fbpx

الممانع مؤيد الربيع العربي إذ يدافع عن “حزب الله”

"حزب الله" في لبنان مثلاً ما زال موضوع حيرة لدى الممانع المؤيد للربيع العربي، فهو "مقاومة" وفي الوقت عينه ميليشيات تقمع الشعوب...

تنوعت اتجاهات المثقفين العرب المنحازين، موقفاً وتنظيراً، للربيع العربي. يساريون وقوميون عروبيون، إسلاميون وعلمانيون، ميول واتجاهات معقدة، تم تذويبها في خلطة واحدة، وجب أن يستوي النظر الإيجابي نحو عناصرها، طالما أن الجميع يؤيدون حقوق الشعوب ضد الأنظمة المستبدة. وهؤلاء، أي عناصر الخلطة من المثقفين، استعجلوا اتخاذ مواقف مع هذه الثورة أو تلك، من دون مراجعة للأفكار والأيديولوجيات التي يؤمنون بها ولأي درجة ساهمت هذه الأخيرة في منح أرضية معرفية، للأنظمة موضوع الثورات، للاستمرار والبقاء، والرد على الخصوم والمعارضات بالتخوين والقمع. والمراجعة المغفلة، ليست سوى تجنب المسؤولية حيال تأسيس شرعية الديكتاتور العربي، وجعله حاملاً هموم الأمة وفلسطين والعروبة والمقاومة ومواجهة الاستعمار، على حساب مسائل الديموقراطية والحريات وبناء الدول.

صحيح أن أصحاب الأيديولوجيات الذين ناصروا الثورات، لا يتساوون في مستوى دعمها المعرفي للمستبد العربي، فاليساريون منحوه شرعية مواجهة الطبقات البرجوازية التقليدية، والقوميون منحوه شرعية مواجهة الاستعمار الغربي ومشاريعه في المنطقة، والإسلاميون، منحوه شرعية توحيد الأمة ومواجهة ما يستهدف الدين. لكنهم اشتركوا في عجزهم عن خلق تمييز بين أفكارهم وبين الديكتاتور، عدا عن أن هذه الأفكار غالباً ما حملت في تركيبها تمهيداً لكل ما هو كلي وشعاراتي، والمتقدم منها أو المرتبط بالحداثة الغربية تم إسقاطه قسراً على واقع غير مناسب. فكانت النتيجة واحدة، بناء أرضية للمستبد الذي بات يمتلك من الحجج والمشروعيات ما يكفيه لتأبيد نفسه، والتمايز بين المعارض والمؤيد  لنظام حكم ما، كان ظهر في الموقف والتضحية فقط، في حين المستوى المعرفي والسياسي، كان واحداً.

يحاول الممانع الثوري، النظر إلى الحزب عبر مستويات، فيراه “مقاومة” قبل عام 2000 ثم انحرف عن مساره في أحداث 7 أيار 2008، أو يراه “مقاومة” قبل ثورة سوريا ثم انحرف عن مساره عند تأييد نظام الأسد. فالتركيز إذاً، على الانحراف وليس على الحزب نفسه وتأسيسه ووظيفته وعلاقته بإيران

وتراكيب الأيديولوجيات، اليسارية والقومية والإسلامية، ترجمت عربياً بقيم مشتركة، لا سيما معاداة الغرب، وأبلسته، ما جعلها مائعة، تدور حول وهم واحد، وتنظّر له. والميوعة، أفرزت تنقلات من موقع إلى آخر بين المثقفين، بدا أنها، بلا معنى أو مضمون. من كان قومياً وصار إسلامياً أو يسارياً، بقي يحمل الوهم نفسه وإن اعترت خطابه تغيرات ما.

والحال، فإن تنوع التكوينات التي تحكم طبيعة الأنظمة المستبدة في المنطقة، جعل هؤلاء ينحازون إلى الثورات بالتقسيط، وبما يلائم الوهم الخاص عند كل منهم. فمن عارض بينهم حسني مبارك (حليف أميركا) والثورة ضده، استبسل في الدفاع عن بشار الأسد (عدو أميركا). ما فسر في الصحافة، ونال نقداً كبيراً، بوصفه تناقضاً أخلاقياً، كان في عمقه انسجاماً مع مركب أيديولوجي مشوش في مضامينه، يتجوهر حول القضايا الكلية ويهمل مسائل الحرية.

والربيع العربي، فهمه هؤلاء، بوصفه جزءاً من عالم القضايا الكلية، الذي يعيشون فيه، صحيح أنهم أيدوا شعوباً انتفضت لحريتها ضد أنظمة مستبدة، لكن هذا التأييد جاء انطلاقاً من مقدمات نظرية، تتشارك مع الأنظمة في الكثير من المقاربات في الثقافة والسياسة.  

التناقض الفاضح بين مثقفين منحوا الأنظمة جزءاً من شرعيتها الثقافية والسياسية، والآن يؤيدون الثورة ضدها، يمحو المعايير، التي كان من المفترض أن ننظر من خلالها عقب الربيع العربي، إلى الكثير من الظواهر الموجودة في بلداننا.

“حزب الله” في لبنان مثلاً ما زال موضوع حيرة لدى الممانع المؤيد للربيع العربي، فهو “مقاومة” وفي الوقت عينه ميليشيات تقمع الشعوب، وللتغطية على هذا التناقض يحاول الممانع الثوري، النظر إلى الحزب عبر مستويات، فيراه “مقاومة” قبل عام 2000 ثم انحرف عن مساره في أحداث 7 أيار 2008، أو يراه “مقاومة” قبل ثورة سوريا ثم انحرف عن مساره عند تأييد نظام الأسد. فالتركيز إذاً، على الانحراف وليس على الحزب نفسه وتأسيسه ووظيفته وعلاقته بإيران. وانطلاقاً من هذه النظرة، استهجن الممانع الثوري، اتهام الحزب بعلاقة ما بمجزرة المرفأ في بيروت، مستغلاً المسؤولية العامة للطبقة السياسية التي يتحكم الحزب أصلاً بهوامش حركتها السياسية.

والأرجح أن الممانع مؤيد الربيع العربي، لم يكن ليعلق على اتهام أي طرف لبناني بالمسؤولية عن التفجير، كـ”القوات اللبنانية” مثلاً أو “الكتائب” أو “المستقبل”، إذ إن اهتمامه باتهام “حزب الله”، يعود إلى كون الأخير جزءاً من الوهم الذي يؤمن به، وهم التشويش الإيديولوجي الذي برر وجود الأنظمة، من دون أن يميز الأفكار عما يمكن أن تنتجه من تسلط.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني