الرئيس الفرنسي مدّ حبل نجاة للنظام ولحزبه

أنت أيها السيد ماكرون، جئت أيضاً لتقول لنا أننا انتخبنا حزب الله وعلينا أن نتعايش مع سلاحه! أنت نفسك لا تمارس ما طلبت منا أن نفعله. أوروبا كلها صنفت الجناح العسكري لحزب الله تنظيماً إرهابياً. نحن نعيش في ظل الجناح العسكري للحزب. فهل يحق لكم ما لا يحق لنا؟ وأي قانون عادل لانتخابات ستجري تحت وصاية هذا السلاح؟

“سيدي الرئيس ايمانويل ماكرون، لقد التقيتَ  بالسيد ميشال عون، رئيس جمهورية بلادي، الذي منح قبل أيام قليلة ترقية لضابط في جهاز أمن الدولة كان تولى تعذيب المواطن اللبناني زياد عيتاني، بعد أن لفق له هذا الجهاز تهمة العمالة لإسرائيل. القضاء اللبناني اعتبر أن زياد بريء وأن التهمة لُفقت له، ومنع عنه المحاكمة. رئيس بلادي أقدم على مكافأة الضابط الذي تولى تعذيب زياد، وجهاز أمن الدولة سرّب مؤخراً شريطاً يُظهر أن زياد يعترف. التسريب أيضاً جريمة قانونية سيدي الرئيس. أنت كرئيس دولة حرة وتحترم القانون، تفعل ذلك في بلادي، ولا تبدي حرصاً على تصويب انتهاك واضح ولا يقبل الجدل كهذا الذي ذكرته لك”؟!

هذا السؤال لم يوجه إلى الرئيس الفرنسي خلال مؤتمره الصحافي الذي عقده في قصر بلاده في بيروت، أي قصر الصنوبر، والذي كشف فيه أن فرنسا بصدد إجراء عملية ترميم كبرى للنظام السياسي والمالي اللبناني. وعملية الترميم لا تشمل أي تغيير في قواعد الحكم. ميشال عون ونبيه بري سيستأنفان وصايتهما على أعناقنا على رغم كل ما ارتكباه، وسيتولى رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب تصريف مصالح سعد الحريري ومن تبقى من أركان النظام. أما سلاح حزب الله، فقد أجاب الوصي الجديد، أي الرئيس ماكرون، أن لبنانيين انتخبوا الحزب وأوصلوه إلى السلطة والبرلمان، وعلينا التعامل معه كحقيقة. لكن ماكرون لم يُجب الصحافية اللبنانية التي سألته عن أن الانتخابات التي أوصلت الحزب إلى البرلمان جرت في ظل سلاحه، وأن انتخابات كهذه من المفترض أن لا تركن “فرنسا الحرة” لنتائجها. أشاح الرئيس بوجهه عن هذا التفصيل “الصغير”، وقال: كان من الممكن أن أدين حزب الله وأن أغادر وأترككم تواجهون هذه الحقيقة بمفردكم!

مهمتك كانت إعطاء تفويض لهذه الطبقة السياسية، في لحظة اقليمية تحتاج فيها فرنسا إلى تحالفات ليس للبنان يد فيها. هذا التفويض يشبه تماماً ذلك التفويض الذي منح لحافظ الأسد في لبنان كمكافئة على مشاركته في حرب الخليج الأولى. وبعض الفروق بين التفويضين لا تلغي التشابه الكبير. من فوضته فرنسا هذه المرة لن يكون إلا حسن نصرالله، مع تقييد لطموحاته التي قد في تفضي إلى الانقضاض النهائي على الجمهورية.

طبعاً، نحن لا نريد من ماكرون أن يتركنا بمفردنا مع ميشال عون ونبيه بري وسلاح حزب الله، وأيضاً مع شركائهم الأصغر، ولا مع الضابط المُكَافأ الذي تولى تعذيب المواطن زياد عيتاني. لكن ماكرون فعلها، وتركنا لوحدنا معهم وغادر. لا بل أنه جاء ليساعدهم على البقاء، ومد لهم حبل نجاة، بعد أن كانوا يختنقون معنا جراء ما ارتكبت أيمَانُهم بنا. ميشال عون الذي ارتُكبت الجريمة الكبرى بحق العاصمة بيروت في عهده وتحت أنظار الأجهزة التي ثبتها في مرفأ بيروت، عاد إليه بعض الأمل في النجاة بنفسه وبعائلته وبمنصبه، ذاك أن رئيس فرنسا الحرة قال له يمكنك أن تستمر بشرط إجراء الإصلاحات! عن أي إصلاحات تتحدث سيدي الرئيس؟ فأنت تطلبها من رجل أقدم بالأمس، وبعد انفجار المرفأ على ترقية ضابط مرتكب، وارتكابه مثبت بقرار قضائي! وهذا أقل ما أقدم عليه الرئيس. وأنت أيها السيد ماكرون، جئت أيضاً لتقول لنا أننا انتخبنا حزب الله وعلينا أن نتعايش مع سلاحه! أنت نفسك لا تمارس ما طلبت منا أن نفعله. أوروبا كلها صنفت الجناح العسكري لحزب الله تنظيماً إرهابياً. نحن نعيش في ظل الجناح العسكري للحزب. فهل يحق لكم ما لا يحق لنا؟ وأي قانون عادل لانتخابات ستجري تحت وصاية هذا السلاح؟ 

كان من الممكن سيدي الرئيس أن يكون المشهد مختلفاً بعض الشيء. الوصاية الدولية لم تستثمر بالمأزق الكبير الذي كانت السلطة وما زالت غارقة به. كان من الممكن أن تمتد الشروط لتشمل تغييراً أكبر. الانهيار كان فرصة أيضاً، ذاك أن حزب الله غارق فيه حتى أذنيه، والرئيس المرهق، الذي كان إلى جانبك في مأدبة الغداء، لن يكون شريكاً في إصلاح النظام الذي أوصله إلى الرئاسة. مهمتك كانت إعطاء تفويض لهذه الطبقة السياسية، في لحظة اقليمية تحتاج فيها فرنسا إلى تحالفات ليس للبنان يد فيها. هذا التفويض يشبه تماماً ذلك التفويض الذي منح لحافظ الأسد في لبنان كمكافئة على مشاركته في حرب الخليج الأولى. وبعض الفروق بين التفويضين لا تلغي التشابه الكبير. من فوضته فرنسا هذه المرة لن يكون إلا حسن نصرالله، مع تقييد لطموحاته التي قد في تفضي إلى الانقضاض النهائي على الجمهورية.

سلاح حزب الله عاد ليجد تصريفاً في مشاريع إقليمية جديدة. وقد تشهد الطريق إلى القدس تحويلاً جديداً من دمشق إلى طرابلس الغرب. وفي هذا الوقت ستلتقط الطبقة السياسية اللبنانية الفاسدة والمجرمة، انفاساً تمكنها من العيش سنوات جديدة بانتظار حلول الانهيار المؤجل، لكن الحتمي.   

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هاني محمد – صحافي مصري
تعتبر قضية “القصور الرئاسية” هي الحكم النهائي الوحيد الذي يدين مبارك وأسرته، التي حاولت نقضه والطعن عليه عدّة مرات، وهو ما يوحي بنية الشقيقين لإيجاد ثغرات للعودة مرة أخرى.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني