fbpx

مدارس اليمن المدمّرة وتهديد مستقبل ملايين الطلّاب

بات مستقبل مليوني ونصف المليون طفل يمني مجهولاً بعدما أصبحوا خارج المنظومة التعليمية منذ بدء الحرب.

بعد عامين دراسيين، لا يزال 500 طفل وطفلة من طلبة مدرسة “الثورة” الأساسية للبنين والبنات في مديرية حيس في محافظة الحديدة غرب اليمن، غير قادرين على العودة إلى مدرستهم التي تتعرض لقصف مستمر من جماعة أنصار الله (الحوثيين)، إثر استخدامها ثكنة عسكرية من أحد ألوية العمالقة، وهي قوات أمنية وعسكرية مشتركة وشبه رسمية تأسست خلال الحرب الراهنة، بدعم من الإمارات التي تقود تحالفاً عسكرياً مسانداً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مع المملكة العربية السعودية.

تتألف المدرسة من 6 فصول إضافة إلى مبنى للإدارة. وبحسب تقرير لمنظمة مواطنة لحقوق الإنسان ومركز “سيزفاير لحقوق المدنيين” (ومقره بريطانيا) أقدم اللواء الأول عمالقة في 5 شباط/ فبراير 2018 على مداهمة المدرسة واحتلها لأشهر، قبل أن يغادر ويسلمها للواء السابع عمالقة التابع للقوات ذاتها، والذي بدوره حولها إلى ثكنة عسكرية ومخازن للسلاح والذخيرة، واستخدم فناءها موقفاً للعربات والمدرعات العسكرية، ولا يزال يحتلها حتى اليوم.

 بحلول نهاية شباط، كان التلاميذ انتقلوا إلى الدراسة في مسجد السنة، لكنهم توقفوا عن تلقي دروسهم بعد أسابيع قليلة، إذ اضطر الأهالي للنزوح بعدما احتدمت المواجهات العسكرية ودخلت المنطقة في خطوط التماس. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 عاد الاستقرار النسبي إلى المنطقة وعاد الأهالي، لتقرر إدارة المدرسة استئناف العملية التعليمية للمرة الثانية في مسجد السبعة العليا.

وثقت فرق البحث الميدانية التابعة لـ”مواطنة” ثلاث إفادات لشهود عيان. قال أحدهم بعدما طلب إخفاء هويته إن “قوات العمالقة احتلت المدرسة وحولتها إلى ثكنة عسكرية، ما أدى إلى عرقلة العملية التعليمية للأطفال وشكل خطراً على القرية أيضاً”.

وأصدرت “مواطنة لحقوق الإنسان” و”مركز سيزفاير لحقوق المدنيين” في 18 آب تقريراً بعنوان “تقويض المستقبل”، تناول الهجمات على المدارس في اليمن استناداً إلى بحوث ميدانية استقصائية، وثقت هجمات واعتداءات استهدفت المرافق التعليمية في سياقات متغيرة ممتدة منذ آذار/ مارس 2015 حتى  كانون الأول/ ديسمبر 2019. وذكرت فيه أن الأطراف المتنازعة أقدمت على ارتكاب أنماط مركبة من الانتهاكات والاعتداءات على المدارس اليمنية: كالقصف الجوّي المدمّر، والاشتباكات البرية، واحتلالها واستخدامها لأغراض عسكرية، علاوة على تدبير أعمال عدائية من جوار مدراس ومرافق تعليمية.

و”مواطنة” منظمة محلية، تعمل منذ بدء الحرب في اليمن على رصد انتهاكات حقوق الانسان عبر شبكة راصدين ميدانيين، كما تعمل على تذكير الأطراف المشتركة في الصراع بمبادئ حقوق الإنسان والقوانين المحلية والدولية ذات الصلة، وتصدر تقارير رصدية دورية عن الأوضاع في البلد.

مستقبل اليمنيين في خطر

لم يشهد اليمن في عصره الحديث تهديداً حقيقياً لمستقبلها كما هو اليوم. هذا هو العام السادس من الحرب التي نشبت في البلد مطلع 2015، وتسببت بأكبر كارثة إنسانية. وبينما يستمر النزاع ويتعقد بدخول أطراف جديدة أو بتفاقم صراعات داخلية، بات مستقبل مليوني ونصف المليون طفل يمني مجهولاً بعدما أصبحوا خارج المنظومة التعليمية منذ بدء الحرب، بينما يواجه مستقبل قرابة 4.5 ملايين طالب تهديداً حقيقياً، بفعل استهداف المدارس.

حذرت “مواطنة” و”سيزفاير” في تقريرها من أن “واقع العملية التعليمية في البلد أصبح أكثر مأساوية من أي وقت مضى”. فمنذ اندلاع النزاع المسلح خريف عام 2014 باقتحام جماعة أنصار الله (الحوثيين) العاصمة صنعاء وإخضاعها بالقوة، وتصاعده مع بدء العمليات العسكرية للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، شهدت المدارس والمرافق التعليمية أشكالاً مختلفة من الاعتداءات والانتهاكات من قبل الأطراف المتنازعة.

لم يشهد اليمن في عصره الحديث تهديداً حقيقياً لمستقبلها كما هو اليوم.

وبحسب التقرير، أحدثت انتهاكات أطراف الحرب أضراراً فادحة في المدارس أو دمّرتها نتيجة الغارات الجوية والقصف والاشتباكات البرية، فإلى جانب سقوط قتلى وجرحى من الطلاب والمعلمين، سببت الانتهاكات آثاراً نفسية بالغة السوء على الطلاب والطالبات، فيما باتت مدارس كثيرة أماكن خطرة ومحظورة بفعل بقايا الأسلحة والأجسام المتفجرة من مخلفات القذائف، سواء بداخل عدد من المدارس أو في محيط تلك الواقعة على خطوط التماس أو بالقرب منها. كما توقفت العملية التعليمية في مدارس عدة جراء تواتر العمليات العدائية على الأعيان المدنية؛ وتحديداً المدارس.

ووجد التقرير أن احتلال المدارس واستخدامها لأغراض عسكرية وأمنية مختلفة، شكل نمطًا بارزًا من الانتهاكات التي تمارسها أطراف النزاع بشكل متكرر، السبب الذي- تقول إنه- أدى مراراً إلى وقوع العديد من تلك المدارس عرضة للهجمات العسكرية من قبل الطرف المناوئ. إضافة إلى جملة انتهاكات أخرى قامت بها أطراف النزاع، منها: زراعة الألغام في المدارس أو بقربها، أو الاقتحام المسلح.

ويشير التقرير إلى أنه بينما تشكل تلك الانتهاكات في محصلتها اعتداء سافراً على مبادئ القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ الذي يكفل حماية خاصة للأعيان المدنية والمدنيين في فترات النزاع، فإن غياب مساءلة المنتهكين حتى الآن، يتيح استمرار هذه الانتهاكات.

مدارس تحولت الى ركام

حتى عام 2015 كان 800 طالب و100 طالبة يدرسون بانتظام في مدرسة عمار الواقعة في منطقة الشريجة في مديرية القبيطة محافظة لحج جنوب البلاد، والتي تحولت إلى كومة من الدمار خلال ثلاث سنوات من الحرب.

وثق تقرير “مواطنة” و”سيزفاير” خمس هجمات عسكرية شنتها الأطراف المتصارعة على المدرسة. وبحسب التقرير كانت الهجمة الأولى عندما قامت جماعة أنصار الله (الحوثيين) في 22 آذار 2015 باحتلالها واستخدام جزء منها ثكنة عسكرية “ما عرّضها لأخطار جسيمة”، تلى ذلك شن المقاتلات الجوية التابعة للتحالف هجمتين جويتين، الأولى في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، والثانية في 27 تموز/ يوليو 2016.

في 24 آب/ أغسطس 2016، شنت قوات تتبع جماعة أنصار الله (الحوثيين) وقوات الرئيس السابق صالح هجوماً برياً بثلاث قذائف على المدرسة التي كانت انسحبت منها في وقت سابق لتعود وتتمركز بالقرب منها، وفي 20 شباط 2018، قصفت القوات الموالية للرئيس هادي المدرسة أثناء تقدمها من الناحية الشرقية لمنطقة الشريجة بصاروخ كاتيوشا.

تتكون المدرسة من ثلاثة مبان وتحتوي على 14 قاعة دراسة، إضافة إلى معمل علوم ومخزن لمستلزمات المعمل، ومخزن للكتب ومكتبان إداريان. ونتيجة لاستهدافها المتكرر تدمر 11 فصلاً دراسياً والمكتبين الإداريين ومخزن الكتب والمعمل بشكل كلي، كما أتلف أثاث المدرسة وتضرر السور والبوابة الخارجية.

نفذ فريق البحث في “مواطنة” نزولا ميدانياً إلى المنطقة وقابل شهود عيان أفادوا بأن المدرسة تقع في منطقة استراتيجية ما جعلها هدفاً متكرراً للأطراف المتحاربة، الأمر الذي أخرجها تماماً عن الخدمة. وأورد التقرير عن الشهود، إن المنطقة كانت تشهد اشتباكات محتدمة بين قوات هادي ومسلحي جماعة أنصار الله (الحوثيين) أثناء الهجمة البرية الأولى، وفي هجوم 2018، كانت جماعة “أنصار الله” المسلحة سيطرت على المنطقة المحيطة بالمدرسة.

يقول أحد المعلمين قابلته “مواطنة” إن “الهجمات على المدرسة تتالت منذ  آذار 2015 حتى توقفت الدراسة تماماً في تموز 2016 ومن ثم استُؤنفت العملية التعليمية للطلاب في خيام وتحت الأشجار وداخل كهوف ومجاري السيول في منطقة المليح مديرية القبيطة محافظة لحج”.

وبحسب التقرير استهدفت المدارس من جميع أطراف الصراع، بما في ذلك جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيين) والقوات والجماعات المسلحة التابعة لحكومة الرئيس هادي، ومن ضمنها القوات التابعة لحزب الإصلاح، وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذا الجماعات المسلحة المدعومة إماراتياً بما فيها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، كما احتلت هذه القوات المدارس واستخدمتها لأغراض عسكرية.

 أكثر من 2500 مدرسة متوقفة

مطلع العام الجاري 2020، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، في تقرير عن وضع التعليم، إن عدد المدارس التي توقفت عن العمل بسبب الصراع في اليمن بلغت أكثر من 2500 مدرسة، دُمر نحو ثلثيها (66 في المئة) بسبب العنف المباشر، وأُغلقت 27 في المئة منها، وتُستخدم سبعة في المئة منها لأغراض عسكرية أو أماكن إيواء للنازحين، فيما وثقت “مواطنة” أكثر من 2000 واقعة انتهاك على المدارس منذ بدء الصراع وحتى 2019. خلال 2018 فقط وثقت “مواطنة” ما لا يقل عن 60 واقعة اعتداء واستخدام للمدارس، منها واقعتا هجوم جوي، و22 واقعة احتلال، و36 واقعة لأشكال أخرى كالاقتحامات، إضافة إلى حالة انفجار ذخائر تم تخزينها في مستودعات قريبة من مدارس أوقعت خسائر كبيرة في صفوف الأطفال.

ومنذ 26 آذار 2015، حين أعلن التحالف بقيادة السعودية والإمارات بدء عملياته العسكرية في اليمن، وحتى 31 كانون الأول 2019، وثقت “مواطنة” ما لا يقل عن 153 هجمة جوية نفذتها قوات التحالف على مدارس ومرافق تعليمية أو بقربها، في 16 محافظة يمنية: صعدة، وحجة، والعاصمة صنعاء، ومحافظة صنعاء، وأبين، والبيضاء، والحديدة، والجوف، والمحويت، وعمران، وذمار، ولحج، ومأرب، وشبوة، وتعز، والضالع.

يواجه مستقبل قرابة 4.5 ملايين طالب تهديداً حقيقياً، بفعل استهداف المدارس.

وبحسب التقرير فإن معظم الهجمات التي شنت على المدارس كانت “عشوائية”، “لم تجد فرق البحث الميدانية للمنظمة أو شهود العيان قابلتهم أي أهداف عسكرية بالقرب أو بداخل 140 مدرسة مدمرة أو متضررة، مقابل 13 مدرسة تعرضت لهجوم جوي كانت بالفعل تستخدمها جماعات مسلحة، أو هناك شبهات لوجود عسكري فيها أو بالقرب منها أثناء الهجوم”.

 واستُخدمت المدارس الـ13 مقراً لعقد لقاءات غير مدنية أو مساكن أو مطابخ لجنود أو مقاتلين، أو مخازن، أو كانت حولها شبهات لوجود عسكري في المدارس المستهدفة أو قربها بأشكال متفاوتة، من نقاط تفتيش، عربات عسكرية، مسلحين، مسؤولين عن التعبئة العسكرية. ووجدت المنظمة أن الدمار الذي حل بالمدرسة، قد يفوق ذلك المرجو إلحاقه بالهدف العسكري المحدد أو المشتبه فيه.

ونوه التقرير إلى أن الوقائع الموثقة فيه لا تمثل العدد الإجمالي للهجمات، كما لا تحصر أنواع الأضرار التي تعرضت لها المدارس والمرافق التعليمية أثناء النزاع المحتدم في اليمن، إلا أن هذه الوقائع تقدم توضيحاً تفصيلياً حول أبرز أنماط الانتهاكات التي تتعرض لها المدارس والمرافق التعليمية خلال سني الحرب، والآثار المروعة لهذه الانتهاكات على واقع العملية التعليمية وتداعياتها على الطفولة والمستقبل.

نُشر هذا التقرير على موقع خيوط اليمني.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني