fbpx

انفجار بيروت: أشعرُ كأنني جثة تعبرُ الشوارع!

التقط علبة الدخان ليريني عبارة: "التدخين يقتل"، "بيروت تقتل" وليس التدخين. اقتربت منه فتاة صغيرة واضعة وجهها على كتفه. نظر إليّ مجدداً وقال "ما بدي مساعدة خدو البنت وخيها وسفروهن ليعيشوا، ما بدي يموتوا هون".

لا يتساقط الثلج في بيروت ولا شيء يسقط بصمت على الناس في هذه المدينة. بيروت التي أحبت الضوضاء والأصوات، دمّرها صوت انفجار وتهاوت على رؤوس قاطنيها فماتوا بصمت. صمت هذه المدينة مخيف أكثر من حجم الدمار. منذ اليوم الأول للانفجار لم أستطع البكاء، فضلت الصمت، تضامناً مع شوارع مدينة كنّا نملأها صخباً وضحكات. صمت المدينة أعاد إليّ صوراً ووجوه أناس التقيتهم، هناك ذكريات اعتقدت أنها امّحت من ذاكرتي بفعل الوقت ولكن مع تجوالي في الشوارع بدأت تتراءى لي حياتي السابقة. تذكرت قبلة سرقتها أمام مطعم في الجميزة، تذكرت غرفة أحد الأصدقاء أمضينا فيها سنوات، وكانت لعبتنا المفضلة التلصص على سطوح المباني والصراخ للواقفين هناك ومن ثم الاختباء، تذكرت هاتف الـ500 ليرة عند سهام الأرمنية الذي كان صلة الوصل بيننا نحن الأصدقاء العكاكرة وصوتها وهي تقول: “خلصت الخمسمية”.  

اذكر مرحلة ما بعد حرب تموز 2006، على رغم الدمار الذي أصابنا حينها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب لم نفقد الأمل، عدنا سريعاً إلى حياتنا. اليوم، لا أشعر بشيء، لا رغبة في البكاء، لا رغبة في الضحك نحن جثث 4 آب، لا أكثر.

لا شيء سوى الصمت، وحدها أقدامنا تحدث ضجيجاً عندما ندوس على أكوام الردم والزجاج المتناثر. لا تخرج الكلمات من أفواهنا حتى للمواساة. لا شيء يقال. أشعر كأنني جثة تعبر الشوارع. أتذكر رواية فرانكشتاين في بغداد: “لا أحد يرغب بالموت من دون أن يفهم لماذا يموت وإلى أين يتجه بعد الموت”. أشعر بالارتباك عند سؤال حول ما إذا كان هناك ضحايا في المنازل التي نزورها. أتلبك أكثر عندما أقول ضحايا. هل أسميهم شهداء أو قتلى أم ضحايا؟ كان يوم ثلاثاء مملاً كأيّ يوم ثلاثاء، لا أحد فيه يرغب بالموت. لا أعرف من أين أبدأ الحديث. وجوه صامتة لجالسين أمام بيوتهم المهدمة، يحاولون تذكر تلك الثواني التي غيرت حياتهم ولكنهم يصمتون. كأننا لأول مرّة نشاهد موتاً قريباً إلى هذه الدرجة. أتذكر في الانفجارات السابقة التي ضربت لبنان منذ الـ2005 كيف كان كثيرون موجودين في مكان الانفجار ولحظته، وقد نجوا بأعجوبة. هذه المرّة الجميع يتعامل بصمت. لا أحد يريد الموت، كصوت ذلك الفتى في الفيديو، الذي كان يراقب الحريق مع عائلته وكان يردد “انفجار انفجار” بسخرية طفولية حتى اللحظة التي ضرب فيها الانفجار منزله فيسمع صوته واضحاً يقول لوالده: “ما بدي موت، ما بدي موت”.

منذ لحظة الانفجار لم أهتم لرؤية ما حدث وحجم الانفجار وشكله. مع كلّ فيديو كان يصلني كنت أقرّب الهاتف من أذني لأسمع الأصوات. أتذكر صوت المرأة التي تصرخ بزوجها أن يبتعد من النافذة، وفجأة يلتهمهما عصف الانفجار ولا يسمع بعدها سوى صوت الأنين. أتخيل هذه الثواني: أن ترى الموت آتياً لابتلاعك، هل ستتمكن من استعادة شريط حياتك أمامك كما يحكى في الأفلام؟

لم أكن يوماً ضعيفاً أمام الموت. لم أصمت يوماً أمام حرمة الموت، دائماً ما كنت أجد ما أتكلم به أو طريقة ما أعبر بها وغالباً ما تكون الضحك. ولكن هذه المرّة مختلفة. أشعر كأننا أموات نواسي أمواتاً. حتى أننا لم نعد “مساكين بنضحك من بلوة”. مساكين هذه المدينة لم يعودوا حتى قادرين على الضحك على مصائبهم. رجل عجوز يجلس أمام منزله في الكرنتينا قال لي: “ابحثوا جيداً في تاريخ هذه المدينة لعلها مبنية على أراضي وقف لذلك تتتالى علينا المصائب”. بقربه يجلس شاب فقد رجله وجزءاً من يده كان يدخن بشراهة. التقط علبة الدخان ليريني عبارة: “التدخين يقتل”، “بيروت تقتل” وليس التدخين قالها مع ضحكة. اقتربت منه فتاة صغيرة واضعة وجهها على كتفه. نظر إليّ مجدداً، قرأ اسم منظمة دولية على سترتي وقال “ما بدي مساعدة خدو البنت وخيها وسفروهن ليعيشوا، ما بدي يموتوا هون”. صمتنا جميعاً. نظرت إلى الفتاة الصغيرة رأيتها تلتصق بوالدها أكثر وتدفن رأسها فيه ليبدأ تقبيلها على رأسها بشكل هستيري ويدخل الرجل في نوبة بكاء. اعتذرت وانسحبت.

كان الموت قريباً من الجميع، نحن نملك ترف الحزن ولكن آلافاً لا يملكونه. لا وقت لهم ليحزنوا، يحاولون إعادة بناء الحياة عبر تجميع ذكريات فُقدت مع إطار صوّر فيها من يحبون. فقدوا أحباء، فقدوا منازل، حتى أنهم فقدوا روتين حياة يومية كانو اعتادوا عليه

كان الموت قريباً من الجميع، نحن نملك ترف الحزن ولكن آلافاً لا يملكونه. لا وقت لهم ليحزنوا، يحاولون إعادة بناء الحياة عبر تجميع ذكريات فُقدت مع إطار صوّر فيها من يحبون. فقدوا أحباء، فقدوا منازل، حتى أنهم فقدوا روتين حياة يومية كانو اعتادوا عليه. أرافق شاباً سورياً إلى منزله لرؤية حجم الأضرار. يريني خمسة أطفال كبيرهم في السابعة، لا تزال شظايا زجاج صغيرة تخترق أجسادهم. أحضرنا فريقاً طبياً حاول انتزاع نثر الزجاج وجلسنا نراقبهم. أطفاله كلهم ولدوا هنا في لبنان. حرص أن يسكن في منزل مع فسحة صغيرة لكي يستطيعوا اللعب. كانوا يلعبون في هذه الفسحة كما في أيّ يوم آخر. اخترق الزجاج أجسادهم. اقترب أحد الأطفال ضاحكاً ليري والده ضمادة على إصبعه، ملوّنة ومزركشة. طلب منا أن نغطي الشبابيك والأبواب بالنايلون: “أنا وأمهم نتناوب على السهر ليلاً، عندما ينامون خوفاً  عليهم من دخول جرذ أو أي شيء قد يؤذيهم”. أصمت مجدداً ولا أدري ما اقول. الأسئلة البدهية التي اعتدنا أن نطرحها بعد كل انفجار أو مصيبة، صبحت بلا معنى ولا ننتظر جواباً لها. ننظر بصمت الى المتضررين كأن لا شيء يقال. أمرّ من أمام إحدى الحانات التي كنت أمضي وقتاً فيها فأراها مدمرة ومالكها يقف أمامها بكسور وندوب وجروح ظاهرة وبكل غباء أسأله: “كيفك؟”. يصمت وينظر إليّ راسماً ابتسامة حزينة، أشعر بغبائي من السؤال اعتذر منه وانسحب.

اذكر مرحلة ما بعد حرب تموز 2006، على رغم الدمار الذي أصابنا حينها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب لم نفقد الأمل، عدنا سريعاً إلى حياتنا. اليوم، لا أشعر بشيء، لا رغبة في البكاء، لا رغبة في الضحك نحن جثث 4 آب، لا أكثر.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني