fbpx

لماذا نحن غاضبات؟ عن قصصِ التحرّش والتعنيف

لماذا هذا الوقت ولماذا الآن تحديداً تتجرأ النساء على فضح المتحرشين ومؤيدي تعنيفهن؟ حدث ذلك لأن النساء غاضبات واكتفين من انتظار القانون والحماية.

ليس جديداً الحديث عن العنف ضد النساء، تغصُّ مجتمعاتنا بحكاياتٍ موجعة عن نساء يتعرضن للإهانة والضرب كلّ يوم، ولا قوانين تحميهنَّ حتى الآن، وربما لوقت طويل. لكن الصادم اليوم هو القصص التي باتت تطفو على السطح لمثقفين يعنفون زوجاتهم ولصحافيين متحرشين ولكتّاب يؤيدون العنف، الجديد هو اعتقادنا بأن الشريحة المثقفة هي الأقدر على توجيه المستمعين والقرّاء والجمهور نحو عالم آمن تُعامل فيه المرأة كإنسان، وإذْ بهذه الشريحة تفعل العكس وتستعرض فحولتها للجمهور وتقدم نموذجاً مثالياً عن المثقف المتحرّش والمغتصب والذكوريّ.

المثقفون والذكورةُ التي لا تزول

في إحدى الأمسيات كنتُ ألقي قصيدةً بعنوان “سيحبلُ رأسي بكَ”، في حينها لمحتُ بعض الرجال المحسوبين على شريحة المثقفين في سوريا يتهامسون ويضحكون، وسمعتُ وقع جملة “رح يحبل راسا فيه!”، تذكرتُ الحادثة بعدما كتبت الشاعرة السوريّة رشا حبال منشوراً تتحدث فيه عن حادثةٍ مشابهة حوّر فيها بعض الشعراء جملة لها بعد إحدى أمسياتها في ألمانيا، وقام الشاعر والكاتب السوريّ عدنان العودة بتعييرها بها بعدما رفضت موقفه تجاه قضية ضرب الإعلاميّ السوريّ عمر الشيخ ابراهيم زوجته.

الإعلامي عمر الشيخ وزوجته

وجد عدنان العودة أن من المستغرب على زوجةِ عمر الشيخ نشر فيديو توثّق فيه ضرب زوجها لها وهي حامل وكان عليها أن تحلّ الخلاف بينها وبين زوجها بالانفصال أو التراضي، وكي يستكمل موقفهُ الذكوريّ كتب: “المرة لما تحبك لو ضربتها بصاروخ توما هوك بتلاقيها ع قلبها أحلى من العسل”.

لكن هذه المرة الأمر مختلف فعلى رغم حذف عدنان المنشورين (منشور زوجة عمر الشيخ والمنشور الذي يهاجم فيه الشاعرة رشا حبال) لم يمرّ الموضوع مرور الكرام، هذه المرة النساء غاضبات، والشاعرة السوريّة رشا حبال تكلمت بملء صوتها وقالت إنّها المقصودة بمنشور عدنان، هكذا بدأ غضب النساء الذي أشعلته سابقاً قصص التحرش والاغتصاب التي كان  الإعلامي المصريّ هشام علّام جزءاً منها. راحت الشهادات تتوالى حول قصص التحرش التي قام بها علام بعد أول شهادة ظهرت وقصّة مدير دار ميريت المصرية التي قدمت الشاعرة المصرية آلاء حسنين شكوى ضده.

ماذا يعني اليوم فضحُ المتحرشين والمعنفين؟ يعني أن نشير إليهم ونوصمهم ونحرمهم امتيازات اجتماعيّة ومهنيّة.

لماذا هذا الوقت ولماذا الآن تحديداً تتجرأ النساء على فضح المتحرشين ومؤيدي تعنيفهن؟ حدث ذلك لأن النساء غاضبات واكتفين من انتظار القانون والحماية، ماذا يعني اليوم فضحُ المتحرشين والمعنفين؟ يعني أن نشير إليهم ونوصمهم ونحرمهم امتيازات اجتماعيّة ومهنيّة، يجب أن تفكر أيّ جهةٍ ألف مرّة قبل أن تدعم أو تشغّل متحرشاً أو معنفاً لديها أو حتّى مؤيداً لتعنيف النساء، أليست النساء محرومات من قانون يقول للمعنف لا يحقُّ لكَ ضرب زوجتك؟ ألسنا محروماتٍ من وضع حدٍّ لرجالٍ يؤيدون العنف الجسدي واللفظي؟ إذاً من حقّ النساء أن يقلن للرجال، توقفوا، وبالطريقة التي تناسبهن ويجدن أنّها تلائم غضبهن وألمهن وصدمتهن برجالٍ كنَّ يثقن بهم، اليوم ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي تستطيع النساء روي حكاياتهن والنجاة لمجرد رويها، يستطعن الوصول إلى الكثير مِمَن يسمعون بحق، هكذا تتشكل آراء واضحة وحازمة تجاه قضايا مفصليّة في ظلّ غياب القوانين والحماية الحقيقيّة للنساء سواء النفسيّة أو الجسديّة.

العنف ليس أسراراً عائلية!

في زمنٍ يحاربُ فيه العالم ضد العنصرية والتمييز والتعنيف، ما زالت المرأة العربية تقاتل في حروبها التي لم تنتهِ منذ سنين، لتدرك أنَّ الرجال الذين اعتقدت أنّهم نماذج للرجل الواعي والذي يحميها ويحمي حقوقها، ليسوا إلّا صورة منمقة ومزيفة عن الرجل الذكوري والمعنف والذي لا يراها سوى جسد، ويمكن أن يهينها بشتائم من قبيل “بدينة، عاهرة وبقرة” كما تحدّث عدنان بلغة سوقية في بوسته الموجه “لمعشر البقر من النساء”، نعم يا عدنان نحن معشر البقر من النساء الغاضبات واللواتي لا يرضين إهاناتك ولا أن يُضربن أو يتعرضن لتسخيف منك ومن أمثالك ويصمتن، “معشر البقر”، إنّهن النساء اللواتي تخاف منهن أنت وأمثالك لأنّهن قويّات وحرّات.

“معشر البقر” اللواتي يرفضن أن تتعرض امرأة للضرب ونسكت أو نبرر أو نقول إنّها يجب أن تحلّ المشكلة بينها وبين زوجها، نساء يصلن إلى حدّ نشر فيديو وهنَّ مدمياتٌ يعني أنّهن اكتفين وأنهن يحتجن إلى إخبار العالم عن رجال يُحسب لهم في الخارج ألفُ حسابٍ ويقدّمون على الفضائيات كداعمين للحريّات، ألا يفكر الرجال داعمون عمر الشيخ ابراهيم، بشكل أو آخر، أن زوجته تريد ببساطة أن تقول: “الرجل الذي يتحدث عن حرياتكم على الفضائيات، ويحكي عن التعذيب والمعتقلات، يضربني بوحشية”.

ما يحصل اليوم ليس لأن الكثيرات منّا نسويات فقط، وليس لأن وسائل التواصل الاجتماعي طريقة للتعبير سواء راقت للبعض أم لم ترق، وليسَ لأن هناك موجة ينضمُّ إليها كثيرون، ما يحصل هو لأننا غاضبات منذ سنين.

هذه الحوادث التي تطفو على السطح والجرائم بحقّ النساء تجذب الرجال العنيفين والمؤيدين لاضطهاد المرأة، كأنّهم يشمّون رائحتهم في ما يفعله غيرهم من الرجال، فلم يكد ينتشر فيديو زوجة الإعلامي السوريّ عمر الشيخ ابراهيم بعدما ضربها إلّا وانبرى الكثير من المثقفين في الدفاع عن الرجل، فالعنف بحسب رأيهم هو أسرار عائليّة والإهانة كذلك، إذاً أي جريمة مفضوحة ضد النساء ستُظهِر إلى النور معنفين ومتحرشين إضافيين وكما فضح فيديو زوجة عمر الشيخ عدنان العودة، سيقوم سلوك العودة بالإشارة إلى معنفين ومؤيدين بطبيعة الحال.

ما فائدة الفضح والغضب على وسائل التواصل الاجتماعي؟ إن إظهار هذه النماذج على العلن وبسرعة قياسية هو إنجازٌ بحد ذاته، فكم من مثقفين وإعلاميين كعمر وعدنان كانوا يُعتَبرون أمثلة عن الرجال المتحررين والثائرين المدافعين عن الإنسان وحقوقه، لكن أتنفصل حقوق الإنسان وكرامته عن حقوق المرأة؟ هذه النماذج تقول “نعم” وهذا يضعنا بطبيعة الحال أمام سؤالٍ كبير، هل يحقُّ لهؤلاء التحدث باسمنا وباسم ثوراتنا وإنسانيتنا؟ والجواب بلا شك “لا”، لا يمكن أن نبحث عن الكرامة ونحن نرفس نساءنا بأقدامنا ولا يمكن أن نطالب بالحريّة ونحن نواجه النساء بكتاباتٍ مهينة وباتهامات مخزية، لا يمكن أن نكتب الشِعر ونقدم أنفسنا كشخصيات ثقافية مؤثرة ونحن نمارس العنف اللفظيّ والطعن في كرامة صديقاتنا اللواتي وثقن فينا يوماً ما، لا أهاجم هنا عدنان أو عمر بالتحديد وليس الغرض سوى تقديم مثال عمّا تتعرض النساء له من أشخاص يحسَبون مناصرين لحقوق وحريّات الإنسان من دون إغفال أن من حقّ كلّ امرأة فضح هذه الجرائم وتعريتها.

ما يحصل اليوم ليس لأن الكثيرات منّا نسويات فقط، وليس لأن وسائل التواصل الاجتماعي طريقة للتعبير سواء راقت للبعض أم لم ترق، وليسَ لأن هناك موجة ينضمُّ إليها كثيرون، ما يحصل هو لأننا غاضبات منذ سنين، ولأنّك كلما شددت الحبل سينقطع في النهاية، لأن النساء تعبن من سماع قصص الاضطهاد والظلم والتعنيف من الجارات والصديقات، لأنهن تعبن من كونهن خائفاتٌ من رأي البعض ومن أحاديثهم من خلف ظهورهن عن شكلهن ومظهرهن وشكل حياتهن التي لا تروق لهم أو العكس، لأن النساء تعبن من السكوت عن كلّ أشكال التحرش من مثقفين يتغزلون بالنساء وأجسادهن أمام الجمهور ويقومون بضربهن في عقولهم وفي منازلهم. ما يحصل اليوم أن النساء غاضبات، لا شيء على الإطلاق يمكن أن يقلل من قيمة هذا الغضب والأحقية في انتزاع ولو جزء من حقوقهن، مهما حصل في النهاية. ما يحصل اليوم هو خطوة صغيرة في انتزاع حقوقنا بأسناننا، بالغضب أو الصراخ أو الفضح أو المنطق أو السخرية، كلّها أساليب مشروعة ومن حق كلّ امرأة وفتاة أن تعبّر عن غضبها بالطريقة التي تناسبها، لذلك تقول النساء لمن ليس لديه موقف والجبان كذلك: اصمت واجلس جانباً وكفَّ عن السخرية وعن تسطيح حقوقنا، وتفرج على غضب النساء كالأرنب المذعور.

ندركُ عواقب غضبنا جيداً

نحن النساء اليوم نعرف أن أيّ خطوة نتخذها لنقول لكلّ معنف أو متحرش إننا نحتقره وإنّه مكشوف ومفضوح وإننا في طريقنا للحصول على حقوقنا سيقابلها هجوم من جهته يحاول فيه التقليل من إمكاناتنا ومن حقّنا بطرائق ملتوية وسافلة كالطعن في كرامتنا والسخرية من أشكالنا وفبركة حكايات جنسيّة حولنا، وهذه في الحقيقة هي الأسلحة الوحيدة التي يمتلكها الخائفون والجبناء، هي الأسلحة التي منحته إياها العادات والتقاليد فلا سلاح للرجل الضعيف سوى جسد المرأة لضربه والطعن بكرامته.

نحتاج بلا شكّ قوانين أوضح وأكثر فاعلية لكن وفي الطريق إلى تحقيق ذلك يجب ألا نقف مكتوفات الأيدي وبخاصة الكاتبات والمثقفات والشاعرات.

نماذج مثل هشام علّام وعدنان العودة وعمر الشيخ ابراهيم، هي نماذج لمثقفين يعيشون بيننا نقرأ لهم ونشاهدهم على شاشاتنا مبهورين بسعة ثقافتهم وبفكرهم، تحلم كثيرات بلقاء رجل يشبههم، لكنهم في منازلهم يعيشون حياة أخرى، يضربون نساءهم، يعتدون بالتحرش والكلام البذيء على زميلاتهم وصديقاتهم، مثل هذه النماذج يجب أن تُحاسب وتُفضح كلّ يوم، بلا تردد، ومهما كانت العواقبُ اليومَ لن تكون أسوأ من الصمت ومن خوف الكثيرات وهنَّ يتذكرن الصفعات أو الكلام السيئ وحدهن، لن تكون العواقب أسوأ من أن تظن فتاة أنّها وحيدة وأنها متهمة فقط لأنّها أنثى.

نحتاج بلا شكّ قوانين أوضح وأكثر فاعلية لكن وفي الطريق إلى تحقيق ذلك يجب ألا نقف مكتوفات الأيدي وبخاصة الكاتبات والمثقفات والشاعرات، هناك نساء يجاهدن للوصول إلى قوانين تنصف المرأة، ونحن نعري الواقع جيداً ونكشف المتحرشين والمعنفين الواحد تلو الآخر.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني