fbpx

مهنة الصيد في غزة… الموت مقابل لقمة العيش!

ما يزيد عن 70 في المئة من الصيادين أصبحوا يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية، بعدما كانت مهنتهم تساهم في 5 في المئة من الدخل المحلي في القطاع، ويعمل فيها أكثر من 4 آلاف شخص.

“لا يا بابا سيبك من مهنة الصيد بدي إياك تشتغل بمهنة أخرى” بهذه الكلمات رد الصياد الفلسطيني خضر الصعيدي على طفله (5 سنوات)، عندما أخبره أنه يريد أن يمتهن الصيد حين يكبر. في الحقيقة، خضر يحاول حماية أبنائه من تلك المهنة التي أصبح كفيفاً بسببها، وعاجزاً عن رؤيتهم.

أصيب الصعيدي (31 سنة) بطلق ناري قبل 3 سنوات بعدما لاحقته زوارق البحرية الإسرائيلية، فيما كان في بحر غزة بحثاً عن رزقه، ففقد بصره ومصدر رزقه الوحيد.

بعد تلك الحادثة لم يستطع الصعيدي مزاولة أي عمل لتوفير احتياجات أطفاله الثلاثة. وهو ليس الصياد الوحيد الذي فقد بصره بسبب الاحتلال الإسرائيلي، فهناك اثنان آخران فقدا بصرهما بعد إطلاق النار عليهما، فيما كانا يصطادان الأسماك.

إصابة واعتقال

يقول الصعيدي لـ”درج”: “كنت في العمل كالعادة، فوجئت بزورق حربي إسرائيلي، كان ينادي باللغة العبرية، وفجأة تم إطلاق النار بشكل كثيف وأصبت بعددٍ من الطلقات المطاطية في أنحاء متفرقة من جسدي، إضافة إلى طلق حي وُجّه نحو وجهي، وبسببه فقدت البصر تماماً، وبعدها تم اعتقالي، وصودر القارب”. يؤكد الصعيدي أنه لم يتعدَّ المسافة التي يُسمح للصيادين بالإبحار فيها وهي ثلاثة أميال بحرية، لافتاً إلى أن الإسرائيليين يتعمدون ترهيب الصيادين لإجبارهم على ترك تلك المهنة التي تعد إرثاً فلسطينياً قديماً.

ويتابع: “بعد اعتقالي وُضعت في غرفة معزولة، من دون أي علاج مناسب  لوضعي الصحي السيئ. وبعد أسبوع أُفرِج عني، وتم التحفظ على المركب حتى وقتنا هذا، فقد سلب الاحتلال بصري ومصدر رزقي، وأصبحت عاطلاً من العمل عاجزاً عن توفير أدنى متطلبات الحياة”.

مهنة خطرة

ورث الصعيدي مهنة الصيد عن والده وجده، وهي تعد مهنة عائلته قبل تهجيرهم من مدينة يافا عام 1948، وقد عمل فيها 10 سنوات، لكنه الآن يرفض أن يرثها أبناؤه، حتى لا يتعرضوا للخطر الذي كان يواجهه باستمرار، وأيضاً لأنها باتت لا تطعم خبزاً، على حد وصفه.

تحت أشعة الشمس الحارقة داخل ميناء غزة البحري، وهو المكان الذي ترسو فيه قوارب الصيادين، يحاول الصياد محمود الهبيل (50 سنة)، إصلاح محرك مركبه الذي تعطل نتيجة النار التي أطلقتها عليه البحرية الإسرائيلية راهناً.

يشير الهبيل لـ”درج” إلى أن الصيادين “يضطرون إلى إصلاح المحركات والشِباك بعد تعطلها نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، لعدم توفر قطع جديدة بفعل المنع الإسرائيلي منذ ما يزيد عن 13 عاماً منذ فرض الحصار على القطاع”. 

“أعمل في الصيد منذ 22 عاماً، لكنني لم أستطيع الاستمرار أكثر من ذلك، فمنذ أكثر من عام ونصف العام أوضاعي المادية تتراجع، وفي أحيان كثيرة لم أتمكن من تأمين ثمن الوقود الذي نستخدمه لتشغيل المركب”.

ويوضح الهبيل أن قوارب الصيادين والبالغ عددها 10500 مركب، أصبحت قديمة جداً، و60 في المئة منها لن تكون صالحة للعمل خلال السنوات المقبلة، منوهاً إلى أن الإسرائيليين يمنعون إدخال قوارب، ومعدات جديدة إلى القطاع.

ويردف: “مهنة الصيد أصبحت من أخطر المهن في قطاع غزة، فالصيادون لا يسلمون من الاعتداءات المتكررة، فإن لم يستشهد الصياد أو يعتقل، فقد يصاب بأعيرة نارية، أو يُصادَر قاربه، وفي أحيان كثيرة يتم تعطيل شباك الصيد والمحركات. لقمة الصياد الفلسطيني مغمسة بالدماء”.

ويبين أن الصياد بالكاد يستطيع تأمين قوت يومه، وذلك بسبب تقليص مساحة الصيد من 20 ميلاً بحرياً إلى ثلاثة أميال فقط، وهي مساحة قليلة جداً وقريبة من الشاطئ، ولا تتوفر فيها سوى الأسماك الصغيرة، فيما الأسماك الكبيرة والغالية تكون في مسافة أبعد من 12 ميلاً بحرياً.

مهنة جديدة

محمد مقداد (42 سنة)، اضطر إلى ترك مهنة الصيد، وافتتح مطعماً لبيع المأكولات الشعبية لتأمين احتياجات أسرته بعدما تقطعت به السبل، وتراكمت عليه الديون لأصحاب محطات الوقود، ومحلات بيع معدات الصيد.

يسرد لـ”درج”: “أعمل في الصيد منذ 22 عاماً، لكنني لم أستطيع الاستمرار أكثر من ذلك، فمنذ أكثر من عام ونصف العام أوضاعي المادية تتراجع، وفي أحيان كثيرة لم أتمكن من تأمين ثمن الوقود الذي نستخدمه لتشغيل المركب، والمعدات الخاصة بالصيد، لذلك قررت ترك تلك المهنة، والبحث عن مهنة أخرى حتى لا يموت أطفالي من الجوع”.

 

مسؤول لجان الصيادين في قطاع غزة زكريا بكر، يصف الاعتداءات الإسرائيلية بحق الصيادين في قطاع غزة بأنها جرائم حرب، وتجب محاسبتهم عليها في محكمة الجنايات الدولية، وتعويض الصيادين عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بهم.

يقول بكر لـ”درج”: “ما زال الإسرائيليون يستهدفون الصيادين في غزة وهم في عرض البحر، ويحاولون حرمانهم موسم وفرة الأسماك الذي يعتمدون عليه بشكل كبير لتحسين أوضاعهم المعيشية، وسداد الديون المتراكمة، وإكمال بناء بيوتهم، ولكن المضايقات المستمرة تحول دون تحقيق ذلك”.

ويبين بكر أنه بعد اتفاقية أوسلو سُمح للصيادين في قطاع غزة بالإبحار حتى عشرين ميلاً بحرياً، ولكن بعد عام 2006 تم تقليص تلك المساحة شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت ثلاثة أميال بحرية فقط.

وارتفعت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ قتل 11 صياداً، واعتقل 83 لا يزال عدد منهم رهن الاعتقال، إضافة إلى إصابة أكثر من 300 صياد في مناطق مختلفة من الجسم، ثلاثة منهم فقدوا بصرهم بشكل كامل، وذلك بحسب مسؤول لجان الصيادين.

ويشير إلى أن ما يزيد عن 70 في المئة من الصيادين أصبحوا يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية، بعدما كانت مهنتهم تساهم في 5 في المئة من الدخل المحلي في القطاع، ويعمل فيها أكثر من 4 آلاف شخص.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني