fbpx

تعديل “قيصر” لتخفيف آثاره على السوريين وتشديدها على النظام!

هي إشكالية تنطوي على معضلة: كيف يمكن التوفيق بين الهدف السياسي من قانون "قيصر" الذي يفترض أن يعاقب النظام السوري على جرائمه ضد الإنسانية، وبين واقع هذا القانون الاقتصادي الذي يضيّق الخناق على الشعب السوري، فيصير محاصراً بكماشة بين "قيصر" والنظام؟

فيما تكافح سوريا لمواجهة انهيار غير مسبوق للعملة، أصبحت العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد مادة لنقاش محتدم. فقد شهد سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار انخفاضات قياسية، وهذا يُعزى بدرجة كبيرة إلى المخاوف من جولة جديدة من العقوبات الأميركية والأزمة المصرفية التي يواجهها لبنان. ولأن التقديرات تشير إلى أن ما يزيد على 80 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فإن التقلبات الاقتصادية الأخيرة ومعدل التضخم يهددان من دون شك قدرة السوريين العاديين على تحمل تكاليف السلع والمواد الأساسية الضرورية، هذا من دون احتساب التأثيرات الكارثية التي قد تترتب عن تفشي فايروس “كورونا”.

أرسلت مفاعيل قانون “قيصر”، والتي ركزت على قطاع العقارات، إشارات مخيفة إلى الشركات الأجنبية التي تفكر في الاستثمار في إعادة بناء سوريا. بينما أثارت المخاوف من التفشي المُحتمل لوباء “كوفيد-19” مناقشات جديدة بشأن دور العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، الأمر الذي شجع الحكومة السورية وحلفاءها الذين وجدوا الفرصة سانحة للدعوة إلى رفع العقوبات عن سوريا أو تعليقها موقتاً. إذ تزعم الحكومة السورية أن العقوبات هي المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الاقتصادي الذي يؤثر سلباً في المواطنين السوريين العاديين، كما أنها تُعرقل توفير الإغاثة الطبية والإنسانية الضرورية اللازمة لاحتواء فيروس كورونا.

لا جدال في أن القول إن العقوبات الاقتصادية لها بعض التأثيرات السلبية في الاقتصاد السوري بأسره وبالتالي في الشعب السوري ينطوي على شيء من الحقيقة. فضلاً عن ذلك، وكما أوضح أعضاء بارزون في الأوساط الإنسانية والطبية، فمن المؤكد أيضاً أن “المساعدات الإنسانية الاستثنائية” في أنظمة العقوبات تعوقها مسائل خطيرة يتعين التصدي لها على وجه السرعة. بيد أن الخطاب المناهض للعقوبات الذي يتبناه النظام وحلفاؤه مُضلل في نهاية المطاف، سواء من خلال المبالغة في تبسيط القضايا المعقدة التي تحول دون توزيع المساعدات على نحو يتسم بالكفاءة والإنصاف في جميع أنحاء سوريا، أو محاولة تجاهل المخاطر التي قد تترتب على تعليق العقوبات بالنسبة إلى الجهود الرامية إلى مراعاة حقوق الإنسان وتحقيق العدالة وتعزيز المساءلة في جرائم الحرب التي ارتُكبت في سوريا. والواقع أن الخطاب المناهض للعقوبات يتعمّد طمس حقيقة الدور الرئيس الذي تلعبه الحكومة السورية وحلفاؤها في استغلال المساعدات الإنسانية كورقة ضغط، وعرقلة وصول الإغاثات الطبية في الوقت المناسب، وتفاقم الأزمة المالية.

لن يؤدي رفع العقوبات بالضرورة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية والطبية الكافية لمواجهة جائحة “كوفيد-19″، بل على الأغلب لن يكون لذلك أيّ تأثير. تؤكد هذه الحقيقة أدلة قاطعة على أن الحكومة السورية وجهت وراقبت في الماضي مسار المساعدات واستخدمتها كسلاح، وتلاعبت بفعالية بجهود الإغاثة الإنسانية المقدّرة بمليارات الدولارات المقدمة من المانحين الدوليين لسوريا. وتناول تقريران صدرا العام الماضي عن مؤسسة “هيومن رايتس ووتش“، ومعهد “تشاتام هاوس” بالتفصيل نمط التلاعب بتدفق المساعدات الإنسانية الذي تتبناه الحكومة السورية لمعاقبة المواطنين الذين تعتبرهم معادين لها ومكافأة الموالين للحكومة، في حين تناولت الوثائق التي حصل عليها “المركز السوري للعدالة والمساءلة” كيف أدت أجهزة الاستخبارات السورية دوراً محورياً في  توجيه جهود المساعدات الإنسانية في سوريا ومراقبتها. لذا لا يمكن بأي حال تصور أن هذا النمط قد يتغير فقط بسبب تفشٍ محتمل لـ”كوفيد-19″. فضلاً عن ذلك، إذا ما عُلقت العقوبات موقتاً، سيظل المجتمع الدولي من دون أيّ نفوذٍ أو أيّ آلية تمكّنه من ضمان التوزيع العادل والمتساوي للمساعدات الطبية والإنسانية المخصصة لمواجهة “كوفيد-19” في جميع أرجاء سوريا، أو حتى أيّة قدرة على مراقبة عملية التوزيع.

لن يؤدي رفع العقوبات بالضرورة إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية والطبية الكافية لمواجهة جائحة “كوفيد-19″، بل على الأغلب لن يكون لذلك أيّ تأثير.

برهنت الحكومة السورية مراراً على افتقارها للمصداقية وعجزها أو بالأحرى عدم رغبتها في اتخاذ قرارات سياسية من شأنها منح الأولوية لصحة مواطنيها ورعايتهم اجتماعياً. والأمثلة التي تؤكد ذلك موجودة منذ عهد طويل ولا تزال مستمرة. على سبيل المثال، واصلت الحكومة السورية وحلفاؤها مهاجمة الأهداف المدنية بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمؤسسات الطبية حتى مطلع هذا العام، وهو ما يقوضّ صدقية مطالباتهم برفع العقوبات لمصلحة مجهودات الإغاثة.

وفي ظل عدم بذل أي مجهود لتحسين آلية توصيل المساعدات، لا يوجد أيّ أساس جدير بالثقة يدعم الرأي القائل إن رفع العقوبات قد تكون له نتائج إيجابية في ما يتعلق بتقديم المساعدات الطبية والإغاثية في سوريا. لكن على النقيض من ذلك، لدينا عقد كامل تقريباً مملوء بالأدلة التي تدعم بقوة الرأي المضاد.

صحيح أن الغاية القصوى للعقوبات تهدف بالفعل إلى إرغام الأنظمة على تغيير سياساتها، لكن الإخفاق في تحقيق تلك الغاية لا يجعلها عديمة الجدوى أو غير فعالة. بل على النقيض من ذلك، حتى في حال إخفاق العقوبات في الوصول إلى غايتها القصوى، فإن فرضها يكون بمثابة رادع قوي لانتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة التي يرتكبها النظام.

وتُعد العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر خير مثال على مدى فعالية العقوبات في حماية حقوق الإنسان، حتى في حال فشل نظام العقوبات ككل في إحداث تغيير جذري في السياسات. فمن خلال استهداف الأفراد والكيانات الأجنبية، خصوصاً حلفاء النظام السوري والمستثمرين المحتملين في عملية إعادة الإعمار، تساعد عقوبات قانون “قيصر” في منع إمكان انتفاع حلفاء النظام من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي. على سبيل المثال، يُقال إن القوات الروسية نفذت هجمات على ثلاث مؤسسات طبية ومدرسة وملجأ للأطفال في شمال غرب سوريا عام 2019، إضافة إلى أن موسكو أعلنت أخيراً انسحابها من نظام “الإبلاغ الإنساني” الذي تقوده اﻷمم المتحدة في سوريا بهدف حماية مراكز تقديم المساعدات الإنسانية مثل المستشفيات والمراكز الصحية  لهذا، سوف تمنع العقوبات الشركات والأفراد -لا سيما الذين ينتمون إلى بلدان متهمة بارتكاب جرائم حرب في سوريا- من الانتفاع والتربح من تلك الجرائم.

وفي حين قد تبدو عرقلة جهود إعادة الإعمار منافية للمنطق للوهلة الأولى، ينبغي ألا ينسى منتقدوها أن العقوبات مُعدة خصيصاً لاستهداف مشاريع إعادة الإعمار التي تشرف عليها الحكومة. وقد ركزت الجهود الحكومية لإعادة الإعمار على الاستثمارات المترفة المستجدة التي شيدتها نخبٌ تابعة للحكومة، والتي غالباً ما تكون على أراضٍ مُصادرة من سكانها بعد تهجيرهم او قتلهم. ولذلك، فإن العقوبات الرادعة التي تحول دون عمليات البناء التي تشرف عليها الحكومة قد تساهم في حماية أراضي من شردتهم الحرب قسراً وصون حقوق ملكيتهم.

كيف نوفّق إذاً؟ من الواضح أن نظام العقوبات الحالي يحتاج إلى تعديل وتحسين، خصوصاً في ظل تفشي “كوفيد-19″، والوضع الاقتصادي المتردي. ففي حين توفر أنظمة العقوبات “استثناءات خاصة” للعمل الإنساني، يبدو أن هذه الاستثناءات لا تؤتي ثمارها بشكل فعال على أرض الواقع. لذا يجب تعديل الاستثناءات الإنسانية بحيث تعالج المشكلات التي تواجهها باستمرار الجمعيات والشركات والمنظمات المستفيدة منها. على سبيل المثال، اقترحت الجمعيات الإنسانية والطبية التي تستخدم هذه الاستثناءات بشكل متكرر إصدار الجهات المصدرة للتراخيص مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية “خطابات طمأنة” توجه بشكل مباشر إلى المؤسسات المالية المعنية. ومن شأن التراخيص العامة المصحوبة بخطابات الطمأنة تهدئة مخاوف البنوك والمؤسسات المالية التي لا تفضل المجازفة عن طريق تقديم سبل حماية أميركية ملموسة من احتمالات التعرض للملاحقة القضائية في المستقبل بتهمة مخالفة العقوبات.

ثمة مشكلة أخرى تتعلق بجهود الإغاثة الطبية، وهي مشكلة السلع والخدمات ذات الاستخدام المزدوج مثل المواد الخام أو الأدوات التقنية التي يشيع استخدامها في المعدات الطبية والتي يمكن استخدامها أيضاً لأغراض عسكرية إجرامية خبيثة. تمثل هذه السلع، مثل أوكسيد النيتروس المستخدم للتخدير في المستشفيات ومنتجات الكلور المستخدمة في تنقية المياه والصرف الصحي وقطع الغيار الضرورية لأجهزة غسيل الكلى، مشكلةً للجمعيات الإنسانية والطبية التي تحاول استخدام الاستثناءات من العقوبات، إذ تؤدي إلى تأخر قبول طلبات التراخيص ومن ثم تفاقم نقص السلع والمعدات الأساسية. وهناك مشكلة ثالثة ناجمة عن العقوبات وهي تأثير تلك العقوبات في التحويلات المالية من أبناء سوريا المغتربين التي تشتد حاجة المواطنين السوريين العاديين داخل البلاد إليها، في ظل الأزمة المالية الراهنة.

صحيح أن الغاية القصوى للعقوبات تهدف بالفعل إلى إرغام الأنظمة على تغيير سياساتها، لكن الإخفاق في تحقيق تلك الغاية لا يجعلها عديمة الجدوى أو غير فعالة.

تساعد المعلومات والرسائل الواضحة والدقيقة والشاملة أيضاً في مواجهة آثار العقوبات السلبية على الشعب السوري. حالياً، هناك قصور في معرفة أنظمة العقوبات أو فهمها، بين أفراد الشعب السوري الذي تلقّى سيلاً من الأخبار المضللة والسرديات المسيّسة التي تنشرها حكومة الأسد. وقد تزايدت المخاوف وأوجه القلق المتعلقة بعقوبات “قيصر”، نتيجة نقص جهود الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي لتعزيز الوعي بالاستثناءات الإنسانية أو توضيح الآثار المتوقعة للعقوبات الجديدة. تساعد الإرشادات المصاغة خصيصاً على دحض المفاهيم الخاطئة عن العقوبات لدى الشعب السوري في تحسين التصورات عن العقوبات بشكل كبير وتهدئة المشاعر السلبية تجاهها.

من الضروري أن يظل “قيصر” مفعّلاً. فرفع العقوبات سيعرض حقوق الإنسان الأساسية للشعب السوري للخطر ويقوض من المساعي لتحقيق العدالة والمساءلة ويؤيد ضمنياً الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة والمتكررة للقانون الدولي. يمثل رفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع الحكومة السورية خيانة للأفراد وجماعات المجتمع المدني السورية، التي وثَّقت انتهاكات حقوق الإنسان وناضلت لتحقيق المساءلة، على رغم المخاطر الشخصية الجسيمة التي تعرضت لها على مدار الحرب. مع ذلك يجب الأخذ في الاعتبار أنه على رغم أن العقوبات ضرورية ومناسبة زمنياً ولها ما يبررها من تصرفات الحكومة السورية وحلفائها، لا تزال هناك حاجة إلى القيام بتعديلات أساسية لأنظمة العقوبات لتخفيف آثارها السلبية على الشعب السوري.

ينشر هذا التقرير بالتعاون مع مبادرة الإصلاح العربي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يتحتّم على أيّ حلّ يهدف إلى استمرار الحصول على الأدوية بأسعار معقولة أنْ يكفل إتاحتها لجميع الفئات السكّانيّة حتّى الذين لا تشملهم التغطية التأمينيّة، لا سِيَّما في ظلّ ارتفاع نسبة البطالة.
Play Video
مضى عامان على حادثة اغتيال رائد الفارس وزميله حمود جنيد، دون فتح تحقيقات أو إجراء محاكمة أو حتّى جمع أدلّة لتحديد هوية القتلة، رغم اشارت منظمات حقوقية إلى وقوف “هيئة تحرير الشام” خلف عملية الاغتيال هذه.

2:50

Play Video
للمودعين.. ولمصلحة من؟ تابعوا أرقام وتفاصيل أكثر مع أسعد ذبيان

1:52

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني