fbpx

تونس: محاصرة الصحافي الشرس توفيق بن بريك ليصمت…

توفيق بن بريك من أشرس الصحافيين والكتاب التونسيين وأكثرهم تمرداً وهو معروف بنقده اللاذع للجميع من دون استثناء وبكلماته المستفزة حتى أنه يوصف بالرجل الذي لا يترك مجالاً للهدنة.

تشهد تونس تصاعداً خطيراً في حملات تهديد حرية الرأي والتعبير والصحافة، تشنها الأجهزة الأمنية والقضائية للتضييق على النشطاء والصحافيين، عبر توقيفات ومحاكمات طاولت صحافيين ومفكرين ومدونين. وكان آخرها زج أحد أبرز المناضلين والمدافعين عن حرية التعبير الصحافي التونسي المعروف توفيق بن بريك، في السجن بسبب انتقاده الجهاز القضائي. 

حوكم بن بريك بالسجن سنة مع النفاذ العاجل وأودع السجن أياماً، قبل أن يغادره بعد استئناف الحكم وضغط المجتمع المدني لتدارك هذا الحكم الذي يتعارض مع الخطوات التي تلتمسها تونس، من أجل بناء دولة ديموقراطية تكفل حقوق مواطنيها وحرياتهم، لا سيما حرية التعبير. وعلى رغم إطلاق سراح بن بريك، إلا أن الحكم كان مخيباً للآمال لأنه لم يسقط التهمة عنه بل خفف الحكم لمدة 8 أشهر مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني، أي وضع الصحافي بن بريك تحت المجهر وترك أبواب السجن مشرعة أمامه في أي لحظة يتجرأ فيها كعادته على انتقاد السلطة. 

توفيق بن بريك

تعود حيثيات القضية إلى العام الماضي عندما اعتقلت السلطات التونسية في 23 آب/ أغسطس 2019 أحد أبرز المرشحين للرئاسة رجل الأعمال والاتصال نبيل القروي قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات الرئاسية في تونس على خلفية قضايا فساد مالي وغسل أموال.

عندها خرج توفيق بن بريك في برنامجه عبر قناة “نسمة” المملوكة للقروي مطالباً بالإفراج عنه، مضيفاً بأسلوبه اللاذع المعتاد أنه “في بلدان أخرى يرفع الناس السلاح للدفاع عن رجالهم” واتهم القضاء التونسي بالفساد والمحاباة.

واعتبر حديث بن بريك تحريضاً على حمل السلاح وتعدياً على أحكام القضاء وطالب البعض بمحاكمته بتهمة القذف ونسبة أمور غير صحيحة إلى موظف عمومي.

وبعد مرور قرابة السنة وتحديداً بتاريخ 23 من أيلول/ تموز، قضت المحكمة الابتدائية في تونس بالسجن لمدة سنة واحدة مع التنفيذ العاجل في حق الإعلامي بن بريك على خلفية تصريحاته، وأودع السجن حتى الرابع من آب 2020.  

وبعد تدخل المنظمات المدافعة عن الحقوق والحريات في تونس، قبلت محكمة الاستئناف في تونس 4 آب الطلب، لكنها لم تبرّئ بن بريك بل إدانته وخفضت العقوبة من سنة مع النفاذ العاجل إلى 8 أشهر مع تأجيل التنفيذ. 

اعتبر حديث بن بريك تحريضاً على حمل السلاح وتعدياً على أحكام القضاء وطالب البعض بمحاكمته بتهمة القذف ونسبة أمور غير صحيحة إلى موظف عمومي.

وفي تعليقه على الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف، قال أحد محامي الدفاع عن بن بريك بسام الطريفي لـ”درج”: “لقد أفرج عن موكلي ولكن مبدأ الإدانة مستمر، ما حصل هو تخفيض الحكم من سنة إلى 8 أشهر مع التأجيل، بمعنى أنه سيخضع للمتابعة لخمس سنوات وإذا عاد خلالها إلى المواقف ذاته، تُجرى محاكمته مجدداً فضلاً عن الحفاظ على المدة السابقة المؤجلة. لقد كان حكماً متشنجاً وانتقامياً، فيه الكثير من التحامل على صحافي أبدى رأيه في سلطة ليست مقدسة وخاضعة للنقد كغيرها”.

وانتقد النزوع نحو ملاحقة الإعلاميين والصحافيين الذين تقتضي منهم التحري والاستقصاء والتعليق والنقد، مشيراً إلى أنه من غير المعقول تتبع هؤلاء بسبب آرائهم وأفكارهم.

ويحصر المرسوم 115 العقوبة المستوجبة في صورة ثبوت ثلب في خطية مالية. فيما ينص الفصل 128 من المجلة الجزائية على أنه يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها 120 ديناراً كل من ينسب لموظف عمومي أو شبهه بخطب لدى العموم أو من طريق الصحافة أو غير ذلك من وسائل الإشهار أموراً غير قانونية متعلقة بوظيفته من دون أن يدلي بما يثبت صحة ذلك.

وعلى رغم أن المحاكم التونسية سعت إلى تجنب اللغط الذي رافق سن المرسوم وباشرت في تطبيقه، إلا أن بعض القضاة في المحاكم ذاتها ولأسباب مجهولة عادوا لاستعمال أحكام المجلة الجزائية التي تنظم الثلب عبر نصوص تفرض عقوبات سجنية رادعة من دون مراعاة تعارض أحكامها مع المرسوم 115 الذي تم تفعيله.

وأضاف الطريفي: “موكلي لم يدعُ إلى حمل السلاح كما ورد في التهمة الموجهة إليه، كما أن حديثه أو إشارته إلى فساد القضاة ليس معطى جديداً في البلاد ولم يكن الوحيد الذي تطرق إليه، كلنا نعي بما في ذلك القضاة أنفسهم أن هناك فساداً داخل الجهاز القضائي، وندعو باستمرار إلى تطهيره. لا بد أن يدرك القضاة أن لا سلطة فوق النقد”. 

وتوفيق بن بريك من أشرس الصحافيين والكتاب التونسيين وأكثرهم تمرداً وهو معروف بنقده اللاذع للجميع من دون استثناء وبكلماته المستفزة حتى أنه يوصف بالرجل الذي لا يترك مجالاً للهدنة.

وأسلوب بن بريك اللاذع ليس وليد اليوم، فالرجل صحافي مخضرم عمل في صحف محلية حكومية وخاصة، وكان مراسلاً لكبريات الصحف الفرنسية، والأهم أنه كان أبرز المعارضين لنظام زين العابدين بن علي وكان صوتاً قوياً حين سكت كثيرون وتعرض في عهد بن علي للكثير من الانتهاكات التي بلغت المنع من السفر والاعتقال.

وبعد الثورة، واصل توفيق بن بريك تمرده وانتقاده السلطة بالأسلوب اللاذع ذاته وبكلماته الحارقة التي أدخلته في معارك كثيرة مع أطراف عدة، بسبب مواقفه التي لا تقبل المهادنة ولا المجاملة، بخاصة في ما يتعلق بإخلالات المسار الديموقراطي في البلاد. 

لعل تتبع صمت القضاء إزاء الانتهاكات التي ما زالت تستهدف الكثير من الكتاب والصحافيين والمفكرين والفنانين، على مدار السنوات التي تلت الثورة، تضاعف المخاوف من نيات السلطة القضائية بشأن تعاطيها مع حرية التعبير على المديين القصير والطويل.

ولهذا كان سجن بن بريك في المرحلة الأولى بسبب رأيه حكماً قاسياً، وعدم تبرأته اعتبر مخجلاً لتونس، كما ضاعف المخاوف من الحملات المتزايدة التي تستهدف صحافيين وكتاباً ومدونين بسبب آرائهم التي يبدو أنها باتت تربك الماسكين بزمام السلطة حالياً، لا سيما في ظل ارتفاع منسوب النقد الموجه لهم بسبب استمرار فشلهم وضعف أدائهم على مدار السنوات العشر التي تلت الثورة. 

دفع ذلك  اللجنة الإعلامية لحملة “لا لسجن توفيق بن بريك” لانتقاد قرار محكمة الاستئناف الذي لم يبرئ الصحافي، على رغم الإخلالات التي رافقت إجراءات المحاكمة.

وقال منسق اللجنة سليم بو خضير: “يشكل الحكم ارتداداً إلى الوراء عن قيم الثورة التونسية التي كان توفيق بن بريك أحد رموزها وأكثر من مهد لها الطريق، كما يعدّ تراجعاً صريحاً عن قيم الدولة المدنية التي تخلو من الحكم بالسجن على الصحافيين والكتاب بسبب آرائهم. ومع احترامنا المحكمة فإننا نعبر عن رفضنا هذا الحكم وندعو هيئة الدفاع إلى تعقيبه لدى محكمة التعقيب”.

ولا تزال الحادثة تثير لغطاً كبيراً داخل الساحة الإعلامية والمجتمع المدني في ظل السياسة الانتقائية التي يمارسها الجهاز القضائي في التعامل مع القضايا الأخرى المطروحة. إذ يبدو مريباً في ظل وجود قضايا  خطيرة عالقة أن يلتفت القضاء لتتبع أصحاب الكلمة وتعجيل الإجراءات العقابية بشأنهم، ويبعث على التساؤل إلى متى سيظل القضاء التونسي مكتوف الأيدي أمام انتهاكات عديدة أمنية واقتصادية ويتفرغ لأصحاب الرأي. 

ولعل تتبع صمت القضاء إزاء الانتهاكات التي ما زالت تستهدف الكثير من الكتاب والصحافيين والمفكرين والفنانين، على مدار السنوات التي تلت الثورة، تضاعف المخاوف من نيات السلطة القضائية بشأن تعاطيها مع حرية التعبير على المديين القصير والطويل. بمعنى أن امتناع الجهاز القضائي عن تتبع المعتدين والمحرضين على الأطراف السالف ذكرها، على رغم أن بعض هذه الانتهاكات كان يمس حياة هؤلاء الأشخاص، وهرولته نحو نصب المحاكمات لهذا وذاك بسبب تدوينة أو تعليق أو فكرة أو نقد لسلطة ما أو جهة نافذة، يحيل مباشرة إلى أن هناك توجهاً مدروساً لضرب حرية الصحافة والتعبير عموماً.        

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
محمد فارس – صحافي سوري
كان يُمنع على أحد أن يقترب من غرفته باستثناء الحراس والمحققين وطبيب يعاينه لعشر دقائق صباحاً. أما الحراس الآتون من “الخطيب” ومن إدارة المخابرات الجوية، فكان “صفعهم إياي أمراً طبيعياً لهم”.
Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني