fbpx

لبنان: بين العمالة المهاجرة والهجرة القسرية خطّ غامض

تغفل الاتهامات الشعبوية التي تدعي أن المهاجرين يسرقون وظائف اللبنانيين عن حقيقة أن أرباب العمل اللبنانيين يوظفون بمنتهى السرور العمال الأجانب لأنهم يدفعون لهم أجوراً أقل بكثير من التي سيدفعونها للعمال اللبنانيين ولأنهم لا يسددون اشتراكات الضمان الاجتماعي الخاصة بهم.

أحمد الحاج صطيفي عامل سوري يعيش في لبنان فقد زوجته واثنتين من بناته الأربع في انفجار مرفأ بيروت الكارثي الذي هز أرجاء العاصمة اللبنانية في 4 آب/ أغسطس الماضي. أحمد هو أحد العمال المهاجرين مثله مثل مئات آلاف السوريين الذين يقومون بمعظم الأعمال الشاقة ذات الأجور المتدنية في لبنان. عام 2014، نجت زوجته وبناته من الحرب والدمار في سوريا وانتقلن للعيش معه في بيروت على اعتبار أنهن من طالبي اللجوء. 

تُمثل هذه العائلة نموذجاً للأسر المهاجرة ذات الوضع المختلط، وهو مفهوم قانوني يعني أن مختلف أفراد العائلة الواحدة لهم وضع هجرة مختلف. يظهر أحمد في الفيديو مذهولاً أمام أنقاض ما تبقى من منزله في منطقة الكرنتينا الصناعية في بيروت، يُخيم عليه الحزن والأسى مما ألم به من فقد عائلته. فقد صار الآن بلا مأوى، مجرد لاجئ يحتاج إلى الحماية والمساعدة.

لقد كشف انفجار بيروت المأساوي عن هشاشة المواطنة في بلد يحكمه أباطرة الحروب والأنظمة الفاسدة، وأزال النقاب عن الخط الغامض بين العمالة المهاجرة والهجرة القسرية. يُعبر لبنان اليوم عن الطبيعة المتغيرة الذي تتسم بها الهجرة، مُناقضاً بذلك الرأي القائل بأنّ العمالة المهاجرة والهجرة القسرية هما نوعان مختلفان من الهجرة في حين أنهما في الواقع متداخلان.  وفي مثل هذا البلد الذي يتسم بتاريخ طويل من تدفقات الهجرة النشطة، يتنقل الناس دوماً بين هاتين الفئتين من أجل زيادة فرصة حصولهم على الموارد وفي بعض الحالات لمجرد البقاء على قيد الحياة.

قبل بضعة أعوام قابلت أماني، وهي أم سودانية في الثلاثينات من عمرها، في إحدى ضواحي بيروت التي يقطنها مزيج من العائلات اللبنانية منخفضة الدخل والعمال المهاجرين، يعيشون جميعاً جنباً إلى جنب في مساكن متهالكة. قبل سنوات من اندلاع الحرب الأهلية السورية، سافرت من السودان إلى سوريا مع أطفالها على متن طائرة وعبرت الحدود السورية اللبنانية في شاحنة بمساعدة مهربين. فقد كانت عازمةً على طلب اللجوء في لبنان، والتسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والشروع في إجراءات إعادة التوطين. وكانت على قناعة بأن لديها أساساً وجيهاً يُمكنها من الحصول على وضع لاجئ وإعادة التوطين استناداً إلى الاضطهاد السياسي. غير أن المفوضية لم توافق على ذلك. وبعد رفض قضيتها وإغلاق ملفها، اختارت البقاء في لبنان، خوفاً على سلامتها وسلامة أطفالها إذا ما عادت إلى وطنها، وبدأت تبحث عن عمل لإعالة أسرتها. وتحولت أماني إلى عاملة منزلية مستقلة بعدما كانت لاجئة. لم يكن هذا التحول سهلاً في أي حال من الأحوال، إذ واجهت الإحباط، وفقدان الوضع الاجتماعي، والضغوط الناجمة عن العمل من دون وثائق قانونية في لبنان. بيد أن قدرتها على العمل من أجل إعالة أطفالها أصبحت ممكنة بفضل الطلب المرتفع على العمالة المنزلية المستقلة المنخفضة الأجر آنذاك.

على رغم الخطاب القومي الشعبوي الذي يتحدث عن الأجانب الذين يسرقون وظائف اللبنانيين، فلطالما تحول اللاجئون في لبنان إلى عمالة منخفضة الأجر وقابلة للاستغلال، وفي بعض الحالات عبر أطر مؤسسية قانونية. ولسنوات عدة، منحت قوات الأمن الداخلي الرجال العراقيين الذين ينتظرون تقرير مفوضية اللاجئين حول تحديد وضع اللاجئ أو إعادة التوطين، الحق في العمل بصورة قانونية في لبنان. ومن خلال عقد “اتفاق ودي” غير رسمي بين مفوضية اللاجئين والحكومة اللبنانية، مُنح اللاجئون العراقيون ممن عرف عنهم حسن السير والسلوك تصاريح عمل ولكن فقط بعد الحصول على كفيل لبناني. أحد الشباب العراقيين الذين استفادوا من هذا الاتفاق هو سمير، الذي كان طالباً في كلية الطب في العراق إلا أنه فر إلى لبنان بعدما تلقى تهديداً بالقتل بسبب دينه وخلفيته العرقية. ومثله مثل أماني، تصور أيضاً أن لديه أساساً وجيهاً يُمكنه من الحصول على وضع اللاجئ استناداً إلى الاضطهاد الديني أو العرقي. عندما التقيت بسمير في أوائل العقد الماضي، عرفت أن ملفه الخاص في مفوضية اللاجئين يتعثر منذ سنوات، لكنه لم يُغلق بعد. وكان يعمل آنذاك في مستودع يملكه كفيل لبناني ويكسب بضع مئات من الدولارات شهرياً.

تغفل الاتهامات الشعبوية التي تدعي أن المهاجرين يسرقون وظائف اللبنانيين عن حقيقة أن أرباب العمل اللبنانيين يوظفون بمنتهى السرور العمال الأجانب لأنهم يدفعون لهم أجوراً أقل بكثير من التي سيدفعونها للعمال اللبنانيين ولأنهم لا يسددون اشتراكات الضمان الاجتماعي الخاصة بهم. لطالما عمل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان في الاقتصاد غير الرسمي مقابل أجور متدنية، وحتى العدد القليل منهم ممن يعملون في الاقتصاد الرسمي كانوا يدفعون رسوم صندوق التأمين الاجتماعي من دون الانتفاع من مزاياه

حالياً بإمكان اللاجئين السوريين الحصول على تصاريح للعمل في لبنان في قطاعات الإنشاء والزراعة والتنظيف، مع علم المفوضية بهذا الاتفاق، إذ على اللاجئين الذين يعملون بصورة قانونية التنازل عن المعونة الإنسانية. إضافة إلى أن الحكومة اللبنانية ليست مطالبة أمام المجتمع الدولي “بإتاحة” هذه القطاعات المحددة للاجئين. فقد كان السوريون يفدون إلى لبنان باعتبارهم عمالة موقتة مهاجرة لا تتمتع بحماية قانونية، وساهموا في تعزيز الاقتصاد اللبناني، قبل فترة طويلة من مجيئهم إلى البلاد بصفتهم لاجئين. الفارق الوحيد الآن هو أن كثراً من السوريين أصبحوا يتنقلون عبر فئتين متداخلتين، إما أنهم لاجئون أو عمال مهاجرون مُستغلون، لمجرد البقاء على قيد الحياة فحسب. توصيف السوريين بأنهم عقبان تسلب وظائف اللبنانيين، علماً أنها وظائف لم يشغلها عمال لبنانيون خلال الحقبة الأخيرة على الأقل، هو محض افتراء.

إحدى المهن الأخرى متدنية الأجر في لبنان، والعالم العربي عامة، التي تتطلب مجهوداً عاطفياً وبدنياً هي الأعمال المنزلية وتقديم الرعاية التي ظلت تشغلها نساء آسيويات وأفريقيات على مدار عقود. تقدم هذه العمالة المهاجرة، التي تخضع لنظام الكفالة الجائر الذي يربط وضع العاملة المھاجرة بكفيل فردي طوال مدة عقدها، مثالاً آخر على مدى ضبابية الخط الفاصل بين فئتي: العمالة المهاجرة والهجرة القسرية. بدايةً، تأتي عاملات منازل كثيرات في لبنان من بلدان تعاني من ويلات الحروب الأهلية (مثل إثيوبيا وسريلانكا) وبوسعنا وصف هجرتهن بأنها هجرة قسرية جاءت متأخرة. على رغم التحيز الذي يستهدف تلك الفئة من العاملات المُستغلات، نادراً ما كن محور أيّ نقاش سياسي ولم يتهمن يوماً بسرقة وظائف اللبنانيين، على غرار ما يحدث مع اللاجئين السوريين. بل على العكس تماماً، أصبح عملهن جزءاً لا يتجزأ من تكوين الأسرة اللبنانية والاقتصاد الوطني لدرجة أن الأمر اقتضى انهياراً اقتصادياً حاداً وجائحة عالمية لانخفاض الطلب عليه. وفي ظل الدوامة المالية الحالية وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية، تخلى عدد كبير من أرباب العمل ببساطة عن عاملات المنازل المقيمات اللاتي كانوا يستعينون بهن. 

يُعبر لبنان اليوم عن الطبيعة المتغيرة الذي تتسم بها الهجرة، مُناقضاً بذلك الرأي القائل بأنّ العمالة المهاجرة والهجرة القسرية هما نوعان مختلفان من الهجرة في حين أنهما في الواقع متداخلان.

فقد انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرئيسية مشاهد المهاجرات اللاتي يفترشن الرصيف أمام القنصلية الأثيوبية منذ نيسان/ أبريل 2020. ونظمت العاملات المهاجرات الإثيوبيات والكينيات والسيراليونيات الغاضبات احتجاجات رداً على تخلي أرباب أعمالهن عنهن أمام قنصلياتهن، بطريقة تشبه الاحتجاجات التي نظمها المواطنون اللبنانيون ضد حكومتهم. ومن خلال احتجاجهن طلباً للحماية من قنصلياتهن، تمارس المهاجرات حقوق المواطنة على الأراضي اللبنانية. على صعيد آخر، اضطرت المنظمات الناشطة التي يتمثل دورها في توفير أماكن آمنة للعمال المهاجرين ودعم جهودهم المنظمة -مثل “حركة مناهضة العنصرية” ومنظمة “إنغا لينغا” Enga Lenga، إلى تغيير أولوياتها استجابة لما رأت أنها أزمة إنسانية مستفحلة. إذ تقوم “حركة مناهضة العنصرية” حالياً، في أعقاب انفجار مرفأ بيروت الذي أثر في عدد كبير من اللاجئين والمهاجرين، بجمع الأموال لتوفير مسكن للعمال المهاجرين المشردين وإعادة بعضهم إلى أوطانهم. وتقدم المنظمة نوعاً ما الإغاثة الإنسانية للعمال المهاجرين مثلما تقدم المفوضية الإغاثة للاجئين.

أدى انفجار مرفأ بيروت والصدمة الجماعية التي أعقبته إلى ترسيخ إحساس الشعب اللبناني بالخذلان وعدم إيمانه بمعنى المواطنة في بلدٍ يحكمه ساسة فاقدو الأهلية وفاسدون. وقد أذن الدمار والوفيات في صفوف الأبرياء من العمال ورجال الإطفاء والأطفال بانهيار الثقة كلياً في مؤسسات الدولة. فقد أصبحت الدولة مختزلة في بضعة ساسة متهمون على الدوام بأنهم لصوص ومجرمون وأعداء للشعب. لكن الكارثة كانت أيضاً سبباً في مولد نوعٍ من التضامن بين اللاجئين والمواطنين يرتكز على الإنسانية التي تجمعهم والتجربة المشتركة المتمثلة في فقدان المرء بيته وخوفه من ألا يتمكن من العودة إليه. 

أخرس الحزن الجماعي للحظة صخب من يحرضون من دون كللٍ على اللاجئين. وسيتكفل الوقت بإثبات ما إذا كانت هذه اللحظة ستستمر للأبد.

[1] جميع الأسماء الواردة في هذه المقالة هي أسماء مستعارة، باستثناء أحمد الحاج صطيفي الذي نُشرت قصته على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرئيسية. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني