fbpx

حين تنقضّ على مسيرتك بنفسك: هشام علام وشهادات التحرش المتواصلة

لا يرغب المتّهمون بالتحرّش بالاقتناع بأنّ العالم دخل بالفعل مرحلةً جديدة في طريقة تعامله مع قضايا التحرّش والاعتداء...

حين خرجت شهادات ناجيات يروين فيها تعرضهن لانتهاكات على يد الصحافي الاستقصائي المصري هشام علّام إلى النور، اجتاحت الهواتف محادثاتٌ ثنائيّة وجماعيّة بين صحافيّات من دول مختلفة جمعتهنّ دورات تدريبيّة وحكايات تثير الريبة مع علّام. فبدأن يفككن الرموز ويربطن الخيوط ويضعن الإصبع على القواسم المشتركة بين تجاربهنّ.

“الآن فهمتُ أنّني لم أكن الوحيدة التي دعاها هشام إلى غرفته للحديث معها عن العمل والحياة. لكنّني حينها اصطحبتُ زميلتي معي لأنّني استشعرتُ خطباً في استدراج مدرّب مخضرم شابات متدرّبات للجلوس معه في غرفته”. هذا ما قالته إحدى الزميلات اللواتي تواصل معهنّ “درج” وتقاطعت تجربتها مع تفاصيل وردت في الشهادات التي نشرها موقع “المدوّنة” وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً حسابات الصحافيّتين المصريّة إيمان عوف والسوريّة زينة إرحيم والصحافي المصري محمّد أبو الغيط.

وتظهر آخر شهادتين شاركتهما زينة إرحيم على صفحتها أن علّام استدرج صحافيّات مبتدئات خلال تدريبات ولقاءات مهنيّة إلى سيّارته أو غرفته بحجّة البحث عن مكانٍ هادئ للحديث، ليستفرد ويتحرّش بهنّ أو يدفعهن للتجاوب معه بذريعة أنّه قادر على إنقاذهنّ من حياة زوجيّة “عسيرة” وتوفير “حضن دافئ” لامرأةٍ قرّر أنّها تحتاج إلى دعمه بحسب ما ورد في أكثر من شهادة. 

وفي الشهادات التي أتاحتها المبادلات بين “درج” وبعض الزميلات، تكرّر توجيه علّام لسؤال “إيه آخر شيء مجنون عملتيه؟” إلى أكثر من زميلة، ليُضاف إلى الأبواب الأخرى التي منها يتسلّل إلى معتركه، كباب الاستفسار عن علاقة المتلقّية بأنوثتها، وعرض نفسه رفيقاً منفتحاً، أوليس هو صاحب تغريدات سيجموند فرويد وناقل مقولته: “إنّ كل شيء نفعله ينحدر تحت دافعين: الدافع الجنسي والرغبة في العظمة؟”

“كان مهمّاً أن يشارك صحافيّون وصحافيّات مشهود لهم بمصداقيّتهم في هذه القضيّة. أعتقد أنّنا ساهمنا في تعزيز مصداقيّة ناجيات خصوصاً أنّ الشهادات كانت مجهولة المصدر، وموقع “المدوّنة” الذي نشرها غير معروف”

إذاً، لا يكتفي علّام بخبراته في مجال الصحافة والتدريب كمصيدة ثابتة، بل يذهب الى حدّ رفع بطاقة علم النفس المزعومة، والتي يُعوّل على نجاحها في استقطاب نساء وفتيات يبحثن عمن يصغي إليهنّ، بخاصّة الشابّات اللواتي يواجهن تحدّيات شخصيّة أو مهنيّة صعبة في بداية حياتهنّ، فيما هو صحافي متمرّس حاز على جوائز بعد أن ساهم في تحقيقات استقصائية دولية ثبّت من خلالها موقعه بصفته يمتلك تجربة مهنية يطمح إلى التعلم منها أي صحافي أو صحافية في مقتبل العمر. 

الشهادات التي نشرت خلال الأيام الماضية وردود علّام عليها، بما فيها فبركته شهادة ناجية بالتعاون مع صحافيَّتَين قال إنّهما تدرّبتا “على يده”، لم تثمر أي تحرّك قضائي ضدّه، لا بل ظلّ هو من يحرّك المسار القانوني لصالحه بدعمٍ من “مؤسّسة المستشارون القانونيّون” مستفيداً من صعوبة إقدام أي ناجية من التحرش على اشهار تجربتها أو مقاضاته.  

مرحلة جديدة

لا يرغب المتّهمون بالتحرّش بالاقتناع بأنّ العالم دخل بالفعل مرحلةً جديدة في طريقة تعامله مع قضايا التحرّش والاعتداء منذ انطلاق حملة “أنا أيضاً” العالمية في السنوات الأخيرة، وما تبعها من حملات محلية مماثلة. صحيح أنّ آليات الإفصاح ومواجهة التحرش في مجتمعاتنا لا تزال في طور التكوين وما أُزيلت كلّ العقبات من أمامها بعد، إلا أنّها باتت أقرب من أي وقتٍ مضى إلى تشكّلها المرتجى.

وما قانون سريّة بيانات الشاكيات من الإساءة الجنسيّة والمساعي الحقوقيّة لتكريس اعتماد مبدأ تواتر التحرّش على يد الشخص نفسه بحقّ أكثر من امرأة، وبصرف النظر عن مرور المهل والإثباتات الفوريّة، سوى دليل على نضوج بعض الحلول وآليّات المحاسبة المتصوَّرة في مصر مثلاً، علماً أن دولاً عربية عدّة لا تزال تفتقر إلى قوانين تجرّم التحرّش لا بل ترزح النساء فيها تحت وطأة ثقافة وقوانين تحملهنّ مسؤولية التحرش بهنّ أو الاعتداء عليهنّ.

حتّى الآن، لا شيء يدلّ على نيّة علّام التراجع عن معركة يبدو أنه تسبّب بها لنفسه، أو الاتّعاظ مثلاً بقضيّة مغتصبِي “الفيرمونت” والاعتداءات المتسلسلة التي سطّرها الطالب المصري أحمد بسّام زكي المدعوم “طبقيّاً”، والتي شكّلت إثباتاً صارخاً على أنّ مرور الزمن لا يلغي الحاجة إلى العدالة أو يخمد اشتعال ذاكرة الناجيات.  

ومن الواضح أنّ علّام ماضٍ في مراكمة خسائره، المعنويّة والمهنيّة، عن طريق نشره ردوداً فاقدة المصداقية والأخلاقية وتضعف حجّته، ما لبث أن اعتذر عنها ومحا بعضها. 

وبالتواصل مع صحافيّات من جنسيّات مختلفة، علم “درج” أن علّام طلب من أكثر من متدرّبة سابقة معه نشر مواقف داعمة له بعد أن انتشرت الشهادات، وبلغ به الأمر أن أرسل لهنّ الجمل التي يريد نشرها. 

في رده على ما نشر بحقه، لوّح علّام بتشديد الإجراءات القانونيّة من دون تقديم أيّ شيء من جهته، مستخدماً الأسلوب نفسه المتّبع في حالات مماثلة لجهة الحديث عن استهداف ممنهج وعن شهادات مفبركة.

من الواضح أنّ علّام ماضٍ في مراكمة خسائره، المعنويّة والمهنيّة، عن طريق نشره ردوداً فاقدة المصداقية والأخلاقية وتضعف حجته ما لبث أن اعتذر عنها ومحا بعضها

فيديو “مُفخَّخ” وبلاغ رسمي من هشام علّام

لم تكن صاحبة الشهادة الأولى هي التي أشارت إلى هشام علّام بالاسم، بل هو الذي أعلن عبر صفحته على فيسبوك أنّه المقصود بالشهادة بعدما تفاعلت القضيّة على مواقع التواصل الاجتماعي، بدايةً من خلال ردٍّ مكتوب اختفى من حسابه يوم 22 آب/أغسطس، ولاحقاً  بفيديو مديد حذفه أيضاً من فيسبوك وقال عنه في تغريدة إنّه من إعداد صحافيّيتين “تدرّبتا على يد #هشام_علّام”، هما راما ديب من سوريا وجاسمين مهني من مصر.

يتّضح من منشور الصحافيّة السوريّة راما ديب التي عملت لفترة وجيزة مع “شبكة الصحافيات السوريات” أنّه لم يكن لها دور في كتابة الفيديو أو تحريره أو اختيار عنوانه الذي وصفته بـ”المضلّل”، شارحةً أنّ عملها اقتصر على مراسلة موقع “المدوّنة” الذي نشر ثلاث شهادات تتّهم علّام بالإساءة الجنسيّة، بعد تلقّيها طلباً من “صحافيّين مصريّين أبلغوني أنهم يعملون على تحقيق يخصّ المدوّنة”.

إذا دلّ هذا التطوّر على شيء، فهو على أن حتّى مَن كانوا يعتزمون التزام “الموضوعيّة” أو “التريّث” -إن لم نقل دعم هشام- بدأوا يبحثون عن منافذ تُخرجهم من مأزق الاصطفاف إلى جانب علّام الذي تكرر على امتداد أسبوع من الشهادات ترداد وقائع تشي تجاوزه لدوره التدريبي ومحاولاته استغلال موقعه ونجاحه المهني. 

صحيح أنه لم يتم نشر كل الشهادات في العلن، غير أن عدداً من الصحافيّات والمتدرّبات شاركن تجاربهنّ مع أصدقاء أو صحافيّات حليفات، على رغم تهديدات علّام بفضحهنّ والتقدّم ببلاغات تشهير ضد من يسيء إلى سمعته.

وهذا بالذات ما بانت بوادره مع إصدار الأستاذ ياسر سيّد أحمد، المحامي بالنقض المعروف بشكبة علاقاته مع أصحاب النفوذ في مصر، بياناً داعماً لعلّام فنّد فيه ثلاثة مستويات من المواجهة: الأولى تتمثّل بتقديمه بلاغ رسمي إلى “إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات” في وزارة الداخلية ضد “أحد المواقع” و”الأنثى المجهولة” من أجل التحقّق ممّا ورد في “المدوّنة” وهويّة من يديرها والنساء الشاهدات فيها، والثانية تتعلّق ببلاغات مستقلّة لكلّ متّهم بتوجيه صفات وصور مسيئة لعلّام، والثالثة والأخيرة مخصّصة للنساء اللواتي يتعرّضن للتحرّش الجنسي واللواتي يهيب بهنّ المحامي –كما موكّله علّام- التقدّم ببلاغات رسميّة قبل مشاركة “ما يسمّونه شهادات”، وذلك لعدم “إفلات الجناة وعدم التشهير بالشرفاء”، مع تأكيده الإيمان “بأننا في دولة تحترم الحريّات وتطبّق القانون على الكافة”، كما ورد في البيان.

النسويّات لسن وحدهنّ

لم تُثنِ هذه الخطوة متابعين كثر عن الاستمرار في التعبير عن انزعاجهم وارتيابهم ممّا حصل، ومطالبة المؤسّسات التي يتعاون معها علّام بتعليق عملها معه وإجراء التحقيقات الداخليّة اللازمة وإيجاد آليّات تلقّي الشكاوى وتوثيق الشهادات واتّخاذ الإجراءات الملائمة، وهو ما بادر إليه “الاتحاد الدولي للصحافيّين الاستقصائيّين” الـICIJ الذي أزال اسم علام عن صفحته الإلكترونية كأحد أعضائه، وموقع “درج”، وأخيراً، شبكة أريج للصحافة الاستقصائيّة، ودعمته “منظمة دعم الإعلام الدولي” IMS في بيان.

على خطّ موازٍ، برزت مساعي فرديّة لافتة للتحقّق من الشهادات، قامت بها طوعاً الصحافيّة السوريّة زينة إرحيم التي أفادت لـ”درج” بأنّها تفاجأت بعدد من النساء اللواتي لا تجمعها بهنّ أي صلة وتواصلن معها لمشاركة تجاربهنّ بعدما نشرت الشهادات على صفحتها، شارحةً أنّها تحقّقت من الشهادتين اللتين نشرتهما عن طريق الحديث مباشرةً إلى المعنيّتَين والتأكّد من هويّتيهما ومطابقة كلامهما مع الواقع من خلال بحث بسيط قامت به.

وتقول أرحيم لـ”درج”، “كان مهمّاً أن يشارك صحافيّون وصحافيّات مشهود لهم بمصداقيّتهم في هذه القضيّة. وأعتقد أنّنا ساهمنا في تعزيز مصداقيّة ناجيات خصوصاً أنّ الشهادات كانت مجهولة المصدر، وموقع “المدوّنة” الذي نشرها غير معروف”. وتتابع، “هذا ما مَكّننا من قلب المعادلة والحؤول دون تحويل تشكيك علّام بمصادقيّة الموقع إلى عمليّة نسف لكلّ الشهادات، خصوصاً أنّ الذين شاركوا الشهادات الإضافيّة يحظون بثقة الزملاء، مثل الصحافي المصري محمد أبو الغيط”.

وكان أبو الغيط أعلن في منشور على صفحته على فيسبوك عن تلقّيه شهادة من ناجية يعرفها جيّداً وكتب، “تواصلَت معي زميلة وصديقة عزيزة أعرفها منذ سنوات، وفاجأتني بأنها صاحبة إحدى الشهادات المنشورة بالمدوّنة وطلبت مني أن أنشر ذلك. ورغم أني أعرف الزميلة جيداً سألتها عن تفاصيل، وقمت بتدقيق المدى الزمني والمكان المذكورين بالواقعة مع الأدلّة الظرفية المتاحة وكانت كلها متطابقة بالفعل.”

ماذا بعد الإفصاح؟

على الصعيد القانوني، نقل موقع “مدى مصر” عن محامٍ متابع ومطّلع على عمل “المدوّنة” أنّ عدداً من المحامين “يبحثون الآن في آليّة التقدّم ببلاغ للنائب العام لفتح تحقيق بشأن الاتّهامات المتداولة ضد علّام، وذلك بالتنسيق مع عدد من الصحافيّات العاكفات حاليّاً على جمع شهادات من زميلاتهنّ اللواتي عملن معه خلال السنوات الماضية”، مطمئناً إلى أنّ تقديم الناجيات شكاوى يمكنه أن يؤدّي إلى التحقيق في الوقائع خصوصاً بعد التعديلات القانونيّة التي تضمن إخفاء هويّة الناجيات في قضايا الاعتداء الجنسي.

أمام هشام علّام اليوم شهادات مُثقلة بتجارب واتّهامات تتراوح بين التجاوزات الصغيرة والتحرّش وصولاً الى الاعتداء، وهي شهادات لا يبدو أنّها ستنفذ قريباً. فبالكاد مرّ أسبوع على ظهور الشهادة الأولى على موقع “المدوّنة” حتّى لحقتها ثلاثة أخرى نُشر آخرها يوم السبت 22 آب/أغسطس على الموقع نفسه، لتُضاف هذه القصص إلى الشهادات الثلاث التي شاركتها إرحيم وأبو الغيط، والمحادثات المتأخّرة التي لا تزال الزميلات تتبادلها حتّى هذه الساعة.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني