fbpx

عن رياض قبيسي الذي استطاع حلّ لغز “جزيرة الكنز”!

أكثر من 150 شخصاً ماتوا من أجل صندوق. على الغالب يسمعها رياض في رأسه مذ انفجر العنبر رقم 12 في المرفأ. تتردد العبارة في رأسه بصوت وحيد جلال. ولا يضحك رياض. لا يبتسم. بل يغضب. يغضب وينفصل.

رياض قبيسي صحافي استقصائي لبناني، عمل منذ سنوات على تحقيقات كشفت قضايا فساد في مرفأ بيروت، وتحديداً تورط مدير الجمارك بدري ضاهر، أحد الموقوفين والمشتبه بهم في ملف انفجار مرفأ بيروت.  لم تؤخذ كشوفات قبيسي عبر قناة “الجديد” حينها بجدية وتمت ملاحقته قضائياً.اليوم تبين أن ما كشفه قبل سنوات كان أول جرس انذار للجريمة الكبرى التي حصلت.  هنا شهادة شخصية …

رياض قبيسي

قد تضطر أن تناديه أكثر من مرة حتى يلتفت إليك. وقد تضطر أحياناً إلى الصراخ، أو إلى النهوض من مكانك وتهزّه بيدك حتى ينتبه. حينما يكون منكباً على التفكير في تفاصيل مرتبطة بعمله، ينفصل رياض قبيسي عن محيطه بشكل كامل. وهذه حالة قد تجد رياض بها في العمل، كما في البيت، أو الشارع أو السيارة، أو حتى في المصعد. قد تفتح باب المصعد لتجده هناك يفكر، فتلقي عليه التحية، ولا يردّها. لا يسمعك ولا ينتبه إليك، وغالباً ما يتسبب هذا الأمر بإحراجات لرياض، يحاول بإرتباك أن يتداركها، بعد أن ينتبه. هذه الحالة غالباً ما كانت تذهب بكثيرين من معارفه في العمل والحياة عموماً، إلى وصفه بالـ”متوحّد”. والتوحّد الذي كان يُحتسب، ولا يزال من كثيرين، كاضطراب سلوكي وعقلي بدل أن يحتسب تفوقاً وتميّزاً، ما كان ليزعج رياض أبداً. بل إنه يقابل هذا الوصف دائماً بابتسامة خجولة، أو بضحكة طفل صغير. ولرياض لمن يعرفه عن قرب، ضحكة لم تغادر طفولته أبداً. وهي ذاتها على الغالب كان يطلقها حينما يشاهد “جزيرة الكنز” أو “جونغر” أو “الكابتن رابح”، وهي نفسها التي تخرج كقنبلة فرح مخصّب حينما يقلّد بصوته الصائب أصوات الشخصيات التي دبلجت الشخصيات الأساسية من هذه المسلسلات، خصوصاً شخصية القرصان سيلفر في “جزيرة الكنز”: “خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق”، ثم يقهقه مقلّداً صوت الممثل وحيد جلال. 

بإصرار يشبه إصرار القرصان سيلفر، وبشجاعة تشبه بطولة جونغار، وبدقّة تشبه تسديدات الكابتن رابح. يسجل رياض الهدف في النهاية. تستقر طابته في شباك السلطة، ويرى الناس ما كانوا يظنونه مستحيلاً يتحقق. ليست الرسوم المتحركة مجرد وهم، ولا مجرّد تخيلات طفولية. يحاول رياض دائماً أن يثبت العكس. أن يثبت أن الأبطال الخارقين موجودون، ليس في عضلاتهم، بل في عقولهم وإرادتهم القادرة على المستحيل. 

\

ضحكة رياض لا تخرج على الهواء. قلّما تراه يضحك أمام الكاميرا. وقلّما يخرج ذلك الطفل الساكن داخله إلى العلن خلال النقل المباشر، أو خلال تصوير التحقيقات الاستقصائية، مع أن الرحلة إلى التصوير، والتحضيرات له وعمليات البحث والاستقصاء والتدقيق لم تكن لتخلو في الكواليس من ضحكات ومزاح وفرح. وهو يقدر، بالسليقة، أن يُخرج الطفل الذي فيه في معرض الانهماك في الملفات، لمعرفته بأن الفريق الذي يعمل معه بحاجة إلى فسحات من الترفيه في فترات الضغط الشديد الذي يكابده، خصوصاً قبل عرض الحلقات الاستقصائية الطويلة التي تحتاج إلى وقت طويل من التحضير والتوليف والصياغة، فضلاً عن الوقت المضني الذي يصرفه رياض مع فريقه في التدقيق وإعادة التدقيق في المعلومات كافة، لأن رياض لا يقبل الخطأ لا على نفسه ولا على فريقه. وهذه سمة أخرى تُدخل رياض في موجات الانفصال آنفة الذكر، ولا يخرج منها إلا بعد أن يطمئن إلى تأكيد دقّة معلوماته. ويمكن هنا أن يرفع رأسه من تحت ماء تركيزه وهو يبتسم، مرتاحاً إلى النتائج التي حققها، فتعرف، إذا كنت معتاداً العمل معه، أنه الوقت المناسب لخوض نقاش أو فتح حديث أو رمي سؤال. 

ولأن ضحكة رياض قلّما تظهر أمام الكاميرا، فإنه غالباً ما يعطي انطباعاً لدى كثيرين بأنه متكبّر و”شايف حاله”، وهذه الأخيرة دقيقة لكن ليس بالمعنى المتعارف عليه. فرياض من الأشخاص الذين يرون إلى أنفسهم جيداً، خصوصاً في العمل الصحافي. فيضع نفسه أمام مرآة التدقيق في الانعكاس، ليسقط من الأصل ما يراه من أخطاء، ويعمل على تصويبها. وفي خلال هذه الرؤية الذاتية النقدية من خلال “شوفة الحال”، تبدو للمتلقي أنها تكبّر وغرور وقد يجد فيها البعض عنجهية غير مبررة. ولا بدّ أن هذا الصراع بين رياض وصورته يولّد لدى كثيرين شعوراً بنرجسية يظنون أنها ستقتل الأصل والانعكاس في النهاية.

لكن رياض يخرج دائماً منتصراً على انعكاسه، ويعرف تماماً كيف يستخدم الانعكاس في عدسات الكاميرات، لكي يصل باستفزازه إلى الجميع، محبين وكارهين. وهذا أسلوب طفولي، يتكّل عليه رياض، كولد مشاكس، لكي يحصل على ما يريد. وما يريده رياض لم يكن يوماً استفادة ذاتية، او منفعة، بل كان طوال الوقت يلعب اللعبة بين المصلحة العامة وبين الأنا الذاتية الداخلية. يشحن أناه بغضب طفولي، ويخرج به مع اجتهاد وعناد وصبر وانهماك وتعب، ليفجره على الهواء تفجيراً موجّهاً، فيصيب بعصفه من يجب أن يصيبه، وقد يكسر زجاجاً هنا أو يخلع باباً هناك، لدى بعض المشاهدين الذين لا يحتملون أسلوبه في التقديم والمواجهة. لكن المنزعجين من شخصية رياض وطريقته، سرعان ما ينتبهون إلى أن الاعلامي الذين رأوا فيه طفلاً سمجاً، استطاع أن يحلّ لغز “جزيرة الكنز”، الذي عجز عن حله الجميع. 

أكثر من 150 رجلاً ماتوا من أجل صندوق. على الغالب يسمعها رياض في رأسه مذ انفجر العنبر رقم 12 في المرفأ. تتردد العبارة في رأسه بصوت وحيد جلال. ولا يضحك رياض. لا يبتسم. بل يغضب. يغضب وينفصل. ينكبّ على الملفات والأوراق والمصادر والاتصالات. لا يمكن ان يلتفت إليك إذا ناديته. ولا إذا رفعت صوتك. ولا حتى إذا حركته بيدك. لن يعود من انفصاله، إلا بعد أن يخرج بنتيجة، تكشف له المسؤول عن موت 150 شخصاً من أجل صندوق أسود. لا يعود من انفصاله التام، إلا بعد أن يفتح الصندوق ليعرف ما في داخله من أسرار عصية على الجميع. فيخرجها كلها، بشغف طفل يخرج ألعابه، وبإصرار يشبه إصرار القرصان سيلفر، وبشجاعة تشبه بطولة جونغار، وبدقّة تشبه تسديدات الكابتن رابح. يسجل رياض الهدف في النهاية. تستقر طابته في شباك السلطة، ويرى الناس ما كانوا يظنونه مستحيلاً يتحقق. ليست الرسوم المتحركة مجرد وهم، ولا مجرّد تخيلات طفولية. يحاول رياض دائماً أن يثبت العكس. أن يثبت أن الأبطال الخارقين موجودون، ليس في عضلاتهم، بل في عقولهم وإرادتهم القادرة على المستحيل. 

بعد أن يخرج رياض من انفصاله عن محيطه، منتصراً للمصلحة العامة، ينظر إلى فريق عمله، ويقول لهم بصوت وحيد جلال متقمصاً شخصية سيلفر: “هيا يا رجال!”. ثم يقهقه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني