أن فيروز ليست خلاصنا وليست شريكتنا في هذه اليوميات المريرة. أرادت أن تبقى في زمنها، زمن ميس الريم وكحلون (يا ضيعة ستي البعيدة)، وأعلنت انسحاباً ناعماً من حاضرنا ومشكلاتنا. جلست في منزلها حيث الستائر واللوحات تشبهها، أو تشبه صورة التقطناها لها وعلقنا فيها.

كارهو فيروز وأيضاً محبوها، كانوا يتمنّون في قرارة أنفسهم أن تحيي حفلةً واحدة، أن تنزل من عرش القدسية والألوهة الذي صنعه جمهورها الكبير، وتمنحهم “ريسيتال” أو أغنية مباشرة لا أكثر أو حتى مقابلة صغيرة على تلفزيون لبنان أو أن تنزل إلى الشارع وتومئ بيدها مرة واحدة وتمضي. لكنها لم تفعل، لأنها ببساطة لم ترد ذلك وكان علينا أن نفهم الأمر.

استقبلت فيروز ماكرون الذي لا نعرف حتى الآن ما الذي يريده منا تحديداً، فيما الصحافيون والمصورون والناس خارجاً يحاولون تدوير المسافة والزاوية لاستراق نظرة واحدة. هي في النهاية حرّة في من تشاء استقباله ومن تقفل في وجههم بابها…

وكل ما يحصل على السوشيل ميديا لا يهمّها أو ربما لا يهمها بما يكفي، أو ربما لا يصلها، يبدو أنها تواصل الاستماع إلى موسيقى فارسية أو الجاز، وترندح بصوت خفيض.

مشكلتنا مع هذه المرأة أننا علّقنا عليها آمالنا وتمنياتنا، ربطناها بوجودنا ووجود الوطن حين غنّت “بحبك يا لبنان يا وطني… بشمالك بجنوبك بحبك”، وكنا نظنّ أنها التي حررت الجنوب حين قالت “إسوارة العروس مشغولة بالدهب وانت مشغول بقلوب يا تراب الجنوب”. وكنا نرى القدس تهبّ فرحاً لأنّ صوت فيروز ألقى عليها سلامه وقال “يا زهرة المدائن”.

لم نعتد أبداً على فكرة الاعتزال (ربما لندرة الفنانين المعتزلين)… فيروز اعتزلت، وكنا نرفض اعتزالها كل يوم ونطالبها بالرجوع عن تلك الاستقالة.

 لكنها كانت تريد العزلة وهذا حقها وإن لم يكن أقصى طموحنا. فتحت الباب لماكرون، تبادلا الابتسامات والضحكات، خرج ماكرون، عادت فيروز وأقفلت الباب.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

1:51

Play Video
عشِق المسرح والحرية ولُقّب بـ”رمز الانتفاضة”… من هو زكريا الزبيدي أحد الأربعة الذين عاودت إسرائيل اعتقالهم بعد الهرب من سجن جلبوع؟

2:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني