انفجار بيروت : سقوط الإطفائي العاشر

أغسطس 20, 2020
ثمة جمهورية وسلطة ارتكبت جريمة، وأثناء ارتكابها أرسلت رجال إطفاء ليموتوا فيها. المسؤولية هنا تأخذ مساراً مختلفاً

وفي اليوم السادس عشر على الجريمة، عثر بين أنقاض مرفأ بيروت على جثة جو بو صعب، الإطفائي رقم عشرة. بهذا يختتم رقم الجريمة بحق عناصر الإطفاء، فهؤلاء إضافة إلى ما لحقهم جراء جريمة المرفأ، لحقتهم أيضاً خيانة إدارتهم عندما لم تنذرهم بأن الهدف الذي توجهوا لإطفائه فيه عبوة ناسفة هائلة بحجم مدينة. الإطفائيون العشرة لم يكونوا في المرفأ لحظة الانفجار الأول. توجهوا إلى هناك من دون أن تنذرهم إدارة المرفأ بأن ثمة خطراً ينتظرهم هناك. إدارة المرفأ كانت تعلم أن النيران تقترب من نيترات الأمونيوم وأن الاقتراب من المرفأ ينطوي على خطر كبير.

زوجها وشقيقها وابن عمها كانوا عناصر اطفاء وقضوا في انفجار بيروت

نحن هنا حيال جريمة داخل جريمة. لقد قضى الإطفائيون العشرة نتيجة عدم اكتراث إدارة المرفأ بحياتهم، في حين دُمر ثلث المدينة لسبب آخر، هو فساد هذه الإدارة، وفساد الأجهزة الأمنية والسياسية المتولية زمام السلطة في لبنان.

لم ينذر أحد رجال الإطفاء بأنهم متوجهون نحو جبل من نيترات الأمونيوم! هذه جريمة أعقبت الجريمة الكبرى، ونحن هنا حيال جريمة موصوفة حصلت بفعل فاعلٍ، أو بفعل فاعلين.

الجريمة التي أفضت إلى مقتل عناصر الإطفاء العشرة هي غير الجريمة التي ارتكبت بحق بيروت. فظاعة الجريمة الأولى لا تقل عن فظاعة الجريمة الثانية، لا بل يمكننا أن نحسم أن الجريمة الأولى فيها قدر من التقصد، في حين لم نحسم بعد ما إذا كان وراء الجريمة الثانية فعل قصدي. عناصر أطفاء توجهوا ليخمدوا حريقاً نجم عن الانفجار الأول فباغتهم الانفجار الثاني. كل أجهزة الجمهورية كانت تعرف ما ينتظرهم، ولم ينذرهم أحد. رئيسا الجمهورية والحكومة كانا يعلمان وممثلوهما في إدارة المرفأ، والأجهزة الأمنية كلها كانت تعلم، وعلى رغم ذلك لم ينذر أحد عناصر الإطفاء بأنهم متوجهون نحو جبل من نيترات الأمونيوم! هذه جريمة أعقبت الجريمة الكبرى، ونحن هنا حيال جريمة موصوفة حصلت بفعل فاعلٍ، أو بفعل فاعلين. كل من كان على علم بوجود الأمونيوم تسبب بمقتل رجال الإطفاء. لهذه الجريمة حيثيات مختلفة عن حيثيات جريمة التفجير.

هل سيجرؤ إطفائيٌّ بعد اليوم على تنفيذ مهمّة؟ من يضمن له أنّ وراء الحريق لا يكمن حريق أكبر؟ الكتاب الذي وجهته بلدية بعبدا إلى وزارة الداخلية حول مخاوف من وقوع انفجار في المنطقة، وما تلاه من تحقيقات وعدم اتخاذ إجراءات، يكشف انعدام ثقة هائل بما تخبئ الأهداف والأنفاق وما إذا كنّا على علم بما يحصل خلف الحرائق.

رجال الإطفاء العشرة هم ضحايا الانفجار، لكنهم أيضاً ضحايا جريمة أخرى موازية حصلت فور وقوع الانفجار. جريمة داخل جريمة.   

يجب أن تجرى محاكمة مستقلة في هذه الجريمة. الوقائع فيها أقل تعقيداً، وقرينة الإدانة لا تقبل اللبس. علينا أن نعيد تكرار المعادلة التي أفضت إلى مقتل هؤلاء الرجال العشرة. ثمة حقيقة كان يعرفها كل رجال السلطة ولم يقدم أحد على تحذيرهم منها. ثمة جمهورية وسلطة ارتكبت جريمة، وأثناء ارتكابها أرسلت رجال إطفاء ليموتوا فيها. المسؤولية هنا تأخذ مساراً مختلفاً، وتطاول أسلاكاً قد تنجو من التهم المتعلقة بالجريمة الرئيسة. فجريمة الرابع من آب/ أغسطس كبرى، ليست جريمة واحدة، بل جريمة متواصلة واستمرت إلى ما بعد وقوع الانفجار. رفع الدعاوى القضائية يجب أن يكون عملية منسقة، تحمّل المسؤولية لكل من كان على علم بوجود الأمونيوم في المرفأ، وعلى التحقيق أن يشمل كل تفصيل في هذه الجريمة الكبرى.

عناصر الإطفاء العشرة هم ضحايا الانفجار، لكنهم أيضاً ضحايا جريمة أخرى موازية حصلت فور وقوع الانفجار. جريمة داخل جريمة.     

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
كم يبدو مستفزاً أن تتقاطع مصالح الطوائف اللبنانية عبر تمرير جريمة انفجار المرفأ في مقابل تمرير عملية السطو على الودائع، وأن يُضرب صمت على غرق مركب الموت مقابل التضامن مع المفتي في حربه على الزواج المدني. يجري ذلك وسط انهيار كل شيء، ووسط تغوّل الطبقة السياسية، ووسط نجاة المرتكبين.
Play Video
الشابة اللبنانية المسلمة فاطمة هاشم نمير التي تزوجت مدنيا شابا مسيحيا، والمحامية والحقوقية النسوية ليلى عواضة التي ساهمت خلال عملها بمنظمة كفى بصياغة قانون احوال شخصية مدنية، تناقشان موضوع الزواج المدني وصوغ قوانين أحوال شخصية مدنية لا دينية في لبنان، في هذه الحلقة من بودكاست “نون” بعنوان “زواج مدني؟ الويل والثبور”، مع ديانا مقلد.

42:09

Play Video
حلمي إني أدرس…”، مع انهيار قيمة الليرة اللبنانية وتأزّم الوضع الاقتصادي في لبنان، برزت قضية عمالة الأطفال، إذ أخرطت أُسر كثيرة أطفالها في سوق العمل لتأمين مدخول مادي إضافي. هنا قصة الطفل أحمد الذي كبر قبل أوانه…

1:59

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني