fbpx

“الحسكة بدها مي”
هل تتحمّل تركيا مسؤولية العطش؟

تكرّر الخلاف على ضخ المياه والكهرباء بين الروس والأتراك مرات عدة، وكان في كل مرّة يؤدّي إلى تفاقم الوضع المعيشي للسكّان من دون هاتين الخدمتين الرئيستين.

مضت أيام طويلة، ولا تزال عائلة رشيد المكونة من 11 شخصاً والتي تعيش في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا بلا مياه.

طيلة الفترة الماضية كان رشيد في كل صباح يجمع خمسة من أولاده وجميعهم يحملون عبوات بلاستيكية لتعبئة القليل من المياه بشكلٍ يدوي من أحد سكّان الحي الذي يملك بئراً ارتوازية.

صاحب البئر تبرّع مع عائلته بجاهزيته على مدار الساعة لتعبئة المياه لكل من يرغب من سكّان الحي بالتزامن مع الضائقة التي يمرّون بها، نتيجة قطع فصائل “الجيش الوطني السوري” المتحالفة مع تركيا المياه من محطّة علوك المائية التي يسيطرون عليها.

يُقدّر عدد سكّان مدينة الحسكة بما يزيد عن مليون و200 ألف نسمة، جميعهم بلا ماء منذ أيام، وتزداد معاناتهم مع وجود إصابات بفايروس “كورونا” والحاجة الماسّة إلى المياه من أجل غسل اليدين والتنظيف وأجل الاحتياطات المناسبة للوقاية من المرض.

هذه ليست المرّة الأولى التي يقطع بها “الجيش الوطني” المقرّب من تركيا المياه، إذ سبق أن قطعها سابقاً ثلاث مرّات ولكن هذه المرّة الأولى التي يستمر فيها قطع المياه أكثر من 10 أيام مرشّحة للارتفاع.

يأتي السبب الرئيسي لقطع المياه، نتيجة قطع “الإدارة الذاتية” الكرديةالكهرباء عن مدينة “رأس العين” الواقعة شمال الحسكة، والتي تسيطر عليها فصائل “الجيش الوطني” منذ العملية العسكرية المُسمّاة “نبع السلام”، والتي تمكّنت فيه المعارضة المتحالفة مع تركيا من طرد “قوات سوريا الديموقراطية” من المدينة، الأمر الذي أغرق المدينة في الظلام.

الحسكة عطشانة!

يقول رشيد لـ”درج”: “في اليوم الأول لانقطاع المياه كان ابني الصغير يريد قضاء حاجته داخل التواليت ولكن لا مياه، لم أكن أعرف ماذا عليَّ أن أتصرّف في الساعات الأولى لانقطاع المياه”.

ويشير إلى أنَّ معظم سكّان الحي الذي يعيش فيه كانوا يلجأون إلى حمّامات المسجد لقضاء حاجتهم لأن فيه خزان مياه كبيراً، وبعد ساعات نفدت المياه من المسجد، ما أجبر السكّان على بدء شراء صهاريج للمياه بكميّات ضخمة، قبل أن يُعلن أحد سكّان الحي امتلاكه بئراً ويدعو الجميع إلى زيارته وتعبئة المياه.

وإن كان رشيد محظوظاً لوجود بئرٍ في الحي الذي يسكن فيه، فإن معظم سكّان الحسكة لا يملكون مثل هذه الآبار، ما يجبرهم على شراء صهاريج مياه باهظة الثمن من جهة، وغير صالحة للاستهلاك البشري من جهةٍ أخرى، فتزيد معاناتهم.

وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن نقص المياه يعطل الحياة اليومية ويضعف قدرة الناس على اتخاذ احتياطات النظافة الأساسية للوقاية من عدوى “كوفيد-19”.

يقول مايكل بيج، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش”: “في خضم وباء عالمي يثقل كاهل أنظمة حكم وبنى تحتية متطورة، قطعت السلطات التركية إمدادات المياه عن المناطق الأكثر ضعفاً في سوريا، على السلطات التركية بذل جهدها لاستئناف إيصال المياه إلى تلك المجتمعات فوراً”.

وتشير “هيومن رايتس ووتش” إلى أن محطة مياه علوك تزوّد أصلاً السكان الذين يُعتبرون في وضع هش بإمدادات المياه، بما في ذلك في مخيمي الهول وعريشة، حيث يعيش عشرات آلاف السوريين والعراقيين والأجانب ممن كانوا يعيشون في مناطق تحت سيطرة “داعش” سابقاً. 

ووثقت “هيومن رايتس ووتش” ظروفاً إنسانية مروّعة في هذه المخيمات، بما في ذلك انسداد المراحيض، وتدفق مياه الصرف الصحي داخل الخيام الممزقة، وشرب النازحين مياه من خزانات غسيل فيها ديدان. من المرجح تفاقم هذه الظروف مع انقطاع المياه، وزيادة خطر إصابة السكان بفايروس “كورونا”.

عن محطة علوك

تُعتبر محطّة علوك المائية شرق مدينة رأس العين، المصدر الرئيس للمياه في مدينة الحسكة، وبلدة تل تمر ومخيّمات الهول والعريشة والتونية التي تضم عشرات آلاف النازحين، ويقدّر عدد المستفيدين من مياه محطّة علوك بحوالى 800 ألف نسمة.

تأسّست “علوك” عام 2010 والهدف منها كان تجميع المياه وضخّها بعد شح مصادر المياه في مدينة الحسكة، حيث تم حفر 30 بئراً ارتوازية في قرية علوك شرقي لتضخ 175 ألف متر مكعب من المياه بحسب تقرير صادر عن منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”.

ويوضح التقرير، أن خزّان المياه في هذه المحطة تبلغ سعته 25 ألف متر مكعب، إضافة إلى 12 مضخّة كبيرة مهمّتها ضخ المياه عبر خطوط نقل يبلغ طولها 67 كيلومتراً لتصل المياه بعد ذلك إلى محطة الحُمة ومنها إلى المناطق السكنية.

حرب الماء والكهرباء

في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أعلنت السلطات التركية بدء عملية عسكرية لطرد “قوات سوريا الديموقراطية” من شرق الفرات، حملت العملية اسم “نبع السلام” وبدأت بهجمات جوية ومدفعية بالتزامن مع زحف برّي قام به “الجيش الوطني السوري” المعارض المتحالف مع تركيا.

بعد بدء العملية تعرّضت محطّة علوك لضربات مدفعية أدّت لدمار خطوط الكهرباء التي تغذّيها ومن ثم خروجها عن الخدمة وانقطاع المياه عن المناطق التي تغذيها.

بعد أسبوعٍ فقط، سيطر “الجيش الوطني السوري” على المحطّة بعد دخوله مدينة رأس العين، حيث كانت المحطّة معطّلة وخارجة عن الخدمة.

في هذا الوقت، كانت “الإدارة الذاتية” الكردية التي تسيطر على “سد تشرين المائي” بالشراكة مع النظام السوري، قطعت تغذية الكهرباء عن “محطة مبروكة الكهربائية” التي تغذّي مدينة “رأس العين” بالكهرباء وذلك بعد سيطرة “الجيش الوطني” على المدينة.

بعد العملية، بقيت الحسكة من دون مياه ورأس العين دون كهرباء، وعلى إثر ذلك، أدخلت “الإدارة الذاتية” الجانب الروسي على خط المفاوضات من أجل إصلاح محطة علوك المائية لإعادة ضخ المياه، ولكن الجانب التركي اشترط أن تفتح “الإدارة الذاتية” الضخ على محطة مبروكة الكهربائية من سد تشرين مقابل ذلك، لتكون العملية ضمن قاعدة “ضخ المياه مقابل ضخ الكهرباء”.

نقص المياه يعطل الحياة اليومية ويضعف قدرة الناس على اتخاذ احتياطات النظافة الأساسية للوقاية من عدوى “كوفيد-19”.

أفضت المحادثات الروسية – التركية عن عقد اتفاق يقضي بتشغيل محطة الحسكة بالمياه مقابل إمداد رأس العين وتل أبيض بـ 7 ميغا واط من كهرباء سدّ تشرين، عن طريق بمحطة مبروكة، ولكن في شباط/ فبراير الماضي، تراجعت السلطات التركية عن الاتفاق، وطلبت أن يتم تزويد المناطق التي يسيطر عليها “الجيش الوطني السوري” بالكهرباء عبر سد تشرين ومحطة مبروكة مقابل إعادة فتح محطة علوك.

تكرّر الخلاف على ضخ المياه والكهرباء بين الروس والأتراك مرات عدة، وكان في كل مرّة يؤدّي إلى تفاقم الوضع المعيشي للسكّان من دون هاتين الخدمتين الرئيستين.

والآن، قُطعت المياه مرّة أخرى عن الحسكة من محطّة علوك مرّة أخرى، فاتهمت “الإدارة الذاتية” تركيا بقطع المياه.

في المقابل، نقلت وكالة “الأناضول” التركية عن مصدر أمني تركي أن “نظام الأسد الذي يسيطر على محطة سد تشرين يمنع ضخ الكهرباء عن محطة علوك، الأمر الذي أدّى إلى خروجها عن الخدمة”، معتبراً أن المزاعم التي تتحدث عن قطع تركيا المياه عن الحسكة من أجل السماح بتفشّي فايروس “كورونا” غير واقعية.

حملة تعاطف واسعة

شهدت المأساة الإنسانية في مدينة الحسكة نتيجة انقطاع المياه عنها، حملةً واسعةً على مواقع التواصل الاجتماعي، وللمرّة الأولى يُدشّن سوريون بأنفسهم وسماً سورياً على موقع “تويتر” تحت عنوان “أنقذوا الحسكة” ووسم “الحسكة بدها مي”.

ونشر تحت هذين الوسمين الآلاف من السوريين والعرب المتضامنين مع المدنيين في مدينة الحسكة، حيث طالبوا بعودة المياه إلى الحسكة وإيقاف المأساة الإنسانية التي تهدّد مئات آلاف المدنيين هناك.

ومن ضمن المغرّدين، مجموعة فنانين وممثّلين سوريين، دعوا إلى ضرورة تزويد سكّان الحسكة بالمياه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني