fbpx

القصة الكاملة لأرشيف القيادة القطرية :
من رفض نقل الوثائق ولماذا؟

نقل وثائق حزب البعث الى الولايات المتحدة عام 2004 واجه حملة انتقادات قادها الاكاديمي والكاتب العراقي سعد اسكندر. هنا عرض لأسباب الرفض ولأسئلة العودة...
|الحلقة الثانية

استعرضنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، رواية كنعان مكية لقصة أرشيف القيادة القطرية. ولإكمال الصورة من جانبها الآخر، كان لا بد من الاتصال بسعد إسكندر؛ المدير السابق لدار الكتب والوثائق الوطنية.

أرشيف القيادة القطرية في رواية سعد إسكندر

هكذا، أرسلت بريداً إلكترونياً لإسكندر، يعبّر عن رغبتي في سماع روايته الخاصة بأرشيف القيادة القطرية. كانت إجابته المقتضبة تقول إن “أصل الخلاف بين مؤسسة الذاكرة العراقية ودار الكتب والوثائق الوطنية، من وجهة نظري كمؤرشف وطني، هي أن من واجبي إبقاء الأوراق الرسمية وشبه الرسمية العائدة لحقبة ما قبل 2003 في العراق، كونها ممتلكات عامة، أي أنها ملك للدولة والمجتمع”. ويضيف إسكندر: “لهذا كنت أعتقد أنه لا يحقّ لأي طرف غير حكومي إخراجها من العراق، أو استخدامها بطريقة تخالف المواثيق الوطنية والدولية”.

آثار-استهداف-مبنى-مؤسسة-الذاكرة-العراقية-بصاروخ-كاتيوشا-في-بغداد

يتابع إسكندر “كان مكية يرى أن وضع العراق قلق أمنياً وسياسياً، ولهذا ارتأى نقل الأرشيف إلى أميركا، لحمايته والاستفادة منه لأغراض البحث العلمي. لم يكن يثق بالساسة العراقيين (وأنا لا ألومه على ذلك)، ولا بمؤسسات الدولة (هذا ما لم أتفق معه)”، في إشارة إلى أن كوادر دار الكتب والوثائق كانت مهيّأة وقادرة على هذا العمل، موضحاً أن “الخلاف بين المؤسستين لم يكن شخصياً أو فكرياً، بل يتعلّق بكيفية التعامل مع تلك الأرشيفات بحيث يمكن الاستفادة منها بالشكل الأمثل، اجتماعياً وأكاديمياً وقانونياً”

وختم إسكندر: “كنت أرى أنه من الضروري سنّ قانون وطني جديد خاص بتلك الوثائق الحساسة لثلاثة أسباب؛ الأول هو منع سوء استخدامها من هذا الطرف الداخلي أو ذاك الطرف الخارجي، والثاني هو الاستفادة منها لأغراض تحقيق العدالة الانتقالية، والأخير هو الاستفادة منها بشكل مسؤول، من الباحثين العراقيين لأغراض إجراء دراسات أكاديمية”.

هذا هو كل ما جاء في بريد إسكندر، وقد أوحى لي بأنه لا يرغب في الخوض مفصلاً في موضوع طواه الماضي. لكن هذا الرد القصير لن يكفل توفير التوازن المطلوب، إذ ستكون رؤية إسكندر بشأن الموضوع، مشوبة بالاختزال، لا سيما أن حواري مع كنعان مكية كان مباشراً، وقد أجاب فيه على أسئلتي. لذلك كانت علي العودة إلى أرشيفي الخاص، لاستكمال الرواية وسدّ ثغراتها.

لا تتوافر معلومات وافية عن إسكندر، لكن مقابلة أجراها مع ستيوارت جفريز، ونشرتها صحيفة الغارديان بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2008، تكشف جانباً من حياته. وُلد إسكندر في بغداد لأسرة كردية قارعت نظام صدام. وفي أثناء مجزرة حلبچه، كانت عائلته منتمية إلى صفوف المقاومة الكردية في شمال العراق، وقاتل هو نفسه ضمن صفوف البیشمركة، في ريعان شبابه، مدة 7 أعوام. وقد تحصّن مع عائلته خلال تلك الأحداث في جبان كردستان، وتنقّل ما بين إيران وسوريا. عام 1990 غادر إلى بريطانيا طالباً اللجوء السياسي، وأكمل دراسته في المدارس والأكاديميات البريطانية. وقبيل سقوط نظام صدام في نيسان/ أبريل 2003، حصل من مدرسة لندن للاقتصاد على شهادة الدكتوراه في التاريخ، بعدما أنجز أطروحة بعنوان: السياسة البريطانية تجاه القضية الكردية من 1915 إلى 1923.

بعد زوال نظام البعث، عاد إسكندر إلى العراق ليعمل مديراً لدار الكتب والوثائق الوطنية منذ عام 2004. من جهة أخرى، ساهمت استقالته عام 2015، على خلفية نقله إلى مؤسسة جديدة لم تكن مناسبة له، في إبعاده عن دائرة الضوء، إذ قرّر العيش مع عائلته في السليمانية، وسط أنباء رجّحت حينها أنه سيعمل مستشاراً لسلطات إقليم كردستان، وهي تستعد لإنشاء أرشيف للسجلات الكردية. هذا يعني أن سنوات سطوع نجمه تنحصر بين عامي 2004 و2015. 

“كنت أعتقد أنه لا يحقّ لأي طرف غير حكومي إخراجها من العراق، أو استخدامها بطريقة تخالف المواثيق الوطنية والدولية”.

سعد إسكندر

حقّق إسكندر نجاحاً لافتاً، لا في إنعاش دار الكتب والوثائق الوطنية وإعادتها إلى الحياة فحسب، بل في تشكيل فريق احترافي عمل على صيانة محتويات الدار وأرشفتها وحفظها، بعد استعادة نسبة جيدة من مفقوداتها، في ظل بلد ضربته الفوضى في مفاصله كلها، وحكومة مشلولة ذات إمكانات محدودة، لا تخصّص من موازنتها لوزارة الثقافة إلا الفتات. فضلاً عن ذلك، كان إسكندر موفّقاً في نسج شبكة واسعة من العلاقات العامة التي ساعدته في عمله، ودعمته في ظهوره الإعلامي المتكرّر، سواء في العراق أو خارجه.

في الفترة بين 10 و12 تشرين الأول/ أكتوبر 2004، عُقد مؤتمر “أمناء مكتبة الإنترنت” في العاصمة البريطانية لندن. وقد ألقى إسكندر كلمة جاءت بعنوان: قصة “مقبرة الكتب” في العراق. هذه الكلمة لفتت الأنظار إليه، وهي من أكثر الكلمات التي يُستشهد بها في الكتب والبحوث والمقالات التي قرأتها، تلك التي تتناول الأرشيف العراقي عموماً، أو دار الكتب والوثائق الوطنية بوجه خاص. وقد توالى حضوره الإعلامي اللافت منذ عام 2004، عارضاً قصة نجاحه في إدارة دار الكتب والوثائق، ومدافعاً عن عودة المحفوظات والأعمال الفنية والتاريخية العراقية إلى بغداد، ومهاجماً الجهات التي ساهمت من قريب أو بعيد، في الاستحواذ على أي شكل من السجلات العراقية أو نقلها إلى الخارج.

لكن ما يلفت الأنظار بشكل واضح ومثير للاستغراب، هو أن إسكندر كان لا يفوّت فرصة للهجوم على مؤسسة الذاكرة العراقية، حتى إن كان موضوع الحوار يناقش نوعاً آخر من الأرشيفات التي عرضنا لها عموماً، في الحلقة الأولى. بل إنه سكت مراراً عن تسمية الأطراف المساهمة في إخراج هذه الأرشيفات بأسمائها، مستثنياً مؤسسة الذاكرة ومؤسسها كنعان مكية، اللتين كانتا تردان بالاسم دائماً. زد على ذلك أن هذه التسمية كانت ترتبط في أحيان كثيرة، بصفات مشينة من نحو الموالين لصدام واللصوص والمهرّبين وسواهم.

لقد كُرّست هذه الصورة السلبية عبر الحضور الدائم لمؤسسة الذاكرة العراقية على لسان إسكندر، ليصل الحال إلى المطالبة بإيقاع أقصى العقوبات بحق مكية، استناداً إلى قانون العقوبات العراقي المشرّع في ظل نظام البعث. بتاريخ 21 حزيران 2008، أرسل إسكندر رسالة مفتوحة إلى مدير معهد هوفر ريتشارد سوسا، يقول فيها “أود أن ألفت انتباهكم إلى القانون العراقي رقم 111 لسنة 1969. يفرض هذا التشريع عقوبات صارمة على من يُـتـلِفون الوثائق العراقية الرسمية أو يخفونها أو يسرقونها أو يزوّرونها أو ينشرونها أو ينقلونها. كما يفرض عقوبة شديدة (السجن لمدة 10 سنوات) على أولئك الأفراد الذين يتعاونون مع دولة أجنبية ويسلّمونها وثائق عراقية”. من الواضح أن إسكندر يشير إلى المادة 182 من قانون العقوبات العراقي، والتي تنص على ما يأتي: (1) يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على 500 دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين، مَن نشر أو أذاع بأية صورة وعلى أي وجه وبأية وسيلة كانت، أخباراً أو معلومات أو مكاتبات أو وثائق أو خرائط أو رسوماً أو صوراً أو غير ذلك، مما يكون خاصاً بالدوائر والمصالح الحكومية أو المؤسسات العامة، وكان محظوراً من الجهة المختصة نشره أو إذاعته؛ (2) ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين، من سلّم لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها، بأية صورة وعلى أي وجه وبأية وسيلة كانت، أمراً من الأمور المذكورة في الفقرة السابقة.

تحليل نصوص إسكندر

إذا كنّا نتّفق مع إسكندر في أن تشريع قانون خاص بحفظ الأرشيف العراقي، يشكّل ضرورة قصوى، وهو أمر سبق لمكية أن دعا إليه وعمل عليه أيضاً، فإننا نلاحظ من جهة أخرى أن إسكندر ما زال مصرّاً حتى اليوم، على أن الموافقات التي حصلت عليها مؤسسة الذاكرة العراقية من الحكومة، تلك التي فصّلناها في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، ليست قانونية.

وإذا افترضنا أن المادة 182 من قانون العقوبات ما زالت نافذة، وأنها لا تتعارض شكلاً مع القوانين والمعاهدات الدولية التي انضم إليها العراق وصدّقها، وأن السلطات الجديدة أكدت التزامها الكامل بها، بل إذا كانت لا تتعارض مع روح المادة 38 من الدستور العراقي، فإن مناقشة مضمونها تضعنا أمام احتمالين: الأول هو أن السلطة التنفيذية هي التي خرقت القانون، حين منحت مؤسسة الذاكرة العراقية إذن التصرّف في جزء من الأرشيف البعثي، وأقرّت عملية نقل هذا الجزء إلى الولايات المتحدة، فما الخطوات التي كان ينبغي اتباعها لمعالجة هذا الخرق؟ كان الأجدى أن تُعالَج القضية في البرلمان العراقي، بأن تلجأ وزارة الثقافة إلى لجنة الثقافة والإعلام النيابية، لتتقدّم الأخيرة بطلب استجواب للحكومة بداعي خرق القانون، ثم يُصار إلى التصويت على إقرار مشروعية إذن التصرّف وعملية النقل أو إبطالهما. إقرار الإجراءات كان من شأنه إنهاء الجدل، أما إبطالها فيعني بدء العمل على استعادة الأرشيف من معهد هوفر، كي تُقفل القضية. وكان يمكن اللجوء إلى القضاء، بدلالة المادة 182 من قانون العقوبات، إذا تكوّنت القناعة بأنها ما زالت نافذة. لكن ذلك لم يحدث للأسف، وظلّت وسائل الإعلام العراقية والأجنبية هي جبهة المعركة، فيما كان للكلمة أثر الرصاصة.

أما الاحتمال الآخر فيتعلّق بأن مَن خرق القانون هو مكية، كما دأب إسكندر على القول. إذا كان ذلك صحيحاً، ألم يكن الأوْلى تطبيق قانون العقوبات العراقي على جلال طالباني ومسعود بارزاني وبرهم صالح وسائر قادة الصف الأول من السياسيين الأكراد، لأنهم كانوا سبّاقين في إخراج الأرشيف الكردي إلى الولايات المتحدة بين عامي 1992 و1993؟ في حدود ما أعلم، لم يشر إسكندر بالاسم أبداً إلى القائمين على نقل الأرشيف الكردي إلى أميركا، ولا إلى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي استولت على أجزاء كبيرة من أرشيف البعث، تلك التي عرضنا لها في الحلقة الأولى. في الحالتين، كان إسكندر يستخدم صياغات غير محددة، من نحو “الجهات التي تمتلك جزءاً من أرشيف البعث، داخل العراق أو خارجه”، فيما يذكر مؤسسة الذاكرة والقائمين عليها بأسمائهم.

بودي أن أنبّه إلى أنني أطرح السؤال الخاص بالأرشيف الكردي لأغراض الجدل لا أكثر، إذ إنني لست مقتنعاً بحجّة إسكندر، لا من حيث أصل الفعل (نقل الأرشيف الكردي إلى أميركا) ولا من حيث النتائج التي أنهت الجدل بشأنه (عاد الأرشيف كاملاً إلى الحكومة العراقية عام 2005). لقد كانت اتفاقية الأحزاب الكردية مع الولايات المتحدة (كما سنرى في الحلقة المقبلة) مشابهة تماماً لاتفاقية الذاكرة – هوفر؛ إنها اتفاقية إيداع موقّت. في الحالتين، شهدنا اعترافاً أميركياً بأن الأرشيفات ملك للعراقيين وأنها سترجع إليهم، وهذا ما حصل فعلاً.

أن اتفاقية الذاكرة – هوفر هي اتفاقية إيداع موقت، لم تصادر أبداً حق العراقيين في ملكية الأرشيف، وأكدت دائماً أنه سيعود إلى العراق حال استقرار الأوضاع الأمنية والانتهاء من الأعمال التقنية الخاصة به.

هل خرق مكية القانون؟

يميّز إسكندر في بريده الإلكتروني المرسل إلي، الجهات الحكومية من الجهات غير الحكومية، ملمحاً إلى أن حقّ التصرف بالأرشيف العراقي حكر على الحكومة. ما الفرق بين الجهة الحكومية، والجهة غير الحكومية التي حصلت على إذن بالتصرّف من أعلى المناصب في السلطة التنفيذية؟ إن المادة 182 من قانون العقوبات نفسها، تجيبنا بأن لا فرق بين الاثنين. لو قرأنا ذيل الفقرة الأولى من المادة المذكورة، لوجدنا أنها تنصّ على “ما كان محظوراً من الجهة المختصة نشره أو إذاعته”، وهذه العبارة تفيد الاستثناء. بكلام آخر، تعني هذه العبارة أن العقوبة تستثني مَن ينشر المحفوظات المذكورة في الفقرة الأولى أو يذيعها، إذا حصل على إذن الجهة المختصة بالنشر والإذاعة، ولا تتوافر قرينة تمنع شمولها الفقرة الثانية أيضاً، أي أنها تستثني مَن يسلّم وثائق إلى جهة أجنبية بإذن حكومي، لاشتراك الفِعلَين في علّة واحدة (إذن مَن يملك حق التصرّف).

أشار إسكندر في مكان آخر، إلى أن مؤسسة الذاكرة العراقية لم تخرق قانون العقوبات العراقي فحسب، بل خرقت أيضاً قانون الحفاظ على الوثائق رقم 70 لسنة 1983. أخشى أن هذا القانون حجة ضد إسكندر لا معه، فهو يؤكد ما ذهبت إليه في أعلاه. تنص المادة 12/ سادساً من قانون الحفاظ على الوثائق مثلاً، على أن “لا يجوز انتقال الوثيقة من حيازة عراقي إلى غير عراقي إلا بموافقة المركز”، في إشارة إلى المركز الوطني للوثائق الذي ألغي لاحقاً، وهو جهة حكومية. هذا يعني أن انتقال الحيازة إلى الخارج جائز، شرط الحصول على إذن حكومي. ولنتذكر هنا أن مصطفى الكاظمي؛ المدير التنفيذي لمؤسسة الذاكرة في بغداد، أرسل في 23 تموز/ يوليو 2009، بريداً إلكترونياً إلى طارق نجم؛ مدير مكتب رئيس الوزراء آنذاك، يحثّه فيه على التدخّل لدى وزارة الثقافة، من أجل بيان الموقف القانوني لمؤسسته. الكاظمي أشار في بريده، إلى أنه عرض المخاطبات والكتب الرسمية التي بحوزته على رئيس هيئة القضاء مدحت المحمود، وقد أكد سلامة الموقف القانوني لمؤسسة الذاكرة. ثم إننا ذكرنا في الحلقة الأولى، أن المستشارين القانونيين في مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، نظروا في أوليات اتفاقية الذاكرة – هوفر، ووجدوا أنها لا تخالف القانون. من الواضح إذن، أن أعلى السلطات القضائية والتنفيذية العراقية، لم تكن ترى في إجراءات مؤسسة الذاكرة العراقية أي مخالفة للقانون.

Subtitle

توضيب الوثائق في جامعة هوفر

Description

Subtitle

توضيب الوثائق في جامعة هوفر

Description

أما الحديث عن الاتفاقيات الدولية، فهو يتعلّق بمدى انسجام اتفاقية الذاكرة – هوفر مع القانون الدولي، ولا سيما مع اتفاقيتين صدرتا عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، الأولى هي “اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح (1954) وبروتوكوليها الإضافيين (1945 و1999)”، والأخرى هي “اتفاقية باريس بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة (1970)”. ناقش بروس مونتغمري؛ الباحث في جامعة كولورادو بولدر، هاتين الاتفاقيتين وسواهما بشكل مفصّل، في دراسة متخصّصة نُشرت عام 2011، بعنوان “خلود الملفات الأمنية: مؤسسة الذاكرة العراقية وأرشيف حزب البعث”، ووصل إلى نتيجة مفادها أن تلك المواثيق والاتفاقيات الدولية تعالج قضايا المصادرة والسرقة والنهب والبيع في السوق السوداء. لكن الملاحظ أن اتفاقية الذاكرة – هوفر هي اتفاقية إيداع موقت، لم تصادر أبداً حق العراقيين في ملكية الأرشيف، وأكدت دائماً أنه سيعود إلى العراق حال استقرار الأوضاع الأمنية والانتهاء من الأعمال التقنية الخاصة به. وما يعضّد هذا التوجّه، هو توقيع مذكرة التفاهم بين الحكومة العراقية ومعهد هوفر عام 2012، التي أقرّت استمرار إيداع أرشيف القيادة القطرية في المعهد المذكور، ثم هناك الخطوة الأهم المتعلّقة بعودة الأرشيف الكاملة إلى بغداد اليوم. هذا يعني أن المحاكم الدولية لم تكن ذات اختصاص في هذا النزاع، لأن ولايتها لا تتضمّن قضايا الإيداع الموقت، وربما نعود إلى هذا الموضوع مستقبلاً بشيء من التفصيل.

في أصل الخلاف

يقول إسكندر إن أصل الخلاف بين مؤسسة الذاكرة العراقية ودار الكتب والوثائق لم يكن شخصياً ولا فكرياً. ويُفهم من بريده الإلكتروني أن لا خلاف بين الطرفين على ضرورة حفظ الأرشيف ومسحه إلكترونياً وإتاحته للباحثين والمهتمين. الخلاف إذاً، كان يتعلّق بمكان الحفظ؛ داخل العراق أو خارجه. كان إسكندر يرى أنه وفريقه ومؤسسته قادرون على القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، فيما كانت لمكية شكوكه في هذا الشأن، وتلك الشكوك لا تتعلّق بدار الكتب والوثائق حصراً، بل بالوضع العراقي عموماً. لكنني أرى أن القضية كلها تنطوي على خلاف جذري بين رؤيتين؛ الأولى رومانسية والأخرى واقعية.

أنا أيضاً كنت مؤمناً برؤية إسكندر؛ بأن العراقيين كائنات فذّة تستطيع أن تأتي “بما لم تستطعه الأوائل”. لكن الأوطان تُبنى بالمؤسسات لا بالأفراد، مهما كانوا موهوبين ومخلصين. ما الذي بإمكان فرد واحد أن ينجزه إزاء “مؤسسات في طور البناء”، وهو محاط بجيش يعاني البطالة المقنّعة وينخره التواكل والكسل واليأس والانعزال عن العالم؟ بل كيف لفريق من الموهوبين أن ينجح، في ظل بيئة مضطربة ومعادية ومتشكّكة وجاهلة ومتعدّدة الولاءات.

صحيفة “الغارديان” تقول إن إسكندر كان “مقاتلاً في صفوف البیشمركة”، وربما استحضر همّة ذلك المقاتل وهو يحارب على جبهات متعددة من أجل أن يعيد الاعتبار إلى دار الكتب والوثائق الوطنية. كل هذا ممتاز، لكنّه كان يحارب بمفرده، بدليل أن اسمه وحده هو الذي ظلّ يتردّد في الصحافة والدراسات والكتب التي تناولت مشكلة الأرشيف العراقي، مع حضور خجول لوزير الثقافة أكرم الحكيم ووكيله طاهر الحاج حمود. كان إسكندر يحضر هناك دائماً، بوصفه الفرد – المؤسسة.

يقول إسكندر لـ”الغارديان”: “يمكنني أن أؤكد لكم وجود مبانٍ سرية وآمنة في بغداد، حيث يمكن تخزين هذه الوثائق. إنه لأمر سخيف أن تكون في كاليفورنيا (موقع معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد) لا في العراق. بمجرد إعادة الوثائق، فإن سياستنا تعارض فرض أي نوع من الرقابة عليها. سيتمكّن الشعب العراقي من المجيء إلى مكتبتي، والاطلاع على هذه الوثائق والتعلّم منها”. لكن ألا ينطوي هذا الكلام على تناقض؟

هذا الحوار نشر عام 2008 كما أسلفنا، ويبدو أن إسكندر يرد فيه على المشكّكين بالقول: حتى إذا كانت دار الكتب والوثائق الوطنية ليست مكاناً آمناً لأرشيف القيادة القطرية بسبب اضطراب الأوضاع، فيمكن أن نضعه في أحد المباني السرية الآمنة الموجودة في بغداد. إذا كانت الحال كذلك، فكيف سيطّلع الشعب العراقي على الأرشيف في مكتبة إسكندر، والوثائق مودعة في مكان آخر “سري وآمن؟”.

لست أدري كيف لم يتنبه إسكندر ومحاوره جفريز إلى هذه المفارقة، لا سيما أن الحوار نفسه نقل نصوصاً من مدونة “ملاحظات حزينة” الخاصة بإسكندر، تتحدّث عن “95 نافذة مكتبة محطمة بفعل السيارات المفخخة، واختطاف نجل أحد موظفي الاستقبال، وحوادث قتل لأسباب طائفية، واختفاء نجل أمين للمحفوظات مدة خمسة أشهر، وفقدان زوج عاملة مكتبة منذ ستة أشهر”. لقد دأب إسكندر منذ عام 2014، على الحديث عن سوء الأوضاع الأمنية في العراق، والمخاطر التي تعرّض لها هو والعاملون معه فضلاً عن بناية الدار، إذ كان يضطر مراراً إلى إخراج الموظفين من البناية في منتصف اليوم تفادياً لتهديد مُتوقّع، أو يطلب منهم ألا يأتوا إلى الدوام لوجود خطر داهم. كان هذا الموضوع مثلاً، جزءاً مركزياً من الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر “أمناء مكتبة الإنترنت” المشار له سلفاً، وفيه أوضح أن مبنى دار الكتب والوثائق يبعد نحو كيلومتر واحد من شارع حيفا، وقد كان يومها من النقاط الحرجة التي تشهد نشاطاً ملحوظاً لتنظيم القاعدة والموالين لصدام. وفي مناسبات لاحقة، تحدّث إسكندر عن المخاطر التي واجهها هو شخصياً، لأن عمله ذو طابع سياسي لا يرضي كثيرين. وعلى رغم تلك المخاطر، رفض دائماً مبدأ الحراس الشخصيين حتى لا يلفت إليه الأنظار. لكن هذه الأوضاع السيئة لم تحل أبداً دون استمرار المطالبة بعودة الأرشيف العراقي إلى بغداد، عوض اقتراح حلول أكثر واقعية.

لننتقل إلى محتويات المؤسسة التي أشرف إسكندر على إدارتها. لا ينكر إلا جاحد الجهد الجبار الذي بذله من أجل بثّ الحياة في دار الكتب والوثائق الوطنية، لكن وعد إسكندر بموقع إلكتروني محترف ظل حلماً لم يتحقّق. كان حديثه الدائم يوحي بأننا سنستطيع يوماً زيارة الدار افتراضياً، لنطّلع على ملفات ممسوحة ضوئياً لأصول الكتب والخرائط والوثائق والمخطوطات. لكن زيارة الموقع المذكور اليوم تكشف لنا عن فقر لا نراه حتى في موقع إلكتروني يعود إلى صحيفة عراقية متواضعة الإمكانات. أنا هنا لا أشكّك بالإرادة والنيات الطيبة، بل أشير إلى القدرة على إنفاذ تلك الإرادة؛ إنها مشلولة بفعل ضعف الإمكانات التقنية والبشرية والمالية، وانعدام الظروف الموضوعية التي تكفل تحويل الأحلام إلى واقع يحظى بالحد الأدنى من القبول.

لقد استقال إسكندر من وظيفته مديراً لدار الكتب والوثائق عام 2015. ومنذ تسلمه مهمات عمله حتى استقالته، عاد إلى العراق الأرشيف الكردي عام 2005، وأرشيف الجيش الأميركي عام 2013، وهذا الأخير يشكّل نحو 90 في المئة من أرشيف البعث المكتشف، وفق معظم التقديرات (ما بين 100 و120 مليون صفحة). ثم إن هناك جزءاً من أرشيف القيادة القطرية، سلّمته مؤسسة الذاكرة إلى الحكومة العراقية عام 2009، بعدما أكملت مشروع العمل على أرشفته وتصنيفه ومسحه ضوئياً، وهذا الجزء لم يغادر العراق أبداً. كنا نأمل بألّا نرى معركة طاحنة في جبهة الصحافة ومراكز البحوث، بل جهد عملي لوزير الثقافة أكرم الحكيم ووكيله طاهر الحاج حمود، بل حتى إسكندر نفسه، يتعامل مع هذه الأرشيفات الثلاثة بمهنية عالية. لا نعرف إلى الآن مكان خزنها أو ظروف هذا الخزن، وهل توافر لها فريق محترف يتولّى أعمال الصيانة؟ كنا نتمنّى أن نرى عدداً لا بأس به من الدراسات والبحوث التي تُنجز اعتماداً عليها، ومزيداً من الجامعات العراقية والأجنبية التي تمتلك حق الدخول إليها من بُعد، أو الاطلاع على محتوياتها في أقل تقدير. ثم إذا كانت وزارة الثقافة قادرة، بإمكاناتها المادية والبشرية، على التعامل مع الأرشيفات باحتراف، فلماذا لم ينتقل الأرشيف الكردي إلى دار الكتب والوثائق، حتى بعد انتهاء محاكمة صدام ورموز نظامه، والتحسن النسبي في الأوضاع الأمنية؟ في المقابل؛ هناك عشرات الكتب والبحوث والمقالات، ما كان لها أن ترى النور لولا أرشيف هوفر. هناك مئات الجامعات وآلاف الباحثين ممن يستطيعون الاطلاع على أرشيف القيادة القطرية، وفق اتفاقية رصينة تكفل عدم إساءة استخدام محتوياته، لا سيما ما يتعلق بحماية خصوصية الأفراد الذين وردت أسماؤهم فيه.

هل يعني هذا أن إسكندر كان رومانسياً فيما كان مكية واقعياً. نعم، ولا! كان مكية رومانسياً حين ظنّ أن بإمكانه استلهام ما حدث مع أرشيف ستازي التابع لجهاز أمن ألمانيا الشرقية، وراح يحلم بأن يُحدث أرشيف القيادة القطرية طفرة نوعية في الدراسات الشرق أوسطية والعراقية، تتجاوز بمراحل ما أحدثه أرشيف سمولينسك السوفياتي في جامعة هارفرد. لكنه تنبّه مبكراً عام 2005 إلى أن حلمه بدأ يتكسّر على صخرة ما يحدث كل يوم، ما أجبره على التفكير بحلول واقعية قبل أشهر معدودة من نشوب حرب أهلية أحرقت الأخضر واليابس. كما إن الفشل السياسي في إدارة الدولة، والفساد الذي استشرى في كل مكان، والهجمة الشنيعة التي تعرّض لها مكية ومؤسسته، قضت على آخر أمل في تحقيق تلك الأحلام. من جهته، ربما يبدو إسكندر رومانسياً، وما ذلك إلا لأن عمله مديراً لدار الكتب والوثائق الوطنية، وهي الجهة الحكومية الوحيدة المسؤولة عن حفظ الوثائق والمحفوظات العراقية، كان يفرض عليه خوض هذه المعركة، حتى لو لم يكن متأكداً من إنجاز المهمة. لكنني أعتقد أن إسكندر خاض “المعركة الخطأ” مع مكية. كان ينبغي أن تكون المعركة مع الجهات التي تسلّمت الأرشيفات الثلاثة، أي مع الحكومة ووزارة الثقافة التي كان إسكندر جزءاً منها. كنت أتمنى أن يعقد إسكندر حلفاً مع مؤسسة الذاكرة العراقية، من واقع أن أهداف الطرفين وهمومهما واحدة، لا سيما أن الخصومة بينهما انطوت على كثير من سوء الفهم لتفصيلات كثيرة، كان يمكن أن تتلاشى لو أُنجزت مذكرة التفاهم التي كان يُؤمل أن يوقّعها مع مؤسسة الذاكرة عام 2008، عبر تنازلات يقدّمها الطرفان.

وثائق لحزب البعث توثق حالات التعذيب والإعدام للمعتقلين العراقيين وجدت في بغداد خلال نيسان – أبريل 2003

أخيراً، لا نستطيع أن نغفل الحقيقة التي تقول إن أرشيف القيادة القطرية الذي حفظته مؤسسة الذاكرة العراقية، وهو لا يشكّل أكثر من 2 في المئة من أرشيف صدام المكتشف، هو التاريخ الناطق الوحيد باسم البعث الذي عاد إلى بغداد كاملاً غير منقوص. إننا نعرف عنه كل شيء، فيما نجهل مصير 98 في المئة من الأرشيف المذكور. هل يستحق مكية أن نرجمه بحجر على هذه الخطيئة؟

ولعل سائلاً يسأل: لِمَ هذا النقاش المستفيض بشأن قضية انتهت بعودة أرشيف هوفر إلى بغداد؟ الهدف الأول هو التاريخ، والهدف الآخر هو الدروس المستفادة من هذا التاريخ؛ ألا نلجأ إلى الإعلام في خوض معاركنا الكلامية، بل نعمل على مواجهة أطراف الخلاف، ونبذل ما في وسعنا لحل المشكلات العالقة، وأن نستعد للقبض على بشائر الصباح، عوض التمسّك بآخر غسق من الشمس الغائبة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
OCCRP – مشروع تتبع الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود وشركاؤه
إن هذه الخدمة قد تُعتبر بمثابة “الملاذ الآمن” لأولئك الذين لا يرغبون في الانضمام إلى الجيش ولا يمكنهم تحمل رسوم الإعفاء التي بلغت في الفترة الأخيرة نحو 8 آلاف دولار.
فيكين شيتريان – صحافي وكاتب أرمني
خيوط – موقع يمني
Play Video
“دار الأوبرا بتقول إنها بتقدم فن رفيع، لكن قتلها للحيوانات بيقول العكس”… ناشرة مصرية تُقاطع نشاطات دار الأوبرا في القاهرة بعد إقدامها على تسميم أكثر من 30 قطة وكلب تحت ذريعة أن وجودها “غير حضاري”.

1:45

Play Video
بدأت والدة إيهاب الوزني اعتصاماً مفتوحاً أمام المحكمة في كربلاء مطالبة بالكشف عن قتلة ابنها، فيما منعتها القوى الأمنية من نصب خيمة اعتصام أمام المحكمة. وقالت الوالدة للقوى الأمنية: “أبو الكاتم صاحبكم وتعرفون من يكون”، في اشارة إلى القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح الذي اطلق سراحه بعد القاء القبض عليه بتهمة قتل الوزني، لـ”عدم كفاية الأدلة”.

2:17

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني