fbpx

تقاطع نكبتين: مرفأ بيروت بعد المصارف

تلجأ السلطة اليوم إلى السمسرة مع الدول الأجنبيّة على عمليّة إعادة بناء مرفأ بيروت، لكنّ هذه الصفقات المرتقبة لم تجب بعد عن السؤال حول سبل إعادة إعمار الأحياء المنكوبة...

يوم دوّى الانفجار الكبير في مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس، كانت أولويّة أبناء الأحياء المنكوبة التعاطي مع الكارثة الإنسانيّة التي ألمّت بهم. لملمة الضحايا الذين خسرتهم عائلاتهم والجرحى الذين فاضت بهم المستشفيات، والمفقودين الذين اندفعت عائلاتهم للبحث عنهم وسط الحطام. 

مشاهد الدمار الشامل والخسائر الماديّة ظاهرة للجميع بشكل مأساوي، لكنّ حجم النكبة لم يسمح في الأيام الأولى بأكثر من رفع الركام من الشوارع والشقق السكنيّة، وربما إغلاق النوافذ المحطمة بالنايلون، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة في الأحياء المنكوبة، إن وجدت.

لكن ما إن بدأ أبناء العاصمة بعد أيام بالتفكير بسبل إصلاح الأضرار التي نتجت عن الكارثة على مستوى شققهم السكنيّة والمحال التجاريّة، حتّى اكتشفوا أنهم وقعوا بين شرّين: نكبة المرفأ مع كل ما نتج عنها من موت ودمار، والانهيار المالي وما نتج عنه من تداعيات تضرب قدرتهم على إصلاح أضرار الانفجار. فأموال المتضررين عالقة في المصارف منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتهاوي سعر صرف الليرة رفع كلفة المواد الأوليّة التي يحتاجونها لإصلاح الأضرار إلى مستويات خياليّة، فيما تعاني السوق أساساً من شح هذه المواد الأوليّة نتيجة أزمة السيولة بالعملة الصعبة التي يعاني منها المستوردون، كما يعاني أصحاب الشقق والمحال التجاريّة أساساً من آثار الأزمة الإقتصاديّة على دخلهم وقدرتهم الشرائيّة. 

بإختصار، كان أبناء الأحياء المتضررة أمام تقاطع النكبتين معاً، وهو ما ضاعف من مأساويّة المشهد.

ستطول محنة المتضررين، مع أضرار الانفجار وأثر الانهيار المالي، فيما لا يبدو أن مأساتهم تحتل الكثير من المساحة على أجندة من يملك القرار السياسي في البلاد.

بحسب أصحاب الشقق السكنيّة، ثمّة من يتحدّث اليوم عن تعويضات قادمة، وعن مسوحات سيتم القيام بها لتقييم الأضرار التي حصلت. لكنّ الكثير من هذه الأضرار لا تحتمل الإنتظار ريثما يتم البت بآليّة المسوحات والتعويضات، وخصوصاً تلك التي تتصل بإمكان استخدام الأقسام السكنيّة والمحال كالنوافذ والواجهات والأبواب والجدران، وهو ما يضع هؤلاء المتضررين أمام إشكاليّة اضطرارهم إلى إصلاحها سريعاً في ظل الأزمة الماليّة والنقديّة التي تعيشها البلاد اليوم.

حلول مصرف لبنان

بعد يومين من حصول انفجار المرفأ، أصدر مصرف لبنان قراراً أساسياً لوضع آليّة لمساعدة المتضرّرين من الانفجار، حمل الرقم 13254. نصّ القرار على قيام المصارف اللبنانيّة بمنح قروض استثنائيّة بالدولار للمتضرّرين، بفائدة صفر في المئة، على أن تتحقق المصارف على مسؤوليتها الخاصّة من استخدام هذه القروض في عمليّات الترميم من خلال الاستحصال على فواتير تثبت ذلك. كما نصّ القرار على سداد هذه القروض خلال 5 سنوات من قبل المقترضين، على أن يمنح مصرف لبنان المصارف قروضاً بقيمة القروض الاستثنائيّة التي منحتها للمقترضين، وبفائدة صفر في المئة أيضاً. وما أن صدر هذا التعميم حتّى تذكّر كثيرون تعميماً مشابهاً أصدره مصرف لبنان في بداية أزمة “كورونا”، إذ نصّ ذلك التعميم على منح المؤسسات المتضررة من أزمة الوباء قروضاً مماثلة بفائدة صفر في المئة، ولمدّة تصل إلى 5 سنوات أيضاً، بهدف دفع رواتب العاملين أو دفع الالتزامات السابقة.

في الواقع، ثمّة ما يكفي من مؤشّرات للدلالة على أن تعميم مصرف لبنان الذي تلى انفجار المرفأ لم يكن سوى خطوة استعراضيّة للدلالة على وجود جهد ما على مستوى المصرف المركزي لمواكبة الأزمة، فيما يعلم من عمل على صياغة التعميم أنّ آليات منح هذه القروض لن تجد طريقها للتنفيذ أبداً، تماماً كما حدث بالنسبة إلى التعميم السابق الذي صدر في بداية أزمة “كورونا”، والذي رفضت الغالبيّة الساحقة من المصارف وضعه حيّز التنفيذ. مع العلم أن إحصاءات “إنفوبرو” أثبتت أن 90 في المئة من الطلبات التي تقدّمت بها المؤسسات للاستفادة من قروض التعميم السابق –المتعلّق بأزمة “كورونا”- رفضتها المصارف.

فعمليّاً، ولو أن التعميم الجديد الذي أصدره مصرف لبنان ينص على منح المصارف قروضاً موازية من قبل المصرف المركزي، بنفس قيمة القروض التي ستمنحها المصارف للمتضرّرين، من الطبيعي أن لا تملك المصارف اليوم وفي ظل الظروف الاقتصاديّة الراهنة أي مصلحة في منح المتضررين قروض غير مدرّة للفوائد، وتحمّل المخاطر الائتمانيّة الناتجة عن هذه المسألة. وهذا تحديداً ما حصل في حالة التعميم السابق المتعلّق بالقروض التي يمكن منحها للمتضررين من أزمة “كورونا”، والتي لم تجد المصارف اللبنانيّة أي مصلحة في الموافقة على منحها.

الصفقات المرتقبة لم تجب بعد عن السؤال حول سبل إعادة إعمار الأحياء المنكوبة، خصوصاً أن الأضرار جعلت الكثير من الأبنية والمساكن غير قابلة للاستخدام كليّاً. مع العلم أن نتائج مؤتمر باريس الأخير جاءت خجولة جداً على هذا المستوى، ولم تجب بعد على هذه الأسئلة.

وعلى أرض الواقع، يبدو أن المتضرّرين أنفسهم لن يجدوا مصلحة في التقدّم بطلبات لهذا النوع من القروض، حتّى لو أرادت المصارف اللبنانيّة منحها. فآليّة عمل هذه القروض تقضي بمنح المتضرّرين من الانفجار هذه القروض بالدولار الأميركي، ومن ثم استعمال السيولة الناتجة عنها كأرصدة موجودة في الحسابات المصرفيّة اللبنانيّة، أي كدولار محلّي من النوع الذي تُطبّق عليه الضوابط التي تفرضها المصارف على سيولة المودعين. بمعنى آخر، سيكون المتضرّرين قد سجّلوا على أنفسهم ديوناً بالدولار الأميركي، من دون أن يتمكنوا فعلاً من استعمال هذه السيولة كدولارات نقديّة في السوق. وحتّى لو أراد المستفيدون من هذه القروض سحبها بالليرة اللبنانيّة بحسب تعميم مصرف لبنان رقم 151 الذي يحدد شروط هذه السحوبات، فالمصارف تطبّق اليوم سقوفاً منخفضة لا تتجاوز الـ500 دولار شهريّاً في بعض المصارف لهذا النوع من العمليات. ببساطة، ستبقى هذه السيولة عالقة في حسابات المصارف، خصوصاً أن الغالبيّة الساحقة من التجار والمقاولين باتوا يرفضون تلقي الشيكات مقابل مبيعاتهم أو أعمال البناء التي يقومون بها.

أما عن طريقة سداد هذه الديون، فالتعميم ينص على إمكان سدادها عند الاستحقاق وفقاً لسعر الصرف المعتمد في تعاملات مصرف لبنان مع المصارف، أي وفقاً لسعر الصرف الرسمي القديم، فيما يقضي التعميم بسدادها بالدولار إذا أراد العميل سداد القرض قبل الاستحقاق. وبذلك، تتشابه طريقة سداد هذه القروض مع طريقة سداد معظم القروض الممنوحة من المصارف حاليّاً لعملائها. لكنّ أهم ما في الأمر هنا، هو أن المقترض سيتحمّل في هذه الحالة مخاطر أي تغيّر في سعر الصرف الرسمي، أي أن دفعة العميل نفسها ستتضاعف قيمتها بالليرة اللبنانيّة في حال قرر مصرف لبنان تغيير سعر الصرف الرسمي لتواكب أسعار الصرف المتعددة الأخرى. مع العلم أن الغالبيّة الساحقة من المقترضين يحاولون اليوم سداد كامل التزاماتهم المقوّمة بالدولار لدى المصارف لهذه الغاية بالذات، أي خوفاً من أي تغيير محتمل في سعر الصرف الرسمي، وهو ما يعني أنّ المتضرّرين لن تناسبهم بالتأكيد مراكمة التزامات إضافيّة عليهم بالدولار الأميركي في المصارف.

باختصار، لن يحمل تعميم مصرف لبنان وآلية القروض أي معالجة فعليّة على مستوى أزمة المتضررين الناتجة عن تزامن الانفجار مع الانهيار المالي الحاصل، خصوصاً أنّه لا يتعامل مع ثلاثة أجزاء أساسيّة من هذه المشكلة: أموال المتضررين العالقة في المصارف، وأزمة سعر الصرف وأثرها على كلفة الإعمار، وتردي الأوضاع المعيشيّة الناتجة عن الانهيار المالي. أما كل ما سيحققه التعميم فعلاً، فهو محاولة تبييض صورة المصرف المركزي وحاكمه إعلاميّاً، عبر مجرّد الإعلان عن وجود التعميم من دون تنفيذه، تماماً كما حدث بالنسبة إلى تعميم قروض أزمة “كورونا”.

استثمار سياسي للأزمة

في ظل غياب معالجات فعليّة لتقاطع أزمتي المرفأ والمصارف، يبدو أن أقطاب النظام السياسي اختاروا الدخول في حلبة العراضات الشعبويّة، بدل السعي إلى البحث عن حلول حقيقيّة. فراهناً اتجه نواب التيار الوطني الحر إلى تقديم مشروع قانون يقضي بالسماح لأصحاب الحسابات بالعملات الأجنبيّة المتضررين من كارثة المرفأ بسحب مبلغ 15,000 دولار أميركي نقداً، لترميم بيوتهم المتضرّرة جراء الانفجار.

كان من الواضح أن فكرة مشروع القانون لم تستهدف إلا القيام باستعراض نيابي على هامش كارثة المرفأ وأزمة المصارف، ربما في محاولة من التيّار لتقليص خسارته الشعبيّة بعد الانفجار. فمشروع القانون يتناقض مع أبسط البدهيّات القانونيّة والدستوريّة، وهو ما يجعل فكرة إقراره مسألة غير واقعيّة. فعلى رغم أحقيّة مطالبة المودعين بأموالهم المحتجزة في المصارف، من المعلوم أن القيود على الودائع لم تُفرض بموجب قانون أو مرسوم أو حتّى تعميم صادر عن المصرف المركزي. مع العلم أن مشروع قانون الكابيتال كنترول ما زال ينام في أدراج لجنة المال والموازنة، بعدما رفضت الهيئة العامة لمجلس النواب إقرار آخر صيغه التي أُحيلت إليها.

وهكذا، فمن غير المنطقي الطلب من مجلس النواب أن يشرّع قانوناً يسمح بتحرير ودائع لم تُحتجز أساساً بشكل قانوني. لا بل يمكن القول إن فكرة مشروع القانون تشرّع بشكل غير مباشر عمليّة احتجاز الودائع، من خلال “السماح” بتحرير جزء معيّن من هذه الودائع فقط. وبدل أن يكون لدى اللبنانيين قانون “كابيتال كونترول” متقن، ينظّم الضوابط المطبّقة على السيولة في المصارف، سيكون مجلس النواب قد شرّع إجراءات المصارف من دون أي ضمانات تمنع الاستنسابيّة في تطبيق هذه الإجراءات.

وفي كل الحالات، أعلن النائب نقولا الصحناوي أن نواب التيار يتجهون إلى تعديل مشروع القانون، لكن من الواضح أن أي تعديل في مشروع القانون لن يتمكّن من تجاوز الخلل القائم في جوهرها، والمتمثّل في تناقض مبدأ “تحرير جزء من الودائع” مع عدم وجود قانون كابيتال كونترول يشرّع احتجازها.

من يعيد إعمار الأحياء المنكوبة؟

بحسب مؤسسة التمويل الدوليّة، بلغت قيمة الخسائر الناتجة عن انفجار المرفأ نحو 7 مليارات دولار، فيما تشير جمعيّة شركات التأمين إلى إمكان تجاوز هذه الخسائر عتبة الـ10 مليارات دولار. على أرض الواقع، من الواضح أن السلطة تلجأ اليوم إلى السمسرة مع الدول الأجنبيّة على عمليّة إعادة بناء مرفأ بيروت، وفق صيغ تمنح شركاتها امتياز استثمار المرفأ على المدى الطويل. لكنّ هذه الصفقات المرتقبة لم تجب بعد عن السؤال حول سبل إعادة إعمار الأحياء المنكوبة، خصوصاً أن الأضرار جعلت الكثير من الأبنية والمساكن غير قابلة للاستخدام كليّاً. مع العلم أن نتائج مؤتمر باريس الأخير جاءت خجولة جداً على هذا المستوى، ولم تجب بعد على هذه الأسئلة.

لكل هذه الأسباب، ستطول محنة المتضررين، مع أضرار الانفجار وأثر الانهيار المالي، فيما لا يبدو أن مأساتهم تحتل الكثير من المساحة على أجندة من يملك القرار السياسي في البلاد.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني