fbpx

“الطوارئ” من مصر والجزائر إلى لبنان… القمع بأشكال كثيرة

من رحم المعاناة، وفي خضم هذه الفاجعة التي نعيشها، ومن قلب الدمار الذي حلّ ببيروت، سارع عهدنا القوي الباسل إلى خلق الحلول، تمخّضت دولتنا الساقطة صاحبة الإنجازات التي لا تحصى، فماذا ولدت لنا؟ ولدت لنا قانون طوارئ!

فما هو هذا القانون وكيف يمكن أن يأتي بالحلول لنكبتنا؟

يتألف هذا القانون من حزمة تدابير تتخذها الدولة على المستوى الوطني، أو في منطقة معيّنة. ويهدف إلى ضبط الأمن القومي، إثر وقوع حادث معيّن.

باختصار، إعلانُ حالة الطوارئ يمنح صلاحيات لا بل سلطة استثنائية للجيش ويُخوله المسّ وبحرية كاملة، بالحريات وحقوق الأفراد الأساسية، كالحق في التنقل وحرية التظاهر والتجمع. يمكن اعتبار أي عمل نقوم به خرقاً أمنياً. يمكن اعتبار أي كلمة ننطق بها تهديداً للأمن القومي. يمكن أن تُخضع السلطة المدنيين للتقاضي أمام المحكمة العسكرية. وأيضاً يمكن فضّ التجمعات وكم أفواه وسائل الإعلام.

تمشي السلطة اللبنانية اليوم على خطى “أشقائها” العرب فتأخذ من القمع والبطش حجة الدفاع عن الوطن، وتعزيز الاستقرار. فما فائدة التمتع بالحريات العامة والديموقراطية؟ أضحى الأمن المتفلت أصلاً من الأساسيات والحرية من الكماليات.

تحكم قوانين الطوارئ بلداناً عربية كثيرة، حتى أصبحت ظاهرة شائعة يفرضها وقوع حرب، كوارث طبيعية، أوبئة وعدم إمكان تنفيذ القوانين النافذة في خضم الظروف الاستثنائية.

عرفت سوريا قانون الطوارئ منذ عهد الانتداب الفرنسي، ثم أصدرت مجموعة أخرى من القوانين، لكن أبرزها كان المرسوم التشريعي رقم 51 الصادر في 22 كانون الأول/ ديسمبر عام 1962، بحيث أعلنت الدولة السورية حالة الطوارئ إثر انقلاب عسكري قاده حزب البعث العربي في آذار/ مارس عام 1963. مع اندلاع الاحتجاجات في آذار 2011، تمت المطالبة بإلغاء حالة الطوارئ في البلاد. في محاولة لضبط الشارع أعلنت المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري بثينة شعبان رفع هذا القانون. خلال هذه الفترة الطويلة تعرض آلاف السوريين والسوريات إلى الاختفاء القسري والتعذيب والقتل. فرضت أيضاً رقابة على الاتصالات الهاتفية، وانتشرت حالة من الرعب.

السلطة المصرية ليست أقل بطشاً، لها تاريخ حافل مع قانون الطوارئ، إذ فُرضت هذه الحالة أثناء حرب 1967. وأعيد فرضها بعد اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981، واستمر تمديد حالة الطوارئ طوال فترة حكم الرئيس مبارك. في أيلول/ سبتمبر عام 2011 قرر المجلس العسكري الذي يقوم بدور رئيس الجمهورية في مصر، إعلان حالة الطوارئ بعد أحداث السفارة الإسرائيلية في مصر. في آب/ أغسطس 2013 وخلال المرحلة الانتقالية التالية لانقلاب تموز/ يوليو، قام الرئيس الموقت عدلي منصور بإعادة العمل بقانون الطوارئ. أما خلال حكم السيسي، فتم تمديد حالة الطوارئ أكثر من مرّة، كان آخرها 25 نيسان/ أبريل 2020. يأتي ذلك القرار الجديد عقب إقرار تعديلات دستورية تسمح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2024، وإذا أعيد انتخابه مرة أخرى لمدة 6 سنوات، سيظل في السلطة حتى عام 2030. في ظل هذا القانون تتسع سلطة الشرطة، وتفرض الرقابة ويتم تقييد التظاهرات. تخطى عدد السجناء السياسيين في مصر الـ30 ألف سجين في ظل صرخات تطلقها جمعيات دولة تدافع عن الحريات، ولكن من دون جدوى.

تحكم قوانين الطوارئ بلداناً عربية كثيرة، حتى أصبحت ظاهرة شائعة يفرضها وقوع حرب، كوارث طبيعية، أوبئة وعدم إمكان تنفيذ القوانين النافذة في خضم الظروف الاستثنائية.

في السودان وبعد سلسلة من الإضرابات النقابية كإضراب القضاة عام 1982 وإضراب عمال المهن الصحية عام 1982، أعلن الرئيس السوداني جعفر النميري حالة الطوارئ في 2 نيسان 1984. ومارست حكومة “الإنقاذ” أي حكومة البشير الاستبداد والبطش لفترات طويلة باسم قانون الطوارئ. في ظل تفشي فايروس “كورونا”، قرر مجلس الأمن والدفاع السوداني في اجتماعه في القصر الجمهوري إعلان حالة الطوارئ في آذار من هذا العام.

من أبرز البلدان العربية التي فرضت قانون الطوارئ هذا، نذكر الجزائر. ورثت الجزائر من فرنسا الطوارئ التي فرضتها فرنسا عام 1955. وفرضت حالة الطوارئ في الجزائر أكثر من مرة ولفترات طويلة نذكر منها المرسوم الرئاسي الذي أعلن قيام هذه الحالة في شباط/ فبراير عام 1992. أقرّ بعد ذلك تمديد العمل بقانون الطوارئ بمرسوم عام 1993، الذي مدده أيضاً الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 22 شباط 2011، وبدأ العمل بالقرار في 24 من الشهر ذاته عقب أحداث ليبيا.

إذاً أعمار قوانين الطوارئ في البلاد العربية تتخطى أعمار بعض الأنظمة الهرمة. يسهل التفكير في إعلان حالة الطوارئ التي تأتي دائماً من دون تقدير الأمور ودراستها بعمق.

تخيلوا أن يسير أحدنا بسلام في شوارع بيروت وفجأة يجد نفسه في السجن من دون معرفة أسباب سجنه ويتعرض لشتى أنواع الإهانة الجسدية والنفسية، لأن دولته ارتأت إعلان حالة طوارئ وقد تقوم بتمديدها كما تشاء.

هذا ليس خيالاً بل حقيقة وهذا ما قد نتعرض له عقب إعلان حالة الطوارئ هذه في البلاد. لن تتوانى السلطات اللبنانية أبداً عن فرض سيطرتها الكاملة في ظل حالة الطوارئ، فقد شاهدنا حجم العنف الممارس ضد المتظاهرين في وسط بيروت فكيف الحال الآن في ظل حالة الطوارئ؟

أصر الحكام العرب على البقاء فأخذوا من قانون الطوارئ ذريعة لحماية أنظمتهم وفرضها بالقوة. نحن اليوم في حالة مماثلة أمام عهد يرفض الرحيل، فكلما علا صوت الشعب مطالباً أركان السلطة بالرحيل، زاد بطشهم وتفننوا بالإجراءات القميعة ليبقوا في كراسيهم، وكان آخر تلك الإجراءات إعلان حالة الطوارئ في بيروت.  

فهذا القرار البرلماني يتجاوز الجانب الإنساني والعملي لمواجهة الكارثة بل يتعداه وبشكل واضح وصريح ووقح لإسكات الشعب وقمع الثورة.

لا حلول يفرضها، بل هو مجرد وسيلة لقمع الشعب اللبناني، الذي يحاول لملمة حياته من هول انفجار المرفأ، وما سبقه من أزمة اقتصادية وغلاء وبطالة، و”كورونا”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ليندا ماهر – صحافية فلسطينية
رنا الحداد تنضم إلى قافلة المغدورات اللواتي انتزع ذكور من عائلاتهن حقهنّ في الحياة، في ظل ثقافة تميز ضد النساء وتستسهل قتلهن بذرائع كثيرة.
Play Video
6 سنوات مرت على غياب محمد الصنوي عن منزله وزوجته وأطفاله مذ اختطفته “جماعة أنصار الله” الحوثية. أسرة الصنوي أنموذج للكثير من أسر المختطفين والمخفيين في سجون جماعة أنصار الله، والذين لا يُعرف مصيرهم وحقيقة التهم الموجهة إليهم وإن ما زالوا أحياء أم لقوا حتفهم.

2:26

Play Video
كيف يعالج الصحفيون الأردنيون المواضيع المتصلة بالأسرة الهاشمية الملكية مع محاذير النشر القائمة ومن أين يستقون معلوماتهم ومصادرهم من دون خطر التعرّض للقمع والملاحقة؟ وهل يمكن اعتماد تطبيق كلوب هاوس مساحة آمنة ومهنية لتبادل المعلومات في العمل الصحافي؟الامير حمزة

34:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني