fbpx

انفجار بيروت من عدسة الضاحية

أغسطس 17, 2020
يسود في الضاحية صمت غريب بعد أي حادثة أو فاجعة في أرجاء الوطن، التجوال في شوارعها وبين محلاتها هو رحلة للبحث عن الناس وما يجول في خواطرهم في هذه الأثناء واللحظات المفصلية.

فرض انفجار بيروت على سكان المناطق اللبنانية الأخرى حالة غريبة من الذهول، وانفصاماً في الرأي والمشهد. أن تكون في المقلب الآخر من المصيبة، غير متضرر أو متأذٍ منها بشكل كبير، يعني أن عليك أن تحكم على الأمر وأن تبدي رأياً فيه وأن تمشي بين أناس فُجِعوا بسبب الانفجار وفقدوا أحباءهم وبيوتهم وأشغالهم، متوخياً الحذر في ما تقول.

فالمصيبة التي حلت باللبنانيين أجمعين هي مصيبة ذات أبعاد سياسية ومؤسساتية، ولها ارتدادات على الدولة والشعب والعقد الاجتماعي ككل. فليست الطبيعة الأم التي دمرت مدينتنا، وليست قواها الخفية التي هجرت سكان المدينة الحزينة، بل هو مزيج من فساد إداري وإهمال المسؤولين والأمنيين المعنيين. فكيف يرى المشهد من لم يتضرر مباشرة بفاجعة بيروت الحياة بعد 4 آب/ أغسطس؟ ما الذي تغير في رؤية اللبنانيين في الضاحية الجنوبية خصوصاً؟ وما رأي الشباب وكبار السن بالدولة ومؤسساتها، بنواب مناطقهم ووزراء الثنائي الشيعي؟ 

يسود في الضاحية، كغيرها من المناطق اللبنانية، صمت غريب بعد أي حادثة أو فاجعة في أرجاء الوطن، التجوال في شوارعها وبين محلاتها هو رحلة للبحث عن الناس وما يجول في خواطرهم في هذه الأثناء واللحظات المفصلية. أما المشاهد، فهي نفسها تتكرر، انتشار كثيف للأمنيات الحزبية، شوارع وأزقة فارغة خفت صوتها، وتحول انتباهها نحو شاشات التلفزيون أو الهواتف لمتابعة ما يحصل في البلاد. لذلك قمنا بجولة على بعض المواطنين من سكان الضاحية وبعض المحلات التجارية للاطلاع على آرائهم بعد انفجار الرابع من آب.

يعتقد هادي، وهو طالب في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية، وأحد سكان الضاحية الجنوبية، ان الانفجار كان نقطة تحول في تفكيره الشخصي. “لقد كانت هذه الحادثة مرعبة لدرجة أنني انهرت خوفاً من أن يكون الأمر تكراراً لمشهد حرب تموز، ثم بعدما علمنا انه المرفأ، راودتني أفكار عن احتمال وجود هكذا مخزن بين أهلنا في الضاحية، بعدما انفجر في أهلنا في بيروت، ورحت أتخيل حجم الكارثة التي قد تقع لو كان ذلك صحيحاً”. يضيف: “حالياً، تعتريني صدمة كبيرة، لمجرد احتمال ان تموت في أي لحظة في هذه البلاد، ولعدم اكتراث من يريدوننا أن نأتمنهم على حياتنا، وجل ما افكر فيه هو إنهاء دراستي لكي أهاجر وأترك لبنان إلى الأبد”. اما الدولة فقد عبر هادي عن فقدان تام للثقة بجميع أطرافها، واستياء من عدم مسؤولية الجميع بمن فيهم “حزب الله” الذي يدعي معرفة كل “شاردة ووارادة” ومهتم بحماية لبنان. 
إن الحديث مع الشباب، وللأسف، يعطينا نماذج مختلفة لحكاية هادي، يأس في نفوس الشباب، وتصويب القدرات نحو الهجرة. سياسياً، بين هؤلاء الشباب من آمن بقيادة معينة في وقت سابق، وبدأ ينفد صبره ويفقد ثقته تدريجاً بهذه الجهات. فإما الهجرة او العذاب والشقاء الدائم في ظل هذا النظام. ويرى كثيرون، أنه بعد 4 آب، بات واضحاً أن الموت المفاجئ والمفجع بات حقيقة، ما يزيد المواطن قلقاً وخوفاً، علماً أن أهل الضاحية كانوا عانوا من رعم التفجيرات الإرهابية في فترة سابقة.

انتشار كثيف للأمنيات الحزبية، شوارع وأزقة فارغة خفت صوتها، وتحول انتباهها نحو شاشات التلفزيون أو الهواتف لمتابعة ما يحصل في البلاد.

يأتي هذا بعد هبوط سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وازدياد معدل البطالة، وانعدام الأفق أمام الفئة الشابة عموما. يقول علي، وهو شاب عاطل من العمل، إن هناك اشخاصاً محزّبين يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي ولا يقلقون كما يقلق الفرد العادي إن كان من ناحية دفع إيجارات بيوتهم وحياتهم، أو الزواج ومساعدة أهلهم. فماذا نفعل نحن؟ يسأل علي، مؤكداً أنه مع الأسف يتمنى ان يكون الانفجار سبباً في الانفراج لاحقاً، لعلّ العالم، يشفق علينا ويرى كيف نعاني فيما يحكمنا مجرمون لن يرتدعوا إلا بعد أن نموت جميعاً.

امّا أبو حسين الخمسيني، صاحب محل بقالة صغير في منطقة حارة حريك، قد تأثر كل التأثير، وحزن حزنا شديدا على مصاب بيروت. ” لقد تحول حزني الى غضب وسخط على السلطة وأهلها، من غير المعقول استهتارهم بحياة المواطنين” يتابع أبو حسين ” لقد عشنا كل الحروب، ودمرت منازلنا وفقدنا احبائنا، وتابعنا مسيرة حياتنا، ولكن ما حصل في الرابع من آب، وما يحصل في البلاد بشكل عام، هو محاولة لقتلنا جميعاً بشّتى الطرق، لم يسبق ان شعرنا بالذل والفقر والخطر كما نشعر الان” 

لافت حجم التعاطف الذي يبديه سكان الضاحية مع كارثة المرفأ ومدى حزنهم على الذين تشردوا. فكما عبّر كثيرون، فإن تجربة حرب تموز، التي تهجر بسببها عدد هائل من أهالي الضاحية كانت أليمة وتركت أثراً كبيراً فيهم، وكانت كفيلة بأن تحرك فيهم مشاعر التماهي مع الآخرين والاستعداد لفتح بيوتهم وتقديم المساعدات بما أمكن للمتضررين. تقول الحاجة إم علي: “ليس من السهل أن تفقد منزلاً، حتى لو لم يكن ملكك، ففيه أشياؤك وذكرياتك، لقد مررنا بهذه التجربة، وكانت منهكة والله”. “كل ما نريده هو أن نعيش ويعيش أولادنا بأمان وكرامة من دون أن ننذل لهذا او لذاك”. وأبدت أم علي خوفها على الذين تشردوا، من أن يضطروا إلى مسايرة السياسيين أو الزعماء لكي يحصلوا على تعويضات، خصوصاً أنها (أم علي) تعتبر الدولة ورجالاتها مسؤولين بشكل مباشر عن خراب المدينة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
لماذا نحنُ الفتياتُ والنساء يجب أن نرضخ؟ كثيرات يشعرن بالعجز في دول مشغولة بالحروب والأزمات ولا تولي اهتماماً للنساء، فلا قوانين تحمي ولا ثقافة تردع الانتهاك. سلطة الرجل لا تزال أقوى من أي شعار: إنه “ولي الأمر”.
Play Video
عن وعي، أو من دون وعي، تعكس وسائل إعلام كثيرة المفاهيم البطريركية للنظام الأبوي، ما يجعلها مصدر تأثير مهم في المعايير والسلوكيات المجتمعية. “العنف ضد النساء” واحد من المواضيع التي تعطي مثالاً واضحاً عن طريقة طرح وسائل الإعلام هذه القضية وسواها، بشكل لا يراعي حماية الضحايا، وهن غالباً نساء، وتجنيبهم الضرر، لا بل تذهب المقاربات أحياناً إلى تحميل الضحايا المسؤولية والتبرير لمرتكبي جرائم العنف الأسري. ولأن دور الإعلام مهم في نشر الوعي ومناهضة جميع أشكال التمييز والعنف ضد المرأة، نطرح في هذه الحلقة من “أما بعد” هذه الإشكالية، لمحاولة معالجة هذه المواضيع بما يكفل مساحة تعبير عادلة للضحايا، والبحث في تصويب الأداء الإعلامي وإيجاد سبل سليمة تمكّن الإعلاميين والصحافيين من إنصاف النساء الضحايا وحمايتهن وإيصال قصصهن بقدرٍ عالٍ من المسؤولية والوعي.

1:00:22

Play Video
“أستطيع أن أجزم أن جميع هذه الاغتيالات تقوم بها الفصائل الولائية”… ازدادت وتيرة الاغتيالات السياسية في العراق فدفعت نشطاء إلى الهجرة… الباحث السياسي هيوا عثمان يناقش.

4:27

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني