الثورة ليست أنثى

عمّمت معظم انتفاضات العالم العربي شعار "الثورة أنثى" حتّى طبعت الجملة ذاكرتنا الثوريّة الجمعيّة. ولكن، هل فعلاً الثورة أنثى؟ وأين الخلل في هذه المقولة؟

من “ستّ البنات” في مصر، مروراً بالنساء الليبيّات اللواتي بعْن مجوهراتهن لدعم الاحتجاجات الليبيّة، والتونسيّات والجزائريّات والعراقيّات اللواتي لم يغادرن ساحات التظاهر، والسوريّات والفلسطينيّات اللواتي دفعن أغلى الأثمان دفاعاً عن الحريّة، وصولاً إلى كنداكة السودان وقصيدتها الثوريّة ومُتظاهرة لبنان وركلتها التاريخيّة، فرَض شعارُ “الثورة أنثى” نفسه على ساحات انتفاضات العالم العربي وجدراريّات الثورات ورموزها. 

ولعلّ ما حرّك إطلاق هذا الشعار كان رغبةً عفويّة في إظهار مجتمعاتٍ ثائرة اقتناعَها بأهميّة مشاركة النساء في مسارات الاحتجاج، وشكلاً من أشكال الاحتفاء بدورهن في العمل السياسي والميداني. 

ظهر هذا الشعار في بدايات التحرّكات الشعبيّة في مصر ردّاً على مساعي إعادة النساء إلى بيوتهن بسلاح العنف الجنسي الممنهج، وتعبيراً عن رفض تنصيب الذكور أنفسهم كعناصر شرطة على أجساد المتظاهرات. فتمسّك كثرٌ به لتحدّي مخطّطات القمع المصوَّبة على النساء والتشديد على أنّ الثورة هي حقّ لهنّ، مدعّمين ذلك أحياناً بأرضيّة لغويّة أنّثت الكلمة، فاقتضى تذكير جماهيرها الغاضبة بأن في الأصل الثورة… أنثى. 

لم يحمل هذا الشعار حماسةً فحسب، بل عِللاً كانت تستوقفني في كلّ مرّة استعصى على ذهني هضمه في الشارع، أحاول في ما يلي تفنيدها عبر طرح ثلاثة أسئلة أساسيّة بحثاً عن مواضع الخلاف مع هذا الشعار وما يمكن أن تشي به. 

السؤال الأوّل: ما المقصود بشعار “الثورة أنثى”؟  

والسؤال المباشر الذي يليه: عن أي “أنثى” أو “أنوثة” نتحدّث؟ 

هل هي الأنثى التي تتماهى مع المعايير السائدة والمقبولة اجتماعياً، وبالتالي نكون عبر ترويجنا لشعار “الثورة أنثى” أعَدْنا إحياء الصور النمطيّة التي لا تزال في كليّتها أو جزئيّاتها راسخةً في قعر رؤوسنا؟ أم هي صورة الأنثى المثاليّة التي كانت مقصودة؟ تلك الكائنة الجذّابة والقويّة في آن؟ ذاك المزيج الذي تروّج له خيالاتٌ ضخمة في كلّ ساعةٍ من كلّ يوم؟ أم هي كانت الأم؟ تلك الأنثى القادرة على التوفيق بين كلّ شيء وتلبية كل شيء ولا تتعب من شيء؟

إذا كان حصر الأنثى بهذه القوالب مشكلة، فحصر الثورة بالأنثى أيضاً مشكلة. ليس فقط لأن في الحصر ما يحدّها ويضيّق من احتمالاتها -احتمالات الأنثى والثورة معاً- إنّما أيضاً لأن في هذا الربط ما يكرّس إقصاء أنثى ثانية وثالثة ورابعة وأشخاص آخرين قد لا يتماهون مع المدلولات المُتخيّلة لهذه الكلمة. 

السؤال الثاني: حين استحضر لبنان هذا الشعار من انتفاضات عربيّة سبقت انتفاضته التشرينيّة الأخيرة، وأسقطه على واقعه، فبأيّ مسبّباتٍ ربطه؟ 

هل كان أساس الربط هنا خدمةً لإبراز قوّة حضور نساء لبنان في الحيّز العام أمام مُشاهدٍ “آخر”، لبناني، عربي، أم غربي؟ هل كان اعتزازاً بهذه القوّة، وتباهياً بها، مع العلم أنّها تبقى هي نفسها، كما الأنثى، شائكة وقابلة للتأويل في ذهن المعتز بها؟ 

هل كان برز شعار “الثورة أنثى” لو كان المنتفضون عاملين وعاملات تجمعهم مصالح مشتركة ضد أربابهم في العمل والدولة؟

هل انبثق إطلاقُ شعار “الثورة أنثى” في لبنان عن استعجالٍ في التحرّك للتذكير بظلم النظام الأبوي ضد النساء اللواتي هنّ أوّل من اختبرن طعمه، أو في المبادرة إلى إعادة نضالهنّ ضد فسادٍ ذكوري واقتصادي متوحّش عرفنه منذ الأزل، إلى الواجهة؟ في هذا الربط، يسكن ردٌّ استباقي على احتمالات الإقصاء التي يعي بعضهم أنّها جاهزة دوماً للتوظيف السياسي. وقد يكون الأمر لآخرين بمثابة تسويقٍ عصري لانتفاضةٍ نابضة ولعملٍ سياسي جديدٍ مُرتقب، ولمحة مُشجّعة عن أشكاله المُنتظرة. 

ولكن، كما هي حال عمليّة سبر المقصود بكلمة أنثى، كذلك هي حال خوض طريق فهم دوافع إطلاق “الثورة أنثى” في لبنان. تعثّرٌ ما بعده تعثّر. 

السؤال الثالث: إذا سلّمنا جدلاً أنّ الثورة أنثى، فمتى لا تعود كذلك؟ في أيّة حالةٍ يتوقّف وصفُ الثورة بالأنثى؟ 

بمعنى آخر، إذا كانت الثورة “بطولة”، فمتى لا تعود الأنثى جديرةً بوصفها بالبطلة؟ هل تبقى بطلة حين لا يُسعفها شكلُها أو لبسها أو صوتها في الانضمام إلى نادي الفضائل المقبولة اجتماعيّاً؟ 

هل تبقى بطلة حين لا تُخفي هويّة أو جنسانيّة غير معياريّة، أم حين تحتفي بامتلاك السيطرة رمزيّاً وفعلياً على جسمها وترفض الشروط المفروضة عليها؟

والسؤال الأهم برأيي: هل كان برز شعار “الثورة أنثى” لو كان المنتفضون عاملين وعاملات تجمعهم مصالح مشتركة ضد أربابهم في العمل والدولة؟ هل كان انقشع لو كانت المتظاهرات عاملات منازل ضاقت صدورهنّ ذرعاً بنظام الكفالة؟ وماذا لو كانت المتململات لاجئات سئمن ممارسات الترهيب والعنصريّة؟ هل كانت ثورتهنّ لتكون أنثى؟ 

شعار “الثورة أنثى” يشبه حالةً رومنسيّة جميلة لحظة اشتعالها، لكنّها تكاد تخنق بمعانيها المتقلّبة والإشكاليّة مبتغاها المُتخيّل. وفي الحدث ما بين الأدرينالين الكثيف والشكّ المفرط، امرأة صدف مرورها بين الكثيف والمفرط، فلاحظت أن عباراتٍ كهذه تُجسّد في العمق محاولاتٍ لتخليدها في حيّزٍ رمزي مضطرب يشكّل لكثيرين بديلاً أسهل عن التورّط معها أكثر.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
أحمد حاج بكري- صحافي سوري
كانت لافتة “يمنع دفن أي شخص سوري منعاً باتاً تحت طائل المسؤولية”، المعلقة على سور إحدى مقابر لبنان كافية لمعرفة الوضع الذي وصلت له المصاعب التي تواجه لاجئاً سورياً في حال فكر في دفن قريب له.
Play Video
“فلقة” جديدة يتلقّاها أطفال سوريين في بلدة غزة البقاعية في لبنان. نشر الصحافي هادي الأمين فيديو يُظهر تعنيف شاويش لأطفال سوريين لأنهم “يقصّرون في عملهم”. وفي كل مخيم للاجئين في لبنان، يتعيّن شاويش سوري ليكون بمثابة مسؤول عن هؤلاء الأطفال. في وقتٍ يتعرض فيه هؤلاء الأطفال لانتهاكات عدة من تسرب تعليمي وعمالة مبكرة و تعنيف لفظي وجسدي، يأتي هذا الفيديو ليؤكّد ذلك. حيث ترتفع وتيرة خطاب رسمي وإعلامي تمييزي تجاه السوريين في لبنان الذين تتراكم حولهم معلومات مغلوطة. فيما هناك حوالى 30 ألف طفل لاجئ يعمل في مهن قاسية الأطفال اللاجئين الذين أقحموا في سوق العمل خصوصاً الزراعة. وبعد انتشار الفيديو ألقت القوى الأمنية، بإشارة من مدعي عام البقاع القاضي منيف بركات، القبض على الشاويش وأحالته إلى القضاء المختص.

1:23

Play Video
يرصد هذا التحقيق أبرز التعقيدات التي ترافق دفن اللاجئين السوريين في دول الجوار، بدايةً من تعثّر الحصول على قبر لاستقبال الرفات، مروراً باستحالة إعادة الرفات إلى سوريا، وليس نهايةً بظروف الدفن غير الطبيعية، في غياب أفراد من الأسرة أو بعيداً منهم، أو في مقابر “طوارئ” مشيّدة على وجه الأرض، أو في مقابر على سفوح الجبال أو ضمن أراضٍ طينية.

1:56

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني