fbpx

من الرثاء للأمل: الثورة تولد من رحم الأحزان

انفجار الأسبوع الفائت ذكّر كل لبناني أنه ما من سبيلٍ لأمل إلا بنسف البناء السياسي القائم كله، أن الخلاص لا يمكن أن يكون أقل راديكالية من ذلك.

و عدتُ نفسي بالكتابة عن المأساة، بالرثاء علناً، لكن أما وقد عاد اللبنانيون إلى شوارعهم فوراء الفجيعة أمل. يوماً ما سيتذكر اللبنانيون أن كارثة الرابع من آب/اغسطس وقعت بعد أيامٍ من تغيير (أو تغييب) في قصيدة نزار قباني الشهيرة عن بيروت في أداءٍ فني بمناسبة عيد الجيش، إذ حُذفت جملة “إن الثورةَ تولدُ من رحم الأحزان”. 

سخر اللبنانيون بمرارة من هذا “التعديل” في وقت ظن “البيارتة” (كما يسمي أهل بيروت أنفسهم) أن جعبتهم من الأحزان قد مُلئت عن آخرها، وأن الهموم الثقال التي تكاتفت على لبنان قد وصلت أقصاها، لم يعرفوا أن كرباً عظيماً آتٍ، أن نارً ستحرق قلوبهم مهدرةً مئات الأرواح البريئة ومدمرةً حيواتهم قبل أن يوصلوا هم، عبر شوارع مدينتهم الثكلى، لهيبها لمن يستحقوا.

ما نحن إلا ما نتذكر ونعرف ونحب، وكم لي في بيروت من أصدقاء وذكريات. شهور قضيتها وشوارع مشيتها، ومكتبات أنفقت فيها ساعاتٍ وساعات. مشهد الانفجار وهو يكنس امامه الحياة بدا آتياً لي في القاهرة. في آخر زيارة لي لبيروت قبل عشرة أشهر شعرتُ أنني قد عدت إلى وطني في إجازة، لا العكس. 

إن كان فقدُ الأحبة غربة، كما يقال، فلبنان لم يشعرني يوماً إلا بالألفة، بل كان لي دوماً وطناً بعد الوطن. مشاعري المتناقضة تجاه بيروت كمدينة، كمساحة مبنيةٍ مكتظة ملأى بالشوارع الضيقة والرطوبة الخانقة في الصيف، لم تغير من ذلك شيئاً، فالمدينة تربطني بها علاقة “حب-كراهية” كما يقول التعبير الإنجليزي الشائع (وهذا لا يختلف كثيراً عن شعوري تجاه مدينتي الأم: القاهرة). الأصدقاء أقوى ما ربطني ببيروت. هنا مساحةَ الحرية الفكرية كانت دوماً أوسع مما عرفت في مصر، بل هي الأوسع في أي بلدٍ عربي، وفي الحرية وجدت أصدقاء عمر ورفاق فكر. يمكنني أن أكتب سطوراً كثيرة عمن عرفت وأعرف في لبنان (رحم الله من تركنا) وأي أثرٍ تركوا فيّ حتى قبل أن أقابلهم إذ عرفت بعضهم كتاباً قبل أن يحتضنوني صديقاً. 

ومثلما يختصر لبنان في جسده الصغير أوجاع وآلام هذه المنطقة جميعاً، في سعي أبنائه لخلاصهم، سيفتحوا لنا جميعاً أبواباً وسُبلاً.  حقاً: الثورة تولد من رحم الأحزان. 

“جنة بلا ناس ما تنداس”، هكذا يقول مثل مصري، وفيمن عرفت من “ناس” بيروت وجدت الأهل الكرام والسهل الأخضر الرحب، حتى بدت فوضى المدينة معماراً وزحاماً جمالاً في عيني. لهذا وغيره رأيت الانفجار آتياً لي، جامعاً إياي بمن قتل وشرّد وجرح.

عشت في بيروت طرّفاً من أيامها الوحشية. لولا أن دق بابي يومها، دون موعدٍ مسبق، صديقٌ دعاني للغذاء معه، لربما كنت أحد ضحايا اغتيال رفيق الحريري  قبل خمسة عشر عاماً، إذ كانت خطة يومي الأصلية السير لوسط المدينة عبر واجهتها البحرية. وُضع للحريري أقل من طنين من الـ TNT، هزت قلب بيروت وأتت على عشرين حياة، عدا الجرحى والخسائر. ما جرى يوم 4 آب/اغسطس  من انفجار 2750 طناً من نترات الأمونيوم عادل، حسب البعض، 1200 طن من الـ TNT، أي أقوى أكثر من ستمائة مرة من الانفجار الذي قتل رئيس وزراء لبنان الأسبق، الذي أذكر يوم اغتياله المشؤوم كما لو كان بالأمس. اذكر الاتصال بأصدقاء، خاصةً بضاحية بيروت الجنوبية، للاطمئنان عليهم بعد غاراتٍ إسرائيلية متكررة، واذكر واذكر واذكر …

لكن يوم الثلاثاء 4 آب/اغسطس لم يكن فقط مرعباً بشعاً، بل كان عبثياً، ومن ثم كان الإجرام مجسداً في أكثر صوره فجوراً. هذه الكارثة كان سهلاً للغاية منعها.لم تُمنع، بل، في استخفاف مفجع بأرواح البشر، حوفظ على احتمال وقوعها لأسبابٍ ربما لن نعرفها كلها أبداً. لكن الصورة الكلية واضحةٌ تماماً، وهي تحديداً ما نزل اللبنانيون للشوارع الخريف الماضي ضده. انفجار الأسبوع الفائت ذكّر كل لبناني أنه ما من سبيلٍ لأمل إلا بنسف البناء السياسي القائم كله، أن الخلاص لا يمكن أن يكون أقل راديكالية من ذلك. ومثلما يختصر لبنان في جسده الصغير أوجاع وآلام هذه المنطقة جميعاً، في سعي أبنائه لخلاصهم، سيفتحوا لنا جميعاً أبواباً وسُبلاً. 

حقاً: الثورة تولد من رحم الأحزان. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
٤ أشهر على جريمة ٤ آب، والسلطة تمعن في اذلال المعوّقين واهمال أبسط احتياجاتهم، تابعوا رسالة سيلفانا اللقيس…

6:58

Play Video
حقق النادي العلماني في الجامعة اليسوعية انتصاراً غير مسبوق تمكن من الفوز بجميع رئاسات الهيئات ​الطالبية للكليات الـ12 التي شارك في ​انتخاباتها.

2:05

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني