fbpx

المسؤوليّة عن انفجار بيروت بدأت منذ رسو سفينة معطوبة وعاثرة

مثّلت هذه السفينة وشحنتها القاتلة، قصّةً قاتمة حول كيف مهّدت الصراعات القانونيّة والنزاعات الماليّة والإهمال الشديد، على ما يبدو، الطريقَ لوقوع مثل هذا الحادث المروِّع الذي دمَّر إحدى أروع مدن الشرق الأوسط وأقربها إلى القلوب.

القاهرة — بدأ العدّ التنازليّ لوقوع الكارثة في بيروت منذ أكثر من 6 سنوات مضت، حين توقّفت في ميناء المدينة – من دون موعد- سفينةُ شحنٍ عاثرة ومعطوبة يستأجرها روس.

كانت على السفينة ديون متأخّرة، وكان على متنها بحّارة مستاؤون من الأوضاع، وكان هيكلها مثقوباً ثقباً صغيراً؛ الأمر الذي كان يعني تسرّب المياه والاضطرار إلى ضخّها خارج السفينة باستمرار. كانت السفينة تحمل شحنة قابلة للانفجار، وهي أكثر من ألفي طن (يُقال 2750 طنّاً) من نيترات الأمونيوم، وهي مادّة قابلة للاشتعال تُستخدَم في صنع الأسمدة (والقنابل). وكانت الشحنة متّجهة إلى موزمبيق.

لم تصل السفينة روسوس إلى وجهتها. فبعدما تورَّطت في أزمة ماليّة وديبلوماسيّة، تخلّى عنها مستأجرها رجل الأعمال الروسيّ. أمّا شحنة نيترات الأمونيوم فقد نُقِلت إلى أحد مستودعات مرفأ بيروت، حيث ظلّت هناك لسنوات، إلى يوم الثلاثاء الماضي حين انفجرَت كما قال مسؤولون لبنانيّون؛ مسببةً موجة تضاغطيّة أدت إلى مقتل أكثر من 130 شخصاً وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين.

مثّلت هذه السفينة وشحنتها القاتلة، التي ظهرت حكايتها في إفاداتٍ من لبنان وروسيا وأوكرانيا، قصّةً قاتمة حول كيف مهّدت الصراعات القانونيّة والنزاعات الماليّة والإهمال الشديد، على ما يبدو، الطريقَ لوقوع مثل هذا الحادث المروِّع الذي دمَّر إحدى أروع مدن الشرق الأوسط وأقربها إلى القلوب.

“أُصِبتُ بالهلع”. كان هذا تعليق بوريس بروكوشيف، قبطان السفينة الروسيّ المتقاعد الذي يبلغ من العمر 70 سنة، على الحادث خلال مقابلة هاتفيّة من منتجع سوتشي الروسيّ على ضفاف البحر الأسود، وهو منتجع على امتداد الساحل الذي بدأت منه شحنة نيترات الأمونيوم رحلتها حتّى استقرّت في مرفأ بيروت عام 2013.

في لبنان، ينصبّ الغضب الشعبيّ على إهمال السلطات التي كانت على علمٍ بالخطورة التي مثّلها تخزين 2750 طنّاً من نيترات الأمونيوم في مستودعٍ على رصيف مرفأ بيروت، من دون أن تتّخذ أيّ خطوة حيالها.

وقد أرسل مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة الجمارك إلى القضاء اللبنانيّ 6 مرات على الأقلّ، منذ 2014 إلى 2017، يطلبون توجيهاته حول كيفيّة التصرّف في شحنة نيترات الأمونيوم؛ وفقاً للسجّلات العموميّة التي نشَرَها على وسائل التواصل الاجتماعيّ المحامي اللبنانيّ سليم عون.

كتب شفيق مرعي، مدير إدارة الجمارك اللبنانيّة، في أيار/ مايو 2016 قائلاً “وبالنظر للخطورة الشديدة التي يسبِّبها بقاءُ هذه البضائع في المخزن في ظلّ ظروف مناخيّة غير ملائمة، فإنّنا نعود لنؤكّد طلبنا التفضّل بمطالبة الوكالة البحريّة بإعادة تصدير هذه البضائع بصورة فوريّة إلى الخارج”.

اقترح مسؤولو الجمارك عدداً من الحلول، منها التبرّع بالشحنة إلى الجيش اللبنانيّ أو بيعها إلى شركة خاصّة هي الشركة اللبنانيّة للمتفجّرات. وأرسل مرعي خطاباً ثانياً مشابهاً بعد عامٍ من خطاب 2016. لم تردّ الجهات القضائيّة على أيٍّ من مناشداته، كما تشير السجّلات العموميّة.

لم نستطع يوم الكارثة، التواصل مع المسؤولين القضائيّين في لبنان للتعليق على هذا.

وصلت السفينة روسوس، التي كانت تحمل علم مولدوفا، إلى ميناء بيروت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، بعد شهرين من انطلاقها من ميناء باطوم في جورجيا على البحر الأسود. كانت السفينة مستأجَرة من رجل الأعمال الروسيّ المقيم في قبرص إيغور غريتشوشكين.

انضمّ بوريس بروكوشيف، قبطان السفينة، إليها في تركيا بعدما تمرّد الطاقم السابق بسبب عدم دفع أجورهم. وقال القبطان إنّ مستأجِر السفينة غريتشوشكين تلقّى مليونَ دولار لينقل شحنة نيترات الأمونيوم عالية الكثافة إلى ميناء بيرا في موزمبيق.

كانت شحنة نيترات الأمونيوم قد اشتراها بنك موزمبيق الدوليّ لمصلحة شركة “فابريكا دي إكسبلوسيفوس دي موزامبيق” (Fábrica de Explosivos de Moçambique)، وهي شركة تقوم بتصنيع المتفجّرات التجاريّة، وفق ما أوردَت شركة بارودي وشركاه، وهي شركة محاماة لبنانيّة تمثّل طاقم السفينة؛ وجاء ذلك في بيانٍ لها.

وأخبَرَ غريتشوشكين، الذي كان في قبرص حينها ويتواصل هاتفيّاً، القبطانَ أنّه ليس لديه ما يكفي من المال لدفع تكاليف المرور عبر قناة السويس. ولهذا أرسل السفينةَ إلى بيروت لكي تستطيع كسب بعض الأموال عبر قيامها بنقل شحنة إضافيّة من الآليات الثقيلة.

أضاف القبطان أنّها حين وصلت بيروت، وجدوا أنّ السفينة -التي يبلغ عمرها نحو 30 إلى 40 عاماً- لم تسع الآليّات الثقيلة. حينها رأى المسؤولون اللبنانيّون أنّ السفينة ليست صالحة للإبحار، واحتجزوها بسبب التخلّف عن دفع رسوم الإرساء وغيرها من المصاريف. وعندما حاول مُورِّدو السفينة التواصل مع السيد غريتشوشكين لدفع تكاليف الوقود والطعام وغيره من اللوازم، لم يتكّمنوا من الوصول إليه، وبدا بوضوحٍ أنّه ترك السفينة التي استأجرها.

ألقى بروكوشيف، الذي يقول إنّه ما يزال مَدِيناً بأجور تصل إلى 60 ألف دولار، باللوم على غريتشوشكين والمسؤولين اللبنانيّين الذين أصرّوا على احتجاز السفينة، ثُمّ على تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ “بدلاً من نشرها في الحقول”. وأضاف: “كان بإمكانهم الحصول على محاصيل جيّدة للغاية بدلاً من الانفجار الضخم”.

عاد 6 أفراد من طاقم السفينة إلى وطنهم، لكنّ المسؤولين اللبنانيّين ألزموا القبطان وثلاثة أوكرانيّين من طاقم السفينة بالبقاء على متنها حتّى تسوية مسألة الدَين. بيد أنّ القيود اللبنانيّة المفروضة على الهجرة منعَت الطاقم من مغادرة السفينة، ما جعله يعاني في سبيل الحصول على الطعام وغيره من المستلزمات، وفقاً لأقوال محاميهم.

وصرّح السيد بروكوشيف، قبطان السفينة، أنّ مسؤولي الميناء اللبنانيّين أشفَقوا على طاقم السفينة الجائع، وقدَّموا لهم طعاماً. بيد أنّهم لم يهتّموا إطلاقاً بالشحنة بالغة الخطورة على متن السفينة. وقال: “لم يُريدوا سوى استعادة المال الذين نَدِين به لهم”.

أثارت محنة طاقم السفينة الاهتمامَ في أوكرانيا، موطِن أفراد الطاقم؛ إذ وصفت التقارير الإخباريّة أفرادَ الطاقم العالقِ بأنّهم “رهائن” على متن سفينة تمّ التخلّي عنها.

ناشد قبطانُ السفينة، الروسيُّ، سفارةَ بلاده في لبنان طالباً العون، ولكنه لم يحصل إلا على تعليقات مقتضَبة، من قَبيل “هل تتوقّع من الرئيس بوتين أن يرسل إليك قوّات خاصّة لإعادتك”، على حدِّ قوله.

وفقاً لبيان شركة المحاماة التي استعان بها القبطان بروكوشيف، فإنّه باع -في محاولةٍ مستميتة- كمّيّةً من وقود السفينة، واستخدم عائداتها لتوكيل فريق من المحامين الذين حذّروا السلطات اللبنانيّة من أنّ السفينة معرَّضة لخطر “الغرق أو الانفجار في أيّ لحظة”.

أمرَ قاضٍ لبنانيّ بالإفراج عن طاقم السفينة لدواعي الرأفة في آب 2014، وهنا ظهر غريتشوشكين مجدَّداً ليدفع تكاليف إعادتهم إلى أوكرانيا.

تعذّر الوصول إلى غريتشوشكين للتعليق، بعد الحادثة.

بمغادرة الطاقم لبنانَ، وقعت مسؤوليّة الشحنة الخطيرة في هذه السفينة على عاتق السلطات اللبنانيّة، التي نقلتها إلى منشأة للتخزين هي العنبر رقم 12 من عنابر مرفأ بيروت، حيث ظلّت الشحنة هناك حتّى انفجارها.

يَنتُج عن نيترات الأمونيوم عند مزجها بالوقود مادّة شديدة الانفجار يشيع استخدامها في أعمال الإنشاءات والتعدين، بيد أنّها تُستخدَم أيضاً في صناعة العبوات الناسفة التي يزرعها الإرهابيّون، مثل تيموثي ماكفي منفِّذ تفجير أوكلاهوما عام 1995 ومقاتلي تنظيم “الدولة الإسلاميّة”.

يخضع بيع نيترات الأمونيوم في الولايات المتحدة الأميركيّة للرقابة والتنظيم من الحكومة، وتشترط دول أوروبيّة كثيرة مَزجَ نيترات الأمونيوم بمواد أخرى لتخفيف تركّزها وخطورتها.

صرَّح حسن قريطم، المدير العام لمرفأ بيروت، في مقابلة له بأنّ مسؤولي الجمارك والأمن قدَّموا طلباتٍ متكرِّرة إلى محاكم لبنان لنقل هذه المادّة القابلة للانفجار بعيداً، “لكن لم يحدث شيء؛ فقد قيل لنا إنّ الشحنة ستُباع في مزاد، لكن هذا المزاد لم يحدث قطّ، ولم تتّخذ السلطة القضائيّة أيَّ إجراء”.

وقال قريطم، المسؤول عن المرفأ منذ 17 عاماً، إنّه حين سمع صوتَ الانفجار، ظنَّ أنّ مصدرَه غارة جوّيّة. فلم تكن لديه “أيّ فكرة” عمّا سبَّب الحريقَ الأول في منشأة التخزين الذي سبق الانفجار الهائل والأكبر بمراحل من الحريق الأول. وتوفّي أربعة من موظّفيه جرّاء الانفجار. وأضاف، “هذا ليس وقت توجيه اللوم، فلدينا كارثة وطنيّة”.

لكن بالنسبة إلى الكثير من اللبنانيّين، ليست هذه القصة التي تكمُن خلف الحادث سوى دليل آخر على مشكلة مُزمِنة تتمثّل في سوء إدارة الطبقة الحاكمة التي قادت البلاد نحو أزمة اقتصاديّة طاحنة هذا العام.

ألقى بروكوشيف، الذي يقول إنّه ما يزال مَدِيناً بأجور تصل إلى 60 ألف دولار، باللوم على غريتشوشكين والمسؤولين اللبنانيّين الذين أصرّوا على احتجاز السفينة، ثُمّ على تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ “بدلاً من نشرها في الحقول”.

وأضاف: “كان بإمكانهم الحصول على محاصيل جيّدة للغاية بدلاً من الانفجار الضخم”.

وبالنسبة إلى السفينة روسوس، كان بروكوشيف سمِع من أصدقائه أنّها أبحرَت إلى بيروت وأنّها غرقت في الميناء عام 2015 أو 2016 بعد امتلاء سطحها بالماء؛ والأمر الوحيد الذي أدهشه لدى سماع الخبر هو أنّ السفينة ظلّت على سطح البحر ولم تغرق في وقت سابق.

  • ديكلان وولش وأندرو هيغينز
  • هذا المقال مترجم عن nytinmes.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
الأمر الوحيد الذي بقي أمام من يسعى إلى تخيل “ما بعد لبنان” هو أن يغادر اللبنانيون كلهم هذه المساحة بقوارب صغيرة وكبيرة، وأن ينجو بعضهم ويموت بعضهم الآخر، وهذا ما يحصل عملياً، وفي هذا الوقت سيكون سهلاً على الثنائي الشيعي أن يفوز بوزارة المالية…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني