fbpx

مرفأ بيروت:
اختفى تحت الإهراء…!

“ظللتُ أقولُ له: ستذهب إلى المرفأ وتتركني هنا مع الأطفال، فماذا لو حدث شيء؟ وكان يقول لي: أقلقُ عليكم في المنزل، ولا أقلقُ على نفسي في المرفأ”...

عند نحو الساعة 5:15 من بعد ظهر يوم 4 آب/ أغسطس، تلقت ابتسام موسى اتصالاً من زوجها غسان حصروتي ينبهها إلى أنه سيتأخر ذلك المساء في عمله في الأهراء الكبيرة الوحيدة في لبنان الواقعة في مرفأ بيروت. وكانت مناوبته انتهت قبل ساعتين، لكنه قرر البقاء للمساعدة في تفريغ شاحنة على وشك الرسو. وكثيراً ما عمل حصروتي في مناوبات إضافية في الأهراء حيث عمل لنحو أربعة عقود من الزمن، فساعد على تأمين الغذاء للبنان خلال سنوات الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية.

وتذكرت موسى قول حصروتي: “قال لي إن الشبان الآخرين العاملين في الأهراء كانوا يريدون العودة إلى المنزل… فليساعدني الله هذه الليلة لأنني لا أستطيع المغادرة”. وقلقت لأن زوجها البالغ من العمر 59 سنة لم يأخذ معه مخدة وغطاء، كما يفعل عادة خلال المناوبات الليلية، ليتمكن من أخذ قيلولة في مكتبه حين تسنح له الفرصة بين إدارة العاملين وتسيير المعاملات. لكنها طمأنت نفسها إذ فكرت أنه سيتمكن من النوم جيداً فور عودته إلى المنزل.

وبعد أقل من ساعة من اتصال حصروتي، دوى انفجار ضخم وقع في المرفأ في أنحاء بيروت. وكان الانفجار قوياً إلى درجة أنه حطم النوافذ في منزل عائلته الواقع على بعد كيلومترين، ناشراً قطع الزجاج على الأرض والأثاث.

قُتِل ما لا يقل عن 182 شخصاً حين اشتعل أكثر من ألفين و700 طن من نيترات الأمونيوم شديدة الحساسية والمخزنة في أحد عنابر المرفأ منذ عام 2014. وجُرِح حوالى ستة آلاف شخص في الانفجار وتشرد حوالى 300 ألف شخص في المناطق التي عمّ فيها الخراب. وفُقِد 30 شخصاً على الأقل.

وكان ابن حصروتي الثاني إيلي يذهب الى المرفأ كل يوم بعد الانفجار على أمل أن يُسمَح له بالبحث عن والده الى أن أعلن الجيش تخليه عن البحث عن ناجين في 9 آب.

قال إيلي (35 سنة) إن والده كان يجد في الأهراء التي تبلغ سعتها 12 ألف طن وصمدت في المرفأ خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، ملجأ كلما تبادلت الفصائل المتحاربة القنابل والصواريخ حول العاصمة. وأُعِيد ترميم المنشآت بعد انتهاء القتال. وقال لـ”درج”: “أثناء إطلاق القنابل والصواريخ التي استهدفت في كثير من الأحيان المرفأ خلال الحرب، كانوا يركضون بسرعة نحو عنابر التخزين في الطبقات والممرات الأرضية. تخيلوا مقدار صلابة المبنى”.

وأضاف: “كان جميع زملاء [حصروتي] فخورين جداً بأنهم لو لم يذهبوا إلى العمل ويفرغوا القمح من السفن خلال الحرب لما تمكن لبنان من استلام هذه الشحنات أو توزيعها في أنحاء البلاد كلها”. وقالت موسى إن زوجها كان يقيم في المرفأ في بعض الأحيان لمدة أربعة أو خمسة أيام في المرة الواحدة. وأضافت: “ظللتُ أقولُ له: ستذهب إلى المرفأ وتتركني هنا مع الأطفال، فماذا لو حدث شيء؟ وكان يقول لي: أقلقُ عليكم في المنزل، ولا أقلقُ على نفسي في المرفأ”.

داخل منزل العائلة المتواضع، في مبنى يعود إلى ستينات القرن العشرين في ضاحية سن الفيل التي تقطنها الطبقة المتوسطة، تظهر صور حصروتي وهو يبتسم ويقبل زوجته ويعانق أطفاله. ومنذ فقدانه كثيراً ما تركت عائلته الباب مفتوحاً خلال النهار للسماح بدخول المشيعين، الذين يجلسون على كراسٍ بلاستيكية وُضِعت على عجل في غرفة الجلوس الضيقة. وتقول العائلة إنها تشعر بالخذلان بسبب استجابة الدولة البطيئة للكارثة التي من المرجح أن تكون أودت بحياة الزوج والوالد. ويوم الثلاثاء (19 آب)، نشروا إعلان وفاة يقول إن من المفترض أن حصروتي مات، وبعد يومين أقاموا جنازة .

قالت موسى: “”لقد كشف هذا الانفجار لجميع اللبنانيين أن ليس لدينا شيء في لبنان. لا توجد دولة. دولتنا فاسدة ولا أجد يهتم لأمرنا. وإذا لم تهتم بنا دولتنا فمن سيفعل؟” ويوافقها آخرون الرأي. وقال النائب إلياس حنكش من “حزب الكتائب اللبنانية” إن الانفجار جاء تتويجاً لثلاثة عقود من الزمن من سوء الحكم من قبل “مافيا” سياسية . وأضاف: “لقد شكل الانفجار الذروة. ولا فشل أكبر من هذا الفشل”.

كذلك تساءلت المحامية اللبنانية ديالا شحادة عما إذا كان التحقيق الحالي في سبب الانفجار مستقلاً حقاً، معتبرة أن المسألة برمتها “بدأت على أساس خاطئ وبالتالي يجب إلغاؤها”.

ويتخوف الكاتب اللبناني حازم صاغية من ضعف ترهل المنظومة القضائية في لبنان مع ضعف المحاسبة ، “يمثل الإفلات من العقاب نتيجة طبيعية للتضامن بين التركيب الطائفي ونظام التنفيعات والمحسوبيات، فقد اعتمدت تقليدياً الصيغة الأسوأ من المراعاة المتبادلة بين الطوائف، بحيث أعطيت الأولوية لمصالح زعماء تلك الطوائف … إحدى نتائج تلك العملية إضاف الثقة بالقضاء اللبناني، لهذا لا يحمل على محمل الجد، في ما خصّ الجريمة الكارثية الأخيرة في المرفأ، إلا تحقيق دولية متحرر من التأثر بتلك العوامل اللبنانية”.

تاتيانا، ابنة حصروتي الصغرى، تدرس القانون وتصر على أنها ستستخدم شهادتها الجامعية لمحاسبة المسؤولين عن مقتل والدها وغيره من ضحايا إهمال الدولة وتنصّلها من مسؤوليتها.

وقالت إنها كانت تقول لوالدها دائماً إنها لا تشعر بالأمان وتريد من العائلة مغادرة البلاد، لكنه “كان يحضني دائماً على التفاؤل والبقاء في لبنان”. وشاركت هي وبقية أفراد العائلة في تظاهرات مناهضة للحكومة اندلعت في بيروت في 17 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي للمطالبة بالمساءلة ووضع حد للفساد السياسي. واجتاحت احتجاجات جديدة العاصمة بعد انفجار المرفأ، ما أجبر رئيس الوزراء حسان دياب وحكومته على الاستقالة. “كيف يمكنهم النوم ليلاً بعد كل ما فعلوه؟” قالت تاتيانا. “لقد قتلونا خلال الحرب وقتلونا الآن. فكيف لا تزال لديهم الشجاعة للوقوف، ومخاطبتنا، والادعاء بأنهم يحبوننا، وأنهم يعملون لأجلنا؟”.

هذه القصة ضمن تحقيق استقصائي موسع عن الشحنة القاتلة التي انفجرت في مرفأ بيروت

إقرأ أيضاً

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني