fbpx

بيروت: السلطة منشغلة بكاسر صورة الرئيس وبقنص المحتجين

بينما تبحث أم عن شيءٍ من أشلاء ابنها تحت أنقاض الركام في مرفأ بيروت، يلاحق الأمن من كسر صورة الرئيس، وتضرب السلطة بيدٍ من حديد كل من يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفساد الذي انفجر في وجوه اللبنانيين.

“اعتقلوا أخي كما لو أنه إرهابي لأنه كسر صورة الرئيس، والذين كسّروا بيروت على رؤوسنا يطلّون على الشاشات يومياً ليطلبوا منّا الصبر على خسارة ممتلكاتنا وأحلامنا، ويوصوننا بمحاربة الفاسدين”، يقول جورج الشمعي، أخ العسكري المتقاعد موريس الشمعي، الذي شارك في تكسير صورة رئيس الجمهورية اللبنانية عقب اقتحام مبنى وزارة الخارجية في منطقة الأشرفية يوم السبت بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت، ضمن سلسلة تحركات لاحتلال الوزارات وإعلانها مقرّات للانتفاضة.

موريس الشمعي

يشرح جورج أن مناصري “التيار الوطني الحرّ” شنوا حملةً على موريس واعتبروه “خائناً ويستحقّ الإعدام”، على خلفية انتشار فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيه وهو يشارك في تكسير صورة الرئيس عقب انفجار بيروت الذي ذهب ضحيته 160 قتيلاً وأكثر من 5000 جريح و20 مفقوداً تحت الردم حتى الساعة. 

موريس، الناشط في تحركات بيروت منذ انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر حتى اختطافه الأخير، دوهم بيت أخيه في منطقة الدورة، وقبض عليه وعُصمت عيناه. ليُطلق سراحه لاحقاً بعد التحقيق معه، إذ اتصل موريس بأخيه الساعة الواحدة فجراً طالباً منه اصطحابه إلى البيت. 

لم يخفّف اعتقال موريس من حماسته في المشاركة في التظاهرات التي لم يغادر ساحاتها يوماً منذ بداية الانتفاضة، لا سيما بعدما فقد عمله في متجر اكسسوارات للهواتف في عشقوت. فقد التحق برفاقه العسكريين المتقاعدين للمشاركة في تحركات اليوم التالي، إلا أنه اختفى من ساحة الشهداء ولا معلومات عن مكان وجوده. قال جورج لـ”درج”، “لو استُدعي أخي للتحقيق لكان أعلمنا على الأقل بهذا الأمر”.

في سياقٍ مواز،ٍ تقول المحامية ديالا شحادة، التي تقدمت بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية ضد مخابرات الجيش واثنين آخرين هما إيلي بستاني ونمر سليم، أن الإخبار لم يصل بعد إلى النيابة العامة العسكرية. مؤكّدة أن “اختطاف موريس هو تجلٍّ لأبرز وجوه الدولة البوليسية، لا سيما في الظرف الراهن”. 

“اعتقلوا أخي كما لو أنه إرهابي لأنه كسر صورة الرئيس، والذين كسّروا بيروت على رؤوسنا يطلّون على الشاشات يومياً ليطلبوا منّا الصبر على خسارة ممتلكاتنا وأحلامنا، ويوصوننا بمحاربة الفاسدين”.

قانونياً، لا مبّرر للخطف، حتى وإن كان بتهمة ذم الرئيس، التي تصل عقوبتها إلى السجن سنتين، لا سيما في حالة الطوارئ، التي أعلنتها السلطة عقب الانفجار، والتي بالمناسبة تضمن تسهيل ممارسات القمع، كتوسيع صلاحية المحكمة العسكرية لمحاكمة المدنيين، ومنع التجوّل في أوقات معينة، وفرض رقابة على المطبوعات والإذاعات والتلفزيون والمسرح، كما تبرّر حالة الطوارئ “اقتحام المنازل في أي وقت”، وهو ما حصل في قضية موريس. 

إذاً، اختطاف موريس هو من تجلّيات الدولة البوليسية، التي لا توفّر ظرفاً لقمع مواطنيها، لا سيما بعدما أباد انفجار 2750 طناً من نيترات الأمونيوم نصف مدينة بيروت، وتبيّن بعدها أن الجهات الرسمية، بدءاً من الرئيس ميشال عون ورئيس الحكومة المستقيل حسان دياب، وصولاً إلى وزراء النقل والأشغال المتعاقبين وإدارتي الجمارك والمرفأ، على علم بوجود المادة المتفجّرة في المرفأ منذ 6 سنوات.  

رصاص حي ومطاطي على متظاهرين وأطباء!

“سقطت القنابل المسيلة للدموع كالمطر على رؤوسنا منذ اللحظة الأولى… وبعد اقترابنا من فندق “لو غراي” بدأوا يرموننا بالرصاص الحي (الخردق) على مسافة قريبة (20 إلى 30 متراً) مصوّبين أسلحتهم على وجوهنا وأجسادنا…”، يقول إيلي (27 سنة)، وهو ناشط في تحركات بيروت منذ بداية الانتفاضة. 

إيلي، أحد المتظاهرين الذين أصيبوا بالرصاص

خرقت 20 شظية جسم إيلي ووجهه يوم السبت، وهو حتى الساعة يعاني من أثر الإصابة. يقول إيلي إن شباب فوج الإطفاء الذين أُرسلوا إلى التهلكة لإطفاء الحريق في المرفأ وقضوا هناك، هم أصدقاؤه، وهذا من الأسباب التي دفعته للنزول إلى الساحة. “لا كلام يصف حقدي عليهم”، يضيف.   

إيلي، المدرّس العاطل من العمل والساعي إلى الهجرة، هو واحد من 238 مصاباً، تعرّضوا لإصابات يوم السبت، وفقاً للصليب الأحمر اللبناني.

والسلطة لم تكتفِ بالاعتقالات والاستدعاءات، (استدعت 47 متظاهراً إلى المحكمة العسكرية أخيراً، بعدما قطعوا الطريق الساحلي واشتبكوا مع الجيش اللبناني منذ نحو شهرين). بل استخدمت أساليب العنف مع آلاف المحتجّين في تظاهرة حاشدة في وسط بيروت، تحت عنوان “يوم الحساب… علّقوا المشانق”، للمطالبة بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة بأكملها بعد الانفجار. وحاول متظاهرون التقدّم إلى المداخل المؤدية إلى البرلمان، حيث اشتبكوا وقوى الأمن، التي ردّت على رشقها بالحجارة برميهم بالرصاص الحي والرصاص المطاطي والغاز المسيّل للدموع. 

هذا عدا عن 7 جرحى تم نقلهم إلى مستشفيات المنطقة و38 مصاباً أسعفوا في مكان التظاهرة، يوم الاثنين بعد إعلان استقالة الحكومة.

محمود حبلي (21 سنة)، هو أحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال التظاهرة أيضاً. روى لـ”درج” أنه كان يصوّر فيديو لتوثيق اعتداءات القوى الأمنية على المتظاهرين عن مسافةٍ قريبة، حين أصابت قنبلة وجهه واحترق ساعده. 

يقول الطبيب المتخصص في جراحة الدماغ والأعصاب فريد بطيش لـ”درج”، إن “مجموعة متظاهرين في حالات حرجة وصلوا إلى مستشفى أوتيل ديو، وقد أصيبوا برصاص مطاطي ورصاص حي (خردق) عن مسافةٍ قريبة”. 

ويضيف، “أسعفت متظاهراً كان أصيب برصاصة قرب قلبه ولحسن حظّه نجا… لكن كُثراً فقدوا بصرهم بعد إصابتهم في عيونهم… وغيرهم استقرّ الرصاص في مناطق حساسة من أجسامهم ولم نستطع انتشالهم”.

يؤكّد فريد أن الرصاص المطاطي يمكن أن يقتل أو يتسبب بعطب دائم، مشيراً إلى أن القوى الأمنية استخدمته حتى على زملاء أطباء له ومسعفين في ساحة الشهداء. 

إذاً، بينما تبحث أم عن شيءٍ من أشلاء ابنها تحت أنقاض الركام في مرفأ بيروت، يلاحق الأمن من كسر صورة الرئيس، وتضرب السلطة بيدٍ من حديد كل من يطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفساد الذي انفجر في وجوه اللبنانيين، سواء كان مدنياً، أو حتى مسعفاً! 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني