fbpx

حين هبطت طائرة إسرائيلية في أبو ظبي…

إن خطوة التطبيع الإماراتية تفتح على مرحلة جديدة في علاقات إسرائيل مع العالم العربي، فهي تقفز فوق القضية الفلسطينية، وفوق الحقوق العربية، وفوق حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية في المنطقة العربية.

حين سمعتُ خبر هبوط طائرة إسرائيلية في مطار أبو ظبي، خطرت في ذهني حادثة ذهاب الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى القدس (أواخر 1977)، والتي شكلت وقتها صدمة في العالم العربي، أدت إلى خروج تظاهرات عارمة في معظم المدن العربية، للتعبير عن رفض تلك الخطوة وإدانتها، ووصمها بالخيانة، وهو ما أفضى حينذاك إلى عزل مصر ومقاطعتها، الأمر الذي لم يتكرر مع خطوة التطبيع الإماراتية، التي مرّت، وكأن شيئاً لم يكن.

يمكن تفسير تلك اللامبالاة بجملة من الأحداث والتطورات التي عصفت بالعالم العربي في العقود الأربعة الماضية، لعل أهمها، أو مركزها، يكمن في، أولاً، حال الانهيار الدولتي والمجتمعي في بلدان المشرق العربي، من العراق إلى سوريا ولبنان، مع الأهوال التي عاشتها مجتمعات تلك البلدان. ثانياً، تغول النفوذ الإيراني في المنطقة الذي بعثر الأوراق وأدى إلى تصدع الاجماعات الوطنية والقومية في البلدان العربية. ثالثاً، واقع الإحباط الناجم عن إجهاض ثورات “الربيع العربي” بموجتيه الأولى (التي حصلت في مصر وتونس واليمن ولبيبا وسوريا) والثانية (التي حصلت في العراق والجزائر والسودان ولبنان). رابعاً، الافتقاد إلى نظام عربي فاعل ومتماسك ومتمحور على ذاته، مع سيادة أنظمة استبدادية تهمش مجتمعاتها وتستلب حريات وحقوق وموارد ما يفترض أنهم مواطنيها. خامساً، تراجع مكانة القضية الفلسطينية، بعد انحسار حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتحولها إلى سلطة. 

ومع تأكيد أن التطبيع يستحق الإدانة والغضب، وأن لا تطبيع يغطّي على آخر، أو يبرّره، فإن خطوة التطبيع الإماراتية، على خصوصيتها، تمكن رؤيتها وفق السياقات والملاحظات الآتية:

أولاً، لعل أكثر طرفين عربيين ذهبا نحو التطبيع، وأثرا في اختلال معادلات الصراع العربي – الإسرائيلي، وأضعفا الوضع الفلسطيني، هما مصر والأردن.

ثانياً، إن التطبيع القطري، المستتر والعلني، الموارب والمباشر، وإن أتى من دون تبجّح وادعاءات، إلا أنه لا يقلّ خطورة عن التطبيع الإماراتي، ومثلاً، ما كان بإمكان حركة “حماس”، وهي السلطة في قطاع غزة، أن تكون بهذا القدر من العناد بخصوص استمرار الانقسام لولا الدعم القطري، الذي يتم بالتنسيق مع إسرائيل، مع تحميل السلطة في غزة المسؤولية عن ذلك أيضاً.

ثالثاً، إن إسرائيل عصيّة على التطبيع أو السلام، وهي لم تطبّع حتى مع فلسطينيي 48 من مواطنيها المفترضين، بعد 72 سنة، ما يعني أن القول بأنها تريد التطبيع أو السلام يتناقض مع تعريفنا لها كدولة عنصرية، ويتناقض مع إدراكها لذاتها كدولة يهودية، مع ملاحظة أنها تعيش، وتتغذى، على أسطورة الصراع العربي – الإسرائيلي، أو وجودها في محيط عربي معادٍ، وإن شكلياً، ولأنها ترفض التحول الى دولة عادية، مع حدود جغرافية وبشرية ودستور.

رابعاً، يتمثل التطبيع الذي تريده إسرائيل حصراً في الاعتراف بها، وبروايتها لتاريخها، وبإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية معها، أي أن التطبيع الثقافي أو المجتمعي هو آخر ما يخطر في بالها، فهذان المجالان لن يشتغلا لمصلحتها كدولة غيتو في المنطقة، على المدى البعيد.

الترتيب الجديد لإسرائيل في المنطقة لا بد أن يؤثر في شكل النظام العربي، وعلاقاته البينية، كما علاقاته مع الأطراف الإقليمية الأخرى. 

خامساً، إن خطوة التطبيع الإماراتية تفتح على مرحلة جديدة في علاقات إسرائيل مع العالم العربي، فهي تقفز فوق القضية الفلسطينية، وفوق الحقوق العربية، وفوق حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية في المنطقة العربية، وهي أتاحت لإسرائيل التفاخر باعتبارها فرضت شروطها، في تحويل العرب إلى قبول مبدأ “السلام مقابل السلام”.

سادساً، من حيث العوائد الاقتصادية والأمنية فإن إسرائيل هي التي ستربح من تلك الخطوة، بحكم واقعها الاقتصادي، وبحكم كونها باتت الأكثر استقرارا في تلك المنطقة المضطربة من العالم.

في أي حال، فإن خطوة التطبيع الإماراتية، تفيد بلفت الانتباه إلى التطورات الآتية:

أولاً، لم تعد القضية الفلسطينية هي المتحكم بالعلاقات العربية- الإسرائيلية، أي أن مقولات مثل: اعتبار حل القضية الفلسطينية بمثابة بوابة للتطبيع، أو أن السلام يبدأ من فلسطين والحرب تبدأ من فلسطين، أو التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الكامل، باتت من الماضي بالنسبة إلى الأنظمة، إذ بات بإمكانها تجاوزها، بعد تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وبعد كل ما حصل في العالم العربي. 

ثانياً، بناء على ذلك فإن الترتيب الجديد لإسرائيل في المنطقة لا بد أن يؤثر في شكل النظام العربي، وعلاقاته البينية، كما علاقاته مع الأطراف الإقليمية الأخرى. 

ثالثاً، ثمة حقبة جديدة من تعامل النظام العربي مع القضية الفلسطينية، ومع شعب فلسطين، وهي حقبة ما زال من المبكر تلمس ملامحها أو أشكال تجليها.

رابعاً، على الصعيد الفلسطيني، فإن هذا التطور سيحرر قضية فلسطين، وحركتها الوطنية، من توظيفات واستخدامات الأنظمة التي أضرت بها أكثر بكثير مما نفعتها (وربما تلك هي “الإيجابية” الوحيدة مما حصل)، لا سيما أن تلك الأنظمة انتهجت على الدوام سياسة مرمطة شعب فلسطين وارتهانه. ومعنى ذلك أن الفلسطينيين معنيون بترتيب أوضاعهم بناء على هذا الانقلاب، بعدما باتوا نظرياً وعملياً وحدهم في مواجهة إسرائيل وسياساتها.

ملاحظة أخيرة، ربما يجدر ذكرها هنا، فالطائرة الإسرائيلية التي حطت في مطار أبو ظبي اسمها “كريات غات”، على اسم مستوطنة بنيت على أنقاض بلدتي عراق المنشية والفالوجة (بين الخليل وغزة)، التي قاتل فيها الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، والتي راح ضحية المعارك فيها عشرات الفلسطينيين والمصريين، وربما تلك ليست مصادفة، في صراع متخم بالتاريخ وبالرموز.

هكذا وصلنا إلى هنا بسبب تلك الأنظمة الاستبدادية الفاسدة والفاجرة… “لا أستثني أحداً منكم”… نعم هو يوم تاريخي لإسرائيل ويوم عار لتلك الأنظمة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء رشيدي – كاتب سوري
السؤال الإشكالي في التعامل مع الكارثة، هل علينا جبرُ الضرر والاستمرار وإعادة البناء بحيث تتجاوز الذاكرة ما حدث؟ أم علينا أن نحتفظ بالذكريات التي تؤشر إلى الكارثة؟

2:57

2:57

5:34

5:34
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني