fbpx

لبنان: سرقوا الأغنية بعدما سرقوا الودائع

لبنان كما نعرفه انتهى. المكابرة لن تغير هذه الحقيقة. الأحزان لم تعد كافية. حتى الخوف لم يعد يجدي نفعاً. وقاحة المنظومة الحاكمة لا قعر لها وجرائم أركانها لن تنتهي. أخذوا ما أخذوه ولن يتركو لنا شيئاً. حتى الكلمات في أغانينا ها هم يسرقونها.

مع كل ما يحصل في لبنان، هناك شخص ما في موقع المسؤولية، اتخذ قراراً عبقرياً بالسطو على أغنية “يا بيروت يا ست الدنيا”. 

“قومي قومي قومي… إن الثورة تولد من رحم الأحزان…”، هذا ما كتبه نزار قباني شعراً وغنته ماجدة الرومي نشيداً، صار بالنسبة إلى كثر نشيداً من أناشيد المدينة. 

“قومي قومي قومي لا لا لا لا لا لا لا…”، هو ما غنته فرقة موسيقية بمناسبة عيد الجيش اللبناني الخامس والسبعين، مجتزئة عبارة “ان الثورة تولد من رحم الأحزان”، لأن هناك من رأى أن استبدال هذه الكلمات بحواشٍ فارغة خيار أسلم خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان. فعبارة “الثورة” صارت تثير في السلطة خوفاً من أن يستأنف الناس ما بدأوه في 17 تشرين الأول/ أكتوبر. 

البلد مفلس، نصف سكانه تحت خط الفقر، شبابه على أبواب السفارات يبحثون عن فرصة للهروب وكباره ينتحرون في منتصف النهار في قلب شارع الحمراء. فقراؤه يبحثون عن لقمة في سلة قمامة وأغنياؤه يستجدون فتاة ملايينهم من المصارف. 

لا كهرباء ولا ماء و لا فرز للنفايات، وحدها الصفقات مستمرة، تنهش ما تبقى، حرجاً من هنا وباخرة نفط من هناك… لا مؤسسات: لا برلمان يشرع ولا قضاء يعدل ولا صحافة تحاسب ولا سلطة سياسية تحكم، وحدها أبواب السجون مشرعة في خدمة مقامات، أهانت شعباً بكامله ألف مرة كل يوم.  

لِمَ التحدث عن ثورة وعن أحزان؟ سوف يشوه هذا صورة لبنان، سوف يقلل من عزيمة المهاجرين العازمين على زيارته هذا الصيف، سوف يحبط حماسة السياح الذين قد يغريهم انهيار العملة في اسواقه وفقاعات السعادة في جباله، سوف يسيء إلى فرص نهوض البلد الذي لا يقهر… لمَ هذا كله؟ 

الغناء أفضل… والأسلم أن يكون غناء بلا كلمات، لا لا لا لا.

العبقري الذي وجد بالسطو على الحقوق الفكرية والذاكرة الجماعية مخرجاً لقلة حيلته، ومعه عباقرة آخرون نظموا حفلاً موسيقياً، اختاروا له ما يناسب عقولهم وخيالهم وأذواقهم مما تقدمه التشكيلة اللبنانية من علامات تفوق. نحن هنا لا نتحدث عن أهمية الكلمات المجتزأة، وعن موقعها في الذاكرة ومدى محاكاتها ذكاء السامعين، إنما عن فكرة الاجتزاء بصفتها رقابة متأخرة أجراها جهاز أمني متخلف على أغنية صارت جزءاً من ذاكرة شرائح واسعة من اللبنانيين. فعل الرقابة هنا يبدو مضحكاً فعلاً، ولا يبدو منه سوى أثر لرقيب أحمق.

 نحن شعب منكوب وبلدنا في حالة انهيار وعلى رغم ذلك هناك عبقري قرر أنه من الأفضل لنا ألا نسمع شعراً يذكرنا بأن الثورة تولد من رحم الأحزان.  كم يذكر هذا بعبقري آخر ظل يقول لنا إن العملة الوطنية بخير قبل أن تبدأ رحلة انهيارها وخسارة أكثر من 80 في المئة من قيمتها في السوق خلال مدة لم تتجاوز أسابيع. 

تحت قناطر نهر الكلب الاثرية- تلك التي قد أو قد لا تنجو من مشروع إقامة مقر “التيار الوطني الحر الجديد”ـ أقيم الحفل الذي نقلته مباشرة محطات التلفزة اللبنانية -باستثناء محطة المنار بطبيعة الحال- والذي استخدمت خلاله “أعلى التقنيات الضوئية والصوتية وأحدثها” “لانو هلقد منحب لبنان” كما قال فادي فياض، رئيس جمعية “لبناني وافتخر” الجهة المنظمة للحفل. والتلفزيونات في هذه اللحظة تعود إلى موقعها الأصلي كبوق وكصدى لخرافة لبنان الخدمات والـ”لئمة الطيبة”، هذه الخرافة التي لم يفت من عضدها انهيار البلد على رؤوس أهله. 

كما بدا المشهد كاشفاً. كم بدا هشاً ومحزناً. إنه لبنان يحاول أن يكون “عالمياً” لتكون النتيجة نسخة رديئة عن صورة أراد عباقرة الحفل استرجاعها. لبنان الملهى الليلي اعتقد أن بإمكانه استعادة بريق مهرجانات بعلبك وإن لليلة واحدة: اشعار مبتورة وأضواء خادعة، وحماسة غائبة والكثير من التذاكي غير المقنع.

كورال يرتدي أفراده قمصاناً سوداً قطنية طبعت عليها عبارة “كرمالك يا وطن”، يغني أمام جمهور من آليات عسكرية سعت الكاميرات إلى إدخالها في الكادر، وفي الخلفية أعمدة نهر الكلب التي ضاعت هويتها تحت صور مضخمة لجنود يظهرون بلوحات مختلفة وصل حد المبالغة فيها إلى زج صورة لأسد وقف شامخاً مزمجراً فوق أحد العواميد. 

الكثير من كل شيء. الكثير من الاضاءة والكثير من الماكياج والكثير من المؤثرات البصرية والكثير من البوتوكس والكثير من السعادة الكاذبة… والقليل من الصدق. وهنا بيت القصيد. 

على بعد أسابيع قليلة من مئوية إنشائه، لبنان صار رسمياً دولة فاشلة. علينا أن نعترف بذلك. نحن شعب منكوب وبلدنا في حالة انهيار وعلى رغم ذلك هناك عبقري قرر أنه من الأفضل لنا ألا نسمع شعراً يذكرنا بأن الثورة تولد من رحم الأحزان. 

كم يذكر هذا بعبقري آخر ظل يقول لنا إن العملة الوطنية بخير قبل أن تبدأ رحلة انهيارها وخسارة أكثر من 80 في المئة من قيمتها في السوق خلال مدة لم تتجاوز أسابيع. 

لبنان كما نعرفه انتهى. المكابرة لن تغير هذه الحقيقة. 

الأحزان لم تعد كافية. حتى الخوف لم يعد يجدي نفعاً. وقاحة المنظومة الحاكمة لا قعر لها وجرائم أركانها لن تنتهي. أخذوا ما أخذوه ولن يتركو لنا شيئاً. حتى الكلمات في أغانينا ها هم يسرقونها. 

وحده الغضب فيه خلاصنا، إن بقي في أحشائنا سوف يقتلنا فرداً فرداً. إن أخرجناه قد تكون لدينا فرصة بناء بلد يشبهنا. 

علينا أن نعترف بأن الرقص على الركام لم يعد ممكناَ وإن الهروب الى الأمام لم يعد متاحاَ. علينا أن نقف أمام خسائرنا لنتمكن من تجاوزها. كفانا عيش في حياة براقة فارغة تتركنا على حافة الهاوية. 

لست من محبي ماجدة الرومي، ولكن ما حصل من تعد على أغنيتها استفزني وأيقظ شياطين ذاكرتي. كم هي شخصية، تفاصيل الحياة السياسية في بلدنا. 

عدت إلى أغنيتها، وأعادتني إلى ساحة الشهداء في ذلك اليوم من عام 2005. كان ذلك بعد انسحاب جيش النظام السوري من لبنان أو قبل ذلك بقليل. كنت أنهيت ساعات من البث المباشر، وكنا كثراً في ساحة الشهداء وغنت هي وغنينا معها لبيروت: “إن الثورة تولد من رحم الأحزان…”. لم يقل لنا أحد يومها “لا لا لا لا”

حملتني ذاكرتي أبعد من ذلك. ها أنا جالسة على أدراج الكولدج هول مستمعة إلى صوت نزار قباني العائد إلى الجامعة الاميركية بعد طول غياب. كان ذلك عام 1995، بحسب ما يؤكده تسجيل للأمسية محفوظ على “يوتيوب”. 

اغمض عيني. شريط من الذكريات يمر أمامي… بيروت مدينة أشباح مدمرة وصلتها مطلع التسعينيات، أغرمت ببحرها، أدمنت جنونها، تظاهرت في شوارعها، ورقصت في ملاهيها. بيروت اليوم غارقة في العتمة. “فكيف نراك في المساء إذا قطعوا الكهرباء؟”. 

موجة الحنين لا تجدي. 

وحده الغضب فيه خلاصنا. فلتكن ثورة تولد من رحم الأحزان.   

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مروة صعب – صحافية لبنانية
“اللي قتلو ابنتي مدعومين. أنا ماني تابع لأي حزب سياسي ولا عندي مال لتعيين محامٍ يساندني لانتزاع حق بنتي من اللي قتلوها”.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني