الكرنتينا- بيروت: نستحق حياة محترمة لا أكثر! 

تعداد البيوت التي دخلناها غير مهم، المهم أهالي البيوت ورواياتهم، حواسهم التي لا تستوعب خبطة باب جراء هواء في غرفة، أو صوت سيارة في شارع محاذٍ.

لا يزال الدمع يتسلل إلى عيوننا، يسرق مشاعرنا من قلوبنا، ويبعثرها على الملأ من دون استئذاننا. لكن هذا الدمع ليس عبثياً، فهو نابع من مشهد كارثي، لا تكفي كلمات هذا المقال أو غيره لوصفه ونقل مآسيه، مشهد انفجار مرفأ بيروت.

الكرنتينا، الملاصقة لمرفأ بيروت، منطقة مبعدة، تعيش على كتف المدينة، يقطن سكانها أمام رافعات الحديد، ورائحة المسلخ وعمليات نقل الرمل ونقل بضاعة المرفأ. منطقة حدد لها الفقر فرضاً من دون خيار، سكانها من كل الجنسيات، تجمعهم لغة المآسي والقهر والتعب وتجاعيد رجال ونساء يجاهدون لرسم ابتسامة على وجوه أطفالهم المحرومين من حياة طبيعية، ما وصفته هو يوميات من الكرنتينا قبل الرابع من آب/ أغسطس، ما بالكم ما بعد الانفجار؟

ربما تخفّ وطأة الانفجار إذا ما قورن بهول الكارثة التي نتجت عنه. لا تهمني هنا أسباب الانفجار، بقدر ما تهمني لملمة جراح الشارع وناسه… 

دخلت مجموعة من الشابات والشبان وكنت معهم الى الكرنتينا، لنرتطم بقساوة الواقع الذي لا تلينه عاطفة ولا ألم. مشهد لا يمكن استيعابه، الا بالعمل ومخاطبة أبطاله، الذي استقبلونا بابتسامات مرهقة، وأولادهم هرعوا نحونا ليحملوا عدة الترميم، وحولوا أنفسهم من أطفال يلهون في الشارع الى مرشدين ميدانيين، يعاينون معنا الأضرار وينصحوننا من أين نبدأ.

البيت الأول، في مبنى لا يزال صامداً، إلا أن شبابيكه تلفظ نفسها الأخير. خشب على الأرض وزجاج لا أثر لوجوده، وحوله أناس توحّدهم قطع الشاش الأبيض التي تلف رؤوسهم وأيديهم وأرجلهم، كل واحد بحسب إصابته. هل هذا مشهد طبيعي في بلد يقول إنه وقّع معاهدة وخطة استراتيجية لإدارة الكوارث عام 2015؟

في البيت الثاني، مجموعة نساء ورجلان، سهّلا لنا خطة الترميم. وكان مفاجئاً أن يعبّر الرجلان عن رغبتهما في مساعدتنا حتى خارج الكرنتينا في الترميم، إذ يعملان في التعهدات. هذه الدولة فقيرة في شعورها تجاه الآخر، إلا أن مواطنيها وسكانها من مختلف الجنسيات، يقدّمون مبادرات تكاد تعمّر مملكة لا مدينة وحسب. 

فيما كنا نرمم أحد البيوت صرخ إلينا رجل من الشارع أنه يحتاج المساعدة، وذهبنا الى بيته، وما أن دخلنا، ركض نحو الثلاجة ليخرج لنا مياهاً باردة تخفف عنا حرارة الطقس. فيما الكل يستقبلنا بالبكاء أو بابتسامات مذعورة، استقبلنا هذا الرجل بالضيافة. خسارة هذا الرجل لم تبدأ من الانفجار، فمطبخه فقير الحال، من غاز يأكله الصدأ، إلى براد يحمل صوت صخب المدينة على ظهره، إلى قاعدة غسل أطباق قديمة. تلفزيون صغير، صغير جداً، ربما انقرض في أيامنا وهو يعود الى بداية الثمانينات. يجلس الرجل يومياً بحسب قوله في مكانين مع مسبحته البنية، إما في الشارع أو أمام التلفزيون. وجهه هو نفسه في المكانين، وجه لا يقوى على الحياة، إلا انه يواصل التنفّس بما تيسر من أمل. \

الكرنتينا، الملاصقة لمرفأ بيروت، منطقة مبعدة، تعيش على كتف المدينة، يقطن سكانها أمام رافعات الحديد، ورائحة المسلخ وعمليات نقل الرمل ونقل بضاعة المرفأ.

تعداد البيوت التي دخلناها غير مهم، المهم أهالي البيوت ورواياتهم، حواسهم التي لا تستوعب خبطة باب جراء هواء في غرفة، أو صوت سيارة في شارع محاذٍ. أحدهم وقف صارخاً، “انظر يا بني غداً ستصبح مثلهم تجول وترمم للناس، هؤلاء من يجب أن يحكموا البلد، 5 أيام على مرور الانفجار ولم تأتِ الدولة لمعاينة الدمار… ماذا نقول؟ كل ما نراه هو آليات الجيش ونظرات عسكرية شاحبة لا نفهمها. ولا نعرف ما سبب وجودها”. 

فعلاً، ما أن خرجنا من البيت، مهيّئين أنفسنا لدخول شارع آخر، مرت أمامنا كتيبة صغيرة من الجيش مشاةً وتوجه الضابط نحوي، سألني “ماذا تفعلون هنا؟” وكان جوابي “ما لم تفعله الدولة”. رد قائلاً، “يعطيكم العافية”. صراحة لا أدري إن كان جوابه حقيقياً، لا أدري ان كان مسيراً ولا يقدر على كسر الأوامر، أو أنه نسخة طبق الأصل عن الحاكم. 

الترميم لن ينتهي في يوم أو يومين، والدولة متقاعسة، هذا مفهوم. التحدي في ترميم النفوس، والتخلص من كوابيس الدمار والأصوات المرعبة التي ترعش أجسادنا يومياً في صحونا ونومنا. نحن نستحق حياةً محترمة لا أكثر ولا أقل.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني