fbpx

انفجار بيروت: عن أصدقاء خسرنا وجوههم ومنازلهم

أشلاء المنازل تخلف في أصحابها حزناً يفوق الخسارة. هؤلاء هم نحن وليسوا حكايات تفطر القلوب على ما كانت تفطرها أشلاء حروب عادية انقضت. التجربة لا سابقة لها في هذه الذاكرة التي تعشعش الحروب فيها.

لرجل مثلي عاش حرباً أهلية امتدت على مدى 15 عاماً، وأكثر من ستة اجتياحات إسرائيلية، ومئات التفجيرات الكبرى والصغرى، وغطى الحروب في العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان وغزة واليمن، كانت صفعة 4 آب/ أغسطس في بيروت مختلفة تماماً، ليس من حيث قوة التفجير، فأنا كنت في لحظتها خارج بيروت، وعدت أعقابي إليها فور وصول خبر التفجير إلي. مختلفة لجهة اتساع رقعة المستهدفين، وعدد المصابين ممن أعرفهم عن قرب، وعدد الذين خسروا منازلهم من أقرب الناس إلي. الأعداد هائلة إلى حدٍ لا يسع المرء أن يحصيها. كثر ممن أعرفهم هُدمت منازلهم لم يتسن لي بعد التواصل معهم. لا أعرف أين هم. فقط أنهم ما زالوا على قيد الحياة. هذه المعلومة تكفي لتأجيل الاتصال بهم. كثيرون خجلون من أن يعلنوا أنهم أصيبوا. نايف صديقي أخرج التفجير “طبلة أذنه” من مكانها، وهو ينتظر دوره ليجري عملية جراحية لها. هذا الصديق قال لي حين اتصلت به: “أنا بخير وأقيم الآن في منزل أمي”. وحين عرفت من صديق ثالث حجم الجروح في وجهه، اتصلت به معاتباً فرد: “أنا نجوت وبعد أشهر أستعيد عافيتي، في محيط منزلي عشرات القتلى والجرحى”. 

شاركت في التظاهرة، وألقيت حجارة على القوى الأمنية، وركضت هارباً من القنابل المسيلة للدموع كأنني فتى لم يبلغ العشرين. لم أفرغ شيئاً من غضبي. يبدو أنني لم أكن حيال غضب. الصدع جوهري، وأعمق من أن يكون طاقة غضب يمكن تصريفها بتظاهرة. 

عشرات الأصدقاء تضرجوا بدمائهم، وهذا هو الجديد على مستوى اختبارات العنف الذي شهده المرء. فكيف لي أن أدير مشاعري، في وقت كيفما وليت وجهي ستلوح دماء صديق، أو منزل أمضينا فيه أوقاتاً دافئة صار ركاماً. رينا التي كانت أفردت بيتها الجميل لكثير من الحب ومن الزائرين ومن الغرباء، فقدت منزلها، وقُتلت قِططها. كيف لنا أن نعبر من ذلك الطريق المؤدي إلى منزل رينا، وأن نشيح بوجهونا إلى الحديقة التي تخفي العمارة التي يفوق عمرها 150 سنة؟ كيف لنا أن ننظر إلى وجهها؟ كان علينا أن نعرف أن ثمة رجلاً وضع قنبلة هائلة في المرفأ المجاور، وأن نحذرها، وهي كان عليها ألا تعود من رحلتها الأخيرة إلى نيويورك، حيث سرعان ما شرعت ترسل إلينا من هناك أشواقها وصورها.

الدمار أفقي، تماماً كما يظهر في الصور. الصور هذه المرة تشبه المشهد. والدمار أصاب منازل نعرف أهلها، وها نحن ومنذ خمسة أيام وإلى الآن نحاول إقناع أنفسنا بأن سكان منازل الأصدقاء بخير، وكل يوم نكتشف أنهم ليسوا بخير. أصدقاؤنا ليسوا بخير، وكذلك الناجون منهم ليسوا بخير. الـ”تروما” هي نزف عميق وقاتل أيضاً. وأشلاء المنازل تخلف في أصحابها حزناً يفوق الخسارة. هؤلاء هم نحن وليسوا حكايات تفطر القلوب على ما كانت تفطرها أشلاء حروب عادية انقضت. 

الدماء أقوى من ابتساماتهم في صور ما قبل الانفجار. من الصعب علينا وعليهم إزاحة فكرة الوجوه المدماة، وعلينا نحن من نجت وجوهنا أن نشيح بها، وأن نخجل منهم. هم الحقيقة، ونحن لسنا أكثر من مجرد أوهامٍ عن أناس يعتقدون أنهم نجوا من الانفجار الكبير. 

التجربة لا سابقة لها في هذه الذاكرة التي تعشعش الحروب فيها. ولهذا ما زلنا غير قادرين على الإحاطة بمشهد ما بعد الجريمة. ماذا سيكون حالنا بعد شهر مثلاً؟ لماذا يُرفع الركام؟ ما هي الخطوة بعدها؟ حين نستعيد وجوهنا المدماة، كيف سنصرف هذا الشفاء وهذا الوهم؟ وما الذي يؤكد لنا أن لا وجود لقنبلة أخرى في عنبر آخر؟ التقارير التي بحوزة الرئيس لا يُسمح لنا بالاطلاع عليها. هو اطلع عليها ولم يخبرنا. هذا ما قالته طفلة هي ابنة صديقتنا لأمها أثناء مطالبتها لها بضرورة الهجرة.

للمأساة صور وصور ما زلنا دون الإحاطة بها. كثيرون فقدوا ثقتهم بمنازلهم التي ما زالت قائمة، والتي لم تلحق بها أضرار كبيرة. انتقلوا من منازلهم إلى الجبل. “هذه المنازل لم تعد آمنة، والأولاد لا يشعرون بالأمان فيها”، قال لي جارنا جهاد الذي سرعان ما استأجر منزلاً في برمانا ونقل إليه عائلته، وهذا أيضاً ما فعلته عليا حين رفضت ابنتها البقاء في المنزل الذي اقتصرت الأضرار فيه على الزجاج. قالت لها ابنتها: “بعد اليوم من يضمن لك أن المبنى لن يسقط على رؤوسنا”.

ثم إن وجوه الأصدقاء المدماة والتي وصلتنا صورها، حلت فوراً محل صور وجوههم قبل الجريمة. الدماء أقوى من ابتساماتهم في صور ما قبل الانفجار. من الصعب علينا وعليهم إزاحة فكرة الوجوه المدماة، وعلينا نحن من نجت وجوهنا أن نشيح بها، وأن نخجل منهم. هم الحقيقة، ونحن لسنا أكثر من مجرد أوهامٍ عن أناس يعتقدون أنهم نجوا من الانفجار الكبير. 

هذا كله لم يرافق تجربتي مع الدماء الكثيرة في هذا الإقليم الذي ترسمه أنهار الدماء. هذا كله جديد علي، وأنا بدوري عاجز عن تصريفه. بالأمس توهمت أن التظاهرة يمكن أن تتولى تصريف الغضب. شاركت في التظاهرة، وألقيت حجارة على القوى الأمنية، وركضت هارباً من القنابل المسيلة للدموع كأنني فتى لم يبلغ العشرين. لم أفرغ شيئاً من غضبي. يبدو أنني لم أكن حيال غضب. الصدع جوهري، وأعمق من أن يكون طاقة غضب يمكن تصريفها بتظاهرة. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني