انفجار بيروت: أموات داخل أجساد حيّة

داخل أقرب مجمّع تجاريّ لمكان الانفجار، فيما كنت أتبضع لبيتي الصغير الذي أجهزه كي أتزوج حبيبتي، سقط قلبي ومعه قلوب من هم هناك وجمعنا الصراخ والخوف والذعر.

وعلى رغم سرعة الحدث، إلا أنني شاهدت كل شيء وكأن حركة النكبة كانت بطيئة. بقيت أجاهد مانعاً نفسي من البكاء حتى أصبحت وحيداً.
في يوم أقل من عادي يساورني فيه قلق الاستقرار المادي والمعنوي والمهني من جهة، وخوف على عائلتي وشريكة حياتي، استوقفني انفجار بيروت سارقاً مني الدهشة والشعور والرغبة والطعم والنفس ولم يترك لي سوى رعشة الخوف.

هنا لن تجدوا مقالاً سياسياً أو اتهاماً لحزب أو تعليقاً على محتوى إعلامي متعلق بالانفجار. هنا لحظة الانفجار وجوابي الوحيد، ليتني لم أكن حيثما كنت!

هناك من اغتالنا عن سابق إصرار وترصد وهو أشد بطشاً من “العدو الإسرائيلي”، إنهم حكام هذا البلد.

غرزت أصابعي بأيدي خطيبتي وهرعنا نركض، فيما كان سقف المركز التجاري ينهار علينا حتى وصلنا إلى طبقات تحت الأرض مخصصة لمواقف السيارات. تحت الأرض تشبثت امرأة بي وطلبت أن ارافقها إلى سيارتها، وأجهشت بالبكاء خائفة على توأميها. امرأة أخرى حامل اختفى لون بشرتها وهي تركض أمامي ولم أقوَ على مناداتها لكي أساعدها.

الدخان المتصاعد والمشاهد الدموية والسيارات المعطلة في نصف الطريق وكأننا في فيلم هوليوودي، نساء وأطفال بثياب ممزقة ووجوههم ممتلئة بالدم، ووجوه سكنتها الصدمة وجراح وزجاج استوطنت وجوه المدنيين، هنا تشيرنوبل. ناس يتبادلون أحاديث الرعب، شخص ما يجلس على حافة الطريق من دون حركة أو كلمة، ذعر رجال الأمن والإطفاء والصليب الأحمر وصوت الإسعافات، وصوت السيارات التي تدوس الزجاج وواجهات المحلات والمباني. من دون أي مبالغة والصور شاهدة، على امتداد الخط البحري للواجهة البحرية لبيروت، لم يعد أي مبنى سليماً. 

على الراديو تُسمع جمل استفزازية من نوع أن السياسي فلان بخير وليس هناك استهداف سياسي، في وسط بيروت، أحقر ما يمكن سماعه أمام الدم والغبار الذي أمامي. سياسي يقول “أنا بخير”، وأب في الشارع يركض بطفله الميت، سياسي يعلق على ما حصل وأم لا تقوى على الوقوف، تصريح سياسي تافه وعمال في الأرض جثث هامدة. 

الليل الذي سرق نومنا ودموعنا التي رافقت نفسنا من دون انقطاع وأحاديث الليل مع العائلة والأصدقاء والزملاء لا تختصرها غصة أو ندبة، لا بل تحتاج أكثر من علاج نفسي. نحن أبناء هذه النكبة لا ننسى ولن نسامح، وسنحتاج أكثر من ذاكرة بشرية لحفظ مأساتنا، على الأقل ستحفظها شوارع المدينة.
جثث هامدة افترشت ما كان يسمى مرفأ بيروت، جثث تلاشت كالغبار، جثث في أعماق البحر وجثث طارت إلى المناطق المجاورة. غريب كيف أصبحنا نسمع بالموت صامتين لا مبالين… كلا لسنا لا مبالين لكن لم يعد بمقدورنا وصف الشعور. توقف الشعور وتخدرت نبضات القلب، ربما تحولنا جماداً من شدة يأسنا.

خرجنا بسيارة خطيبتي الى الشارع العام، وهنا المشاهد التي لن تكفي أي كلمات لوصفها. كنا داخل السيارة في طريقنا نحو بيروت، رأيت ما لم أكن أتمنى يوماً رؤيته، حجم الدمار أمام عيني، يمكن اختصاره بـ”لو قصفت إسرائيل لكانت النتيجة أقل ضرراً”.

هناك من اغتالنا عن سابق إصرار وترصد وهو أشد بطشاً من “العدو الإسرائيلي”، إنهم حكام هذا البلد. بدأت البطولات السياسية، رئيس الحكومة يرفع العلم اللبناني عن الأرض! للأمانة شتم هذه الجمهورية برؤسائها ونوابها ووزرائها قليل جداً. وسائل إعلام تستضيف مرتكبي هذا الجرم ويفتح الهواء لهم ليعلقوا على جثث الناس في مسرح الجريمة. طفل يصرخ في أحد الفيديوات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي يقول، “أبي لا أريد أن أموت”، الأب يمسك بطفله ويقول له “لن تموت” ونشعر بقوة الدفع التي أوقعت الطفل وأباه تحت واجهة الزجاج في المنزل، مذعورين محاولين الاطمئنان على من في البيت. 

أصوات كنس الركام لم تتوقف حتى كتابة هذه المادة. وعناصر الأمن في الطريق لا شيء آخر. الناس صنعوا من جلدهم صفحات لتاريخ هذا البلد، صنعوا من لحمهم ودمهم مستقبلاً لأطفالهم وأتت السلطة الحاكمة وقتلتنا. نحن جثث في أجسادنا الحية، لا شيء آخر. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
رامي الأمين – صحافي لبناني
لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية.
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني