fbpx

انفجار بيروت :
قصة سفينة وتدمير مدينة

لو تأملنا سنوات ما قبل انفجار مرفأ بيروت في 4 آب قليلاً، سنجد كما لو أن الطبقة الحاكمة تصوغ تفاصيل موت آت يعلم الجميع بحدوثه إلا ضحاياه. سكان العاصمة يشبهون هنا شخصية (نصار) في رواية (وقائع موت مُعلَن) للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، حيث كان يعرف الجميع بأنه سيموت على يد الأخوين (فيكاريو) إلاّ هو.

الرواية اللبنانية للكارثة تلاشت مع تلاشي صوامع الحبوب في المرفأ، وسرعان ما زادت محاولات إخفاء صور مقدمات الجريمة وابعادها عن قبح تاريخ طبقة حاكمة، معظم افرادها من أمراء حرب لبنان الأهلية. لقد أرادوا ان نصدق رواية ساذجة مفادها ان اهمال القائمين على المرفأ في ابعاد مواد قاتلة تاهت طريقها بين جورجيا وموزمبيق، أدى الى حصول الانفجار الكارثة. 

تصديق الرواية اللبنانية الرسمية الأولى عن “تشرنوبيل” بيروت، لا يختلف كثيراً عن تصديق حياد الطبقة الحاكمة عن الحرب الأهلية التي بدأت في أواسط سبعينات القرن المنصرم، والتي انتهت مرحلياً في بداية تسعينات القرن ذاته.

هنا سيرة زمنية للسفينة منذ لحظة نشوئها حتى انفجار شحنتها لتقتل نحو مئتي شخص وتجرح ستة آلاف آخرين وتدمر جزء كبيراً من العاصمة اللبنانية.

1986

في عام 1986  دخلت سفينة “روسوس” الخدمة ، اشتراها رجل الأعمال الروسي المقيم في قبرص إيغور غريشوشكين في أيار/مايو 2012. وتشير مصادر الى ان شراء السفينة كان أول نشاط في مجال النشاط النقل البحري لرجل الأعمال الروسي.

تمّوز 2013

في تموز/ يوليو 2013 فشلت السفينة في رحلات قامت بها في البحر المتوسط في فحوصات قام بها مفتشون. و احتجزتها سلطات ميناء إشبيلية في إسبانيا لمدة 13 يوما بعدما اكتشف المفتشون 14 مخالفة فيها، منها أسطح متآكلة وتعطل الأبواب وقصور في المحركات المساعدة وإجراءات ضعيفة للحماية من الحرائق حسبما ورد في بيانات سلطات إشبيلية. 

 

استأنفت السفينة الإبحار بعدما حصلت على شهادة السلامة من قبل شركة تفتيش باسم (ماريتايم لويد)، وهي شهادة يفترض أن تتضمن مسحا كاملاً للسفينة؛ ولكن الشركة المذكورة، مقرها جورجيا، لا تعد من بين الشركات البارزة المصنفة للتفتيش، ناهيك بشبهات داخل الشركة ذاتها حول ما إذا كانت هناك وثائق صدرت عنها بخصوص سلامة السفينة. 

يقول المفتش في ماريتايم لويد، تيموراز كافتارادزه، إنه لا يمكنه أن يؤكد ما إذا كانت الشركة قدمت أم لا وثائق خاصة بالتفتيش للمسؤولين في ميناء إشبيلية، موضحاً أنه كان يعمل في الشركة عام 2013 لكن آخرين من طاقم العاملين والإدارة جرى تغييرهم منذ ذلك الحين. وتؤكد مجموعة مذكرة باريس للتفاهم حول رقابة دولة الميناء التي تضم 27 دولة بحرية عبر رسالة بالبريد الإلكتروني على احتجاز السفينة روسوس وتفتيشها في إشبيلية بموجب سلطتها. 

أيلول 2013

في 27 سبتمبر/ أيلول عام 2013 بدأت رحلة سفينة روسوس من البحر الأسود الى ميناء بيرا في موزمبيق لمصلحة بنك موزمبيق الدولي التابع لشركة “fabrica de explosives” وكانت ترفع علم مولدافيا. بموجب الاتفاقيات البحرية الدولية وحتى القوانين المحلية، تقتضي الملاحة البحرية التجارية للسفن امتلاك تأمينات لتغطية حوادث مثل الأضرار البيئية وفقد الأرواح أو الإصابات الناجمة عن الغرق أو التسرب أو التصادم. لم يعثر الباحثون على أي تأمين على سفينة روسوس. كانت حملة السفينة عبارة عن 2750 طن من نترات الأمونيوم وبقيمة 700.000 ألف دولار أمريكي.

إثر نشوب خلاف بين البحّارة حول الراتب وتوقف السفينة في تركيا، تم التعاقد بين بوريس بروكوشيف وربان آخر من الجنسية الأوكرانية اسمه بوريس موسينشاك، لاستكمال الرحلة من تركيا إلى موزمبيق. لم يعِ طاقم الباخرة خطورة المواد المحملة، لكنهم كانوا يدركون أنها تستعمل لتحضير المتفجرات.

أمضت السفينة 4 أسابيع في أثينا بينما كان مالكها الروسي يحاول جمع الأموال اللازمة لدفع أجور مرورها في قناة السويس. وقبيل وصولها الى قناة السويس، تم ابلاغ الربّان من قبل مالك روسوس إيغور غرينتشوشكين تعذر استكمال الرحلة بسبب عدم توافر المال. وبدل تأمين الأموال طلب منه تغيير وجهة السفينة من ميناء بيرا في موزمبيق الى مرفأ بيروت، حيث يمكن تحقيق بعض المال من خلال شحن بعض المعدات من هناك.

نوفمبر 2013

 في 21 نوفمبر 2013   وبعد مرور شهرين على بدء الرحلة، وصلت السفينة الى ميناء بيروت قادمة من جورجيا، وعلى متنها 2750 طنا من نترات الأمونيوم.  ولدى رسوها في مرفأ بيروت تعذر نقل معدات جديدة بسبب عجز الباخرة عن تحميلها. يقول رئيس بحارة السفينة الأوكراني، بوريس موسينشاك: “كدّس الطاقم المعدات فوق أبواب مخزن الشحن الذي يحوي نترات الأمونيوم في جوفه، بينها حفارات وآليات ضخمة لتمهيد الطرق، لكن الأبواب انبعجت تحت ثقل المعدات. كانت السفينة قديمة وانثنى غطاء المخزن، لذا قررنا عدم المخاطرة”.

 

عمدت السلطات اللبنانية إلى حجز السفينة بسبب عدم قدرة طاقمها على دفع 100 ألف دولار كرسوم متوجبة . ويغيب صاحب الباخرة عن السمع في هذه المرحلة من رواية الرحلة، تاركاً السفينة وطاقمها لمصيرهم في مرفأ بيروت. 

سمح لبعض أفراد الطاقم بمغادرة لبنان، ولكن منع بروكوشيف ومعه ثلاثة من أفراد الطاقم من المغادرة ولم يسمح لهم بمغادرة السفينة أيضاً.

أمضى القبطان وثلاثة من أفراد طاقم السفينة 11 شهرا على متن روسوس أثناء النزاع القانوني في مرفأ بيروت دون تلقي الرواتب و بإمدادات غذائية محدودة.

آذار 2014

بتاريخ 28 مارس/آذار 2014 وبعد ان استرعت معاناة طاقم السفينة انتباه الاتحاد الدولي لعمل النقل، قالت المفتشة لدى الاتحاد أولغا أنانيينا بأن “طاقم السفينة لم يعد لديه سبيل للعيش وبات على الهاوية. 

تمـّـوز 2014

في 23 يوليو/تموز 2014  نشر مقال في موقع (فليتمون) المتخصص بالملاحة البحرية وتحدث عن مخاطر وجود طاقم على سفينة تحمل شحنة خطيرة للغاية. وجاء في المقال الذي حمل عنوان (طاقم أسير على ظهر قنبلة عائمة): لم ترغب سلطات مرفأ بيروت ان تتعامل مع سفينة مهجورة محملة بشحنة خطرة. 

يقول الاتحاد الدولي لعمال النقل بأن الطاقم غادر بيروت أخيراً في شهر سبتمبر/أيول 2014 وتحمل مالك السفينة إيغور غريشوشكين تكاليف سفر أفراد الطاقم الى أوديسا.  

 

بعد مغادرة طاقم البحّارة السفينة، جرى تفريغ نترات الأمونيوم ونقلتها سلطات مرفأ بيروت الى مستودع في الميناء: العنبر 12

تظهر صور الأقمار الصناعية أن السفينة ظلت راسية في موقع قريب من نقطة الانفجار حتى عام 2014، حيث تظهر صورة التقطت قبل 6 سنوات بعض الأجولة التي تتطابق مع تلك التي كانت تحمل نترات الأمونيوم. وتظهر صور العنبر12، أيضا اسم الشركة المنتجة لنترات الأمونيوم وهي: Rustavi Azot LLC في جورجيا.

2015

في عام 2015 تنقل السلطات اللبنانية في الميناء السفينة الى رصيف مائي بسبب حدوث تسرب المياه لها، وتبقى معلقة على الرصيف المائي ذاته لفترة ثلاث سنوات.

شباط 2018

في فبراير (شباط) عام 2018 تبدأ السفينة بالغرق وقد رصدت صور تم التقاطها عبر الأقمار الصناعية السفينة وهي مغمورة بالكامل. واتفقت شركة موزمبيق لصناعة المتفجرات مع الشركة روستافي أزوت الجورجية لصناعة الأسمدة على الدفع عند تسليم الشحنة، وذلك حسب المتحدث باسم الشركة الموزمبيقية أنطونيو كونيا فاز. 

آب 2020

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، الساعة السادسة الا بضع دقائق حصل انفجار كبير في مرفأ بيروت. اهتزت الأرض في بداية الأمر اهتزازا خفيفا لم يشعر به كثيرون، انما اهتزت خزانات الملابس في المنازل إثر ذلك. توقف الأمر بعد ثلاث ثوان. بعد لحظات من الهدوء حصل انفجار كبير واهتزت المباني من أساسها على مسافة 10 كيلومترات من مكان الانفجار. 

بعد 35 ثانية من الانفجار الأولى حصل انفجار ثان هائل أدى ارتفاع كمية ضخمة من الدخان بني اللون في سماء بيروت تبعه ارتفاع غمامة بيضاء وبرتقالي اللون. 

أدى الانفجار الكارثة الى قتل ما يقارب 200 شخص وجرح أكثر من 6 آلاف شخص وأضرار تقدر بـ (15) مليار دولار.

لم تطلب الشركة الموزمبيقية الشحنة عبر مراسلات مباشرة مع الشركة الجورجية، بل عبر شركة تجارية أخرى تسمى (سافارو ليمتد)، لها شركتين مسجلتين في لندن وأوكرانيا لكن موقعها الإلكتروني معطل. وترفض غريتا بايلين مديرة سافارو ليمتد، وهي ليتوانية مقيمة في قبرص، الإجابة على الأسئلة. 

تشير قاعدة بيانات الشركات الأوكرانية (يو كنترول)، الى أن رجل الأعمال فلاديمير فيربونول مسجل كمدير لسافارو في أوكرانيا وهي مقر إقامته، وتبيع الشركة أسمدة من دول الاتحاد السوفيتي السابق لعملاء في أفريقيا.

تمت تصفية الشركة الجورجية المصنعة لنترات الأمونيوم عام 2016 وفق أقوال مالكها رجل الأعمال رومان بيبيا. وتظهر وثائق قضائية في المملكة المتحدة أن أحد الدائنين أجبر الشركة على بيع أصولها في مزاد في ذلك العام، أما مصنع الشركة فتديره الآن شركة أخرى اسمها (جيه.إس.سي روستافي أزوت).

كشفت مقابلات وعمليات بحث عن وثائق في عشر دول، سعيا لمعرفة المالك الأصلي لهذه الشحنة عن قصة معقدة تشمل وثائق مفقودة وأنشطة سرية وشبكة شركات صغيرة مغمورة  تنتشر في أرجاء العالم. 

لكن تحقيقا استقصائيا لـ “مشروع تغطية الجريمة المنظمة والفساد” OCCRP بالتعاون مع “درج” ومؤسسات أخرى كشف توصل أن المالك الحقيقي للسفينة “روسوس” ليس الروسي غريشوشكين بل رجل الأعمال القبرصي شرالامبوس مانولي،

 مستأجر السفينة حسب السجلات الدولية كان شركة (تيتو شيبنغ ليمتد) مقرها جزر مارشال وجرى حلها في 2014 وفقا لقاعدة بيانات السجل العالمي التي تقول إنها تقدم خدمات تسجيل الشحن البحري لجزر مارشال. أما سجلات وكالة مولدوفا البحرية، المسجلة بها روسوس، فتشير الى أنها مملوكة لشركة (بريروود كورب) ومقرها بنما، طبقا لشهادة ملكية السفينة. 

يقول مدير وكالة مولدوفا البحرية إيغور زهاريا، بإن غريشوشكين كان مدير شركة (تيتو شيبنغ)، لكن البريد الإلكتروني للشركة، والذي كان يستخدمه طاقم السفينة لا يرد على أي إجابة. وتتجه الآراء الى ان غريشوشكين وتيتو ليس سوى كيان واحد.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني