fbpx

من بيروت إلى دمشق:
“ماذا لو مات أبواي هناك… ماذا لو مت هنا”…

أوشكت على التصالح مع فكرة أن كل من أعرفهم سيموتون قريباً، وبدأت أجري حساباتي: هل أُفضل الموت مع أبوي في سوريا؟ أم أفضل الموت مع شريكي وأصدقائي هنا في لبنان؟

على مدى الأشهر القليلة الماضية، عانيت كثيراً وأنا أحاول إيجاد كلمات مناسبة لوصف التدهور السريع الذي شهدته في هذه البلاد. ففي كل ليلة كنت أكتب جملة أو اثنتين، لوصف الألم ونضوب سبل العيش. ثم كما في مسرحية هزلية فظيعة، يأتي كابوس ما، وكأنه رد على محاولاتنا الضعيفة للدعابة عندما نسأل: “هل يمكن أن يسوء الأمر أكثر؟”.

تحولت الأمثال المؤلمة إلى أمر واقع. وانفجر إهمال الحكومة اللبنانية وفسادها المستشري بكل ما تحويه الكلمة من معنى في وجوهنا؛ فقد اشتعلت النيران، تحديداً، في 2750 طناً من نيترات الأمونيوم المهملة، ما أدى إلى انفجار مرفأ بيروت، وهو انفجار بلغت قوته 3.3 درجة على مقياس ريختر، وترتب عليه تدمير آلاف المباني المحيطة، وتحويلها إلى ركام في ثوانٍ.

كنت أقف في المكان الصحيح عندما انهارت شقتي في لحظة رأساً على عقب، إلا أنني لم أشعر بأنني محظوظة في ما بعد. فعندما تقع كارثة، يصبح وجودك موضع شك، وتكون استجابة جسدك سريعة بينما يهرع إلى التثبت والبقاء على قيد الحياة.

أصبحت حطاماً، صحيح كنت محظوظة لأنني نجوت، لكن الآن لا يبدو لي أن هناك مكاناً آمناً.

بالنسبة إلى من لا يعرف بيروت، فأنا أعيش في منطقة كانت في السابق واحدة من أكثر المناطق حيويةً ونشاطاً وعراقةً في المدينة. ففي وسط المدينة على مقربة من إحدى أكثر المناطق ازدهاراً في العاصمة، تقع الجمّيزة وشارع مار مخايل الممتدّ منها والشوارع المتصلة بينهما، وإلى هناك يتوافد الشباب والطلاب والفنانون والأجانب الذين يدفعهم الفضول. وهذا بالطبع، إضافة إلى آلاف الأسر التي سكنت هذه المناطق في بيوت تراثيّة بُنيت منذ سنوات طويلة. كنت أغبط هؤلاء الذين عاشوا هناك، في تلك المنازل التي تكسوها الزخارف العتيقة الملونة والأسقف العالية؛ كانت هذه بيروت التي تعبق بالأصالة، وقد انتقلت للعيش هناك بمجرد أن أتيحت لي الفرصة. ففي الليل، تفتح الحانات المنتشرة في الشوارع أبوابها لأشخاصٍ من جميع أنحاء البلاد يرغبون في الترويح عن أنفسهم وتمضية وقت ممتع مع أصدقائهم؛ وحتى لو لم يكن ذلك من النشاطات الأساسية، فقد كان من المعتاد أن يذهب الأشخاص في سنّي إلى هذه المناطق مرة واحدة على الأقل لتناول بعض المشروبات وتبادل الضحكات قبل أن تنتهي عطلة نهاية الأسبوع.

فكرت في هذه الأشياء عندما رأيت السيدة التي كانت تملك السوبرماركت الصغير بجوار الحانة المفضلة لدي، وهي تقف فوق ما أصبح الآن حطاماً من رقائق البطاطس والبيرة اللبنانية، بينما تنزف قدماها دماً وتحدّق عيناها في حالة صدمة تامة. وفكرت في هذه الأشياء حين وصف أقرب أصدقائي رؤية الطاهي الذي يعمل في المطعم المفضل لدي وهو محمول على نقالة بدائية مصنوعة من لافتة المتجر التي سقطت من مكانها، ورأسه مصابة تنزف دماً يسيل من قبعته. لقد فكرت في هذه الأشياء وأنا أركض حين أصبحت فجأةً الجثث الهامدة والأجساد الملطخة بالدماء إضافة جديدة وشنيعة إلى ذاكرتي البصرية.

عندما وقع الانفجار، بدأت الشائعات، حول ما إذا كانت إسرائيل هي التي قصفتنا، وإن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد. ولذا ركضت بين الأنقاض أحمل كلبتي بين ذراعي كما لو كانت وليدة، لأن جعلها تمشي كان مستحيلاً في الشوارع التي افترشت بالزجاج والدماء. تحطمت السيارة التي كان يفترض أن تكون طريقي للنجاة، ولكنها ما زالت تعمل، جلست على بقايا الزجاج المكسور بينما كان قلبي يخفق، أفكر في أنني سأموت هنا.

لم يكن من الصعب أن أتخيل موتي. فقد كان الموتُ في كل مكان.

لقد قرأت قصص الحرب وكتبت عنها لمدة طويلة. وأومأت برأسي من الأسى إزاء كيف صارت حياة الناس هيّنة، وهم يموتون تحت القصف الجوي في بلدي، الجمهورية السورية ذات الشهرة العالمية بكونها ساحة معركة دولية. ولكن لا أحد يستطيع أن يفهم حقاً مدى بساطتها إلى أن يرى الوجه الفج لهذا المشهد، المتمثل في رؤية أقسى خسارة ممكنة في الأرواح البشرية من حولهم. فقد تواصل معي الأصدقاء لكي يخبروني كم أنا مهمة بالنسبة إليهم، وينبغي أن أذكر نفسي بقيمتي.

كنت أقف في المكان الصحيح عندما انهارت شقتي في لحظة رأساً على عقب، إلا أنني لم أشعر بأنني محظوظة في ما بعد. فعندما تقع كارثة، يصبح وجودك موضع شك، وتكون استجابة جسدك سريعة بينما يهرع إلى التثبت والبقاء على قيد الحياة.

بعد ساعات من التأقلم مع اضطراب ما بعد الصدمة، والإحساس المُروع بعُقدة ذنب النجاة، أزلت شظايا الزجاج من على أغطية الفراش. وسمعت القصص. ورأيت الأسماء. وشاهدت مقاطع الفيديو. وعلمت من أصيب ومن صار في عداد المفقودين الآن. شاهدت بينما كان أشخاص في مثل سني بل وأصغر سناً، يُجرفون ويُطعمون ويُحملون، ويكتمون في أنفسهم وما يشعرون به من ألم وأسى ويحاولون جاهدين أن يتجاوزوا حالتهم العقلية المضطربة، ويتفادون التصادم مع الجنود الذين على ما يبدو كانت مهمتهم الوحيدة هي إلقاء الأوامر على السيارات المارة عبر الأنقاض. فلم أر أحد ضباط الشرطة يحرك ساكناً.

سمعت أنهم كانوا يعرفون؛ كانوا يعرفون أن سلاح الدمار الشامل هذا كان هنا. وسمعت أنهم بدلاً من أن يحذروا الجماهير بضرورة الخروج من المرفأ عبر المذياع عندما اشتعل الحريق، كانوا يبثون تصريحات لسياسيين، يطمئنون إلى الناس أنهم بخير. سمعت أيضاً أن لا أحد من أولئك القتلة قد تأذى، وأنهم يتشاحنون حالياً حول من الذي يتحمل مسؤولية هذا الخطأ. ثم سمعت أن الناس كانوا يطالبون بإعادة الاحتلال، لأن فصلاً جديداً من الاستعمار الفرنسي قد يكون أكثر رأفة بحالنا من أولئك الأشخاص الذين احتجزوننا رهائن طيلة عقود.

وسمعت أن كثيرين يريدون محاكمة المسؤولين عن تلك الكارثة.

لكن ماذا عنا؟ لم يكن أمامنا خيار. لم يكن بمقدورنا التفاوض على مصيرنا، ولا الدفاع عن أنفسنا، ومحاولة إقناعهم لماذا ينبغي الإبقاء علينا وعلى منازلنا وأحبائنا.

أخبرتني أمي باضطراب شديد أن في وسعها جلب سيارة لي لإعادتي إلى دمشق. فكرت في مدى سخرية احتمال أنني قد أشعر بأمان أكثر هناك.

بعد أربعة أيام، سألت أمي أخيراً عن حالها. علمتُ أنها تحاول التماسك عندما تتحدث معي من دمشق. واليوم، حدثتني أخيراً عن إحساسها الكبير بالرعب. لم أكن أتابع أيّ أخبار -سواء في سوريا أو أي مكان آخر- سوى أخبار لبنان. لكنها أخبرتني أن ثلاثة من أصدقائها توفوا جراء “كورونا”، كلهم خلال الأيام الخمسة التي انقضت منذ الانفجار. أخبرتني أيضاً أن من أصل العدد القليل أصلاً المتبقي من الأطباء، توفي 50 طبيباً! 

ظللت أسأل نفسي طيلة الأيام القليلة الماضية ما إذا كنت أُصبتُ، أو أحد أصدقائي، بـ”كورونا”. فقد كنا جميعاً في مجموعات، من المصابين، أو من يحملون المكانس لتنظيف آثار الانفجار، أو من يحتجون بألمٍ في الشوارع. كان المصابون منا يتلقون الرعاية في مستشفيات فُجرت الغرف التي كانت مخصصة لعزل الأطباء والمرضى. أتذكر أنه قبل أسبوعين من الانفجار، لم أكن أشعر بالأمان مطلقاً في منزلي حتى بعد تعقيم أيّ شيء يأتي من الخارج بالكحول. وأتذكر أنه أثناء تنظيف شقة أحد الجيران، سألني أحد المتطوعين، الذي كان “محظوظاً” ولم تتطلب إصابته سوى عدد قليل من الغرز، إذا ما رأيت كمامة زرقاء في مكان ما وسط الركام، ثم سألني بعصبية، “هل تعتقدين أنه ينبغي عليّ الاهتمام بهذا؟”. كنا نعلم جميعاً أن ثمة خطراً يحدق بنا وأنه لا سبيل أمامنا سوى المجازفة، وقد بدا أن هذا في الغالب مصير أقل رعباً من مصيرنا الذي كان يمكن أن نلاقيه.

أخبرتني أمي باضطراب شديد أن في وسعها جلب سيارة لي لإعادتي إلى دمشق. فكرت في مدى سخرية احتمال أنني قد أشعر بأمان أكثر هناك. 

نحن نتساقط كالذباب. الدمار شديد للغاية، ويتحدث الأصدقاء بتوترٍ عن شعورهم بأننا نتجه نحو الهاوية. وقد أوشكت على التصالح مع فكرة أن كل من أعرفهم سيموتون قريباً، وبدأت أجري حساباتي: هل أُفضل الموت مع أبوي في سوريا؟ أم أفضل الموت مع شريكي وأصدقائي هنا في لبنان؟ ماذا لو مات أبواي؟ هل من الأفضل أن أكون هناك أم أسمع الخبر وأنا هنا؟ لا بد أن أتصل بجدي في أقرب وقتٍ، أحتاج إلى سماع صوته بشدة.

أحاول أن أسكت صوت صرخة وسط كل صوت صاخب بالقرب مني. أسمع صرخات وصفارات إنذار وسط صوت الماء الجاري في حوض الاستحمام. وفي الليل، ومع ضعف رؤيتي، يُهيأ لي أن الأجسام البعيدة الضبابية هي جثث نازفة.

يوفر أثاث الغرف، في الملاذ الجبلي الذي قدمه لي بسخاء أحد أصدقائي، مساحة أكبر للخدع العقلية. فمثل مخرج فني متمرس، تُعيد عيناي ترتيب الغرفة محولةً إياها إلى ركام، لتريني كيف يمكن إنجاز ذلك، في ثوانٍ، وقد يزين الزجاج والحطام والدم الأرائك المُنتفشة. وبإمكاني أيضاً أن أرى أعمق الطبقات الأساسية للأبواب والكراسي والطاولات وهي عارية تماماً، تاركةً الأعين تهيم في رعب، وقد تحطمت مكونات المنزل وتخلّعت بشكلٍ مخيف من مسكنها القديم القائم منذ قرون. 

أشعر بأن عقلي أُعيد تشكيله، مع تزويده بعدسة جديدة، يمكنها تجريد البشرية من كل شيء، وتركها متقاعسة ومضطربة العقل، وعاجزة كلياً.

أصبحت حطاماً، صحيح كنت محظوظة لأنني نجوت، لكن الآن لا يبدو لي أن هناك مكاناً آمناً.

تنهمر رسائل كثيرة على هاتفي من أصدقاء يطلبون مني إعلامهم إذا احتجت إلى أيّ شيء. ما أطلبه هو أن يمسحوا من ذاكرتي السنة الماضية، إذا كان في إمكانهم ذلك.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني