fbpx

غوانتانامو المدارس السوريّة: ذكريات التعليم والعنف

"تمدّ يدكَ الصغيرة المرتجفة، تنظر إلى وجه المعلم الغاضب الذي ينتظر بضع ثوانٍ قبل ضربك ليمنح المشهد هيبة أكبر ثم ينزل بالعصا على يدك فتغمض عينيك مع صوت ارتطام العصا بجلدك... هكذا فهمنا الألم طوال حياتنا".

يقال إنَّ ذكريات الطفولة تؤثر في الإنسان طوال حياته، يبدأ الطفل عادة حياته الاجتماعية في الحضانة والمدرسة لاحقاً، لكن ماذا لو كانت المدرسة شكلاً من أشكال التعذيب لطفلٍ لا يعلم لماذا يُعَاقب ولا يستطيع فهم الخوف؟ فينمو ويكبر مفهوم التعليم لديه مع الضرب والقسوة والعقاب. أتحدث تحديداً عن جيل 1997 وما قبل في سوريا، الأجيال اللاحقة كانت محظوظة بصدور قانون منع الضرب في المدارس، وعلى رغم أن هذا القانون صدر منذ الثمانينات، لكنه لم يطبّق إلّا حين وردت فيه عبارات صريحة عن عقاب المعلم المعنِف بخصم 5 في المئة من راتبه. إنما على رغم وجود هذه القوانين ما زالت قصص تعنيف رهيبة تحدث في المدارس السورية، قصصٌ لا تختلف عمّا تعرضنا له أنا وأصدقائي، في المدارس السوريّة.

صفعة الأولى

كنتُ أحضرُ كطالبة “مستمعة  في الصفّ الأول حين وقفتُ فجأةً داخل مقعدي أمام المعلم وصرختُ بوجهه: “بابا، ماما، رامز، ريم”. لم تمضِ ثوانٍ إلّا وصفعني المعلم، شعرتُ بخدرٍ في خدي وبأثر غريب لأصابعه، جلستُ على المقعد وساد صمتٌ مهيب في الصفّ. أتذكر اسم المعلم جيداً، طلال. لم تكن في قريتنا حينها حضانة ورغِبَ والديَّ في تحضيري للصفّ الأول، فطلبا من إدارة المدرسة إدخالي كطالبة مستمعة، هذا يعني أنّني الوحيدة التي يبلغ عمرها خمس سنوات في الصف الأول الذي يفترض أن أبقى فيه سنة أخرى نظامية. في ذلك اليوم كان المعلم يعلمنا لفظ “بابا، ماما، رامز، ريم”، وكان يختار الطلاب تباعاً لترديد الكلمات الأربع ثم الجلوس، لكنه رفض اختياري، على رغم أنّني رفعتُ يدي بشدّة صارخة: “نعم أستاذ”. وهي عبارة نرددها ونحن نرفع أصابعنا الصغيرة نحو السماء. لم تكن مشكلتي في الصفعة والإهانة أمام التلاميذ، بل في تجاهله إياي ومعرفتي أنني أستطيع لفظ الكلمات بثقة وقوّة أكثر من الجميع. لاحقاً ناداني ذلك الأستاذ، بعدما اشتكى والداي للإدارة، وحاول مراضاتي متعللاً بأنّه يجب ألا أقف من دون إذنه وأن أصرخ بصوتٍ عالٍ، بالطبع لم أغفر له حتى اليوم.

كان ربط التعليم بالضرب أمراً لا نقاش فيه، فمحال أن يتعلم الطفل إن لم يُضرب، ردد الجميع من حولنا نحن الصغار: “الطفل لا يخاف سوى على جلده”، وكنّا نخاف على أجسادنا حقّاً لأننا كنّا صغاراً والضرب يؤلمنا وكان الكثير من المعلمين يفخرون بضربهم الطلاب. أمّا الأهالي فقليلون منهم وقفوا إلى جانب أطفالهم في سلسلة إذلال لا تنتهي. وحين أتساءل، متى بدأ الجميع يؤمن بارتباط التعليم بالعنف، يبدو الأمر مشوشاً وقديماً جداً، أعتقد أن هذه البلاد آمنت منذ القدم بالضرب والعنف للسيطرة على شعبها، في الصغر في المدارس وحين كبرنا في المعتقلات والسجون.

آثار لا تُمحى

استمرت آثار الضرب والخوف خلال المرحلة الابتدائية طوال حياتي ولولا أنّني في المرحلة الثانوية صادفتُ معلمين لطفاء ربطتني بهم علاقة جيدة لكنتُ كرهت التعلّم إلى الأبد، وهذا لا يعني غياب التعنيف بشكل أو آخر، التعنيف الذي كانوا يعتقدونه طريقة مثالية في جعلنا طلاباً ناجحين.

في أحد الصفوف أجلستني المعلمة قرب تلميذ كسول لأنّني تلميذة مجتهدة، وكانت تجبرني على شدّ أذنه كلما أخطأ في القراءة، أتذكر ملمس أذنه جيداً بين أصابعي وأتذكر أنّني كنت أحاول ألّا أسبب له الألم. كنت أشعر بالخوفٍ والخجل، خجل لم تمحه السنين. وهذه قصة من قصص كثيرة يجبر فيها المعلمون التلاميذ المجتهدين على إذلال زملائهم أو معاقبتهم.

أحد المعلمين، تقول لي أختي كان يجعلهم يركعون قرب الحائط في الصف الأكبر منهم، في محاولة لكسر نفوسهم وإشعارهم بالذلّ والعار، وكان البعض يجبرنا على الركوع قرب سلة القمامة، نعم كان ذلك يحدث في مدارس سوريا وما زال حتى اليوم يحدث.

كان ربط التعليم بالضرب أمراً لا نقاش فيه، فمحال أن يتعلم الطفل إن لم يُضرب.

الآن بعد هذا الوقت كله، بعدما بتنا نفهم معنى العنف ومعنى الأذيّة النفسية للطفل، بعد تلك الكتب التي قرأناها تبدو تلك المراحل في حياتنا كما لو أنّها كذبة حيكت بإتقان لتناسب طفولتنا المذعورة، تلك المشاعر المتناقضة تجاه المعرفة، المترافقة مع الذعر والأجساد المرتجفة، أفكر بكلّ تلك الأجيال الخائفة، كيف أنّها لا تزال خائفة، وكيف أن آثار الصفعات ما زالت مؤلمةً.

ربما يغيب التعنيف الصريح في المدارس اليوم، بسبب خوف المعلمين على أنفسهم لا أكثر، فيما المنهج التربوي لم يتغير ولم يطور آلية التعامل مع الطفل، لذلك تسمع أصوات المعلمين تهدر وعيداً على الطلاب الذين ما عاد يهزّهم شيء، هكذا يعتقد المعلمون. وحتى اليوم يعاني النظام التعليمي في سوريا من ثغرات مخيفة تظهر على أرض الواقع، فيغيب دور المرشد النفسي في المدرسة بشكل شبه كليّ فهو من جهة غير مهيأ عملياً للتعامل مع حالات معقدة كالتعنيف والتنمر، وما زال المجتمع المحلي وحتى الطاقم التدريسي غير مؤمن بدور المرشد النفسي، ناهيك بأن تقييم المعلمين يتمُّ على أساس التحصيل العلمي لا العملي، إضافةً إلى ندرة تنظيم دورات تدريبية للمعلمين تساعدهم على التعامل مع الأطفال.

غوانتانامو المدارس السورية

لم أحتج لكتابة هذه المادة إلى سؤال أشخاص لا أعرفهم عن ذكرياتهم في المدارس، كانت روايات الأصدقاء وأفراد العائلة كافية لسرد ذكريات مخيفة. حدثتني صديقتي سارة (اسم مستعار) عن ذكرياتها في مدرستها المشهورة بضرب الطلاب، فكان المعلم يضرب الطالب على يده بالعصا على عدد العلامات التي تنقصه في الامتحان، فحين يحصل التلميذ على 6 من 10 يُضرب 4 مرات، وحين يحصل على 9 يضرب مرة واحدة. من الذكريات العالقة في رأسها عن الضرب بالعصا أن المعلم أمرهم مرّة أن يضعوا أيديهم على الثلج المكوّم خارجاً ثم يعودوا ليضربهم بالعصا عليها. تضحك سارة وتقول: “لم يعرف ذلك الأستاذ أن البرد خدّر أيدينا فلم نشعر بالألم ككلّ مرة”.

أتذكر الطالبة التي نسيت كتاب العلوم فقامت معلمة معروفة بشدّ شعر الصغيرات، بشدّ شعرها وبتدويرها في الوقت ذاته حولها، ذكرت صديقتي الحادثة مازحة: “حسيت حالي بالملاهي”، لطالما كان الضرب موجوداً وما زال بعض الأهالي يشجعون المعلمين على ذلك بالجملة الذهبية “اللحم إلكن والعظم إلنا”، ولا يخطر لي إلّا أنهم يفعلون الأسوأ بابنائهم في المنازل.

في الصف الثالت، تغيبت معلمتنا لأسباب مرضيّة وجاء مكانها أستاذ مرعب، كان يتلذذ حرفياً بعقاب الطلاب، في يوم عاقبني أنا وبعض الطلاب وكان العقاب على الشكل التالي، يمرر القلم صعوداً ونزولاً بين أصابعي (مرة فوق الإصبع ومرة تحتها) ويجبرني على ضمّ أصابعي، ثمَّ يقوم بتحريك القلم إلى الأمام والخلف. كان الألم لا يحتمل، كانت طريقته في العقاب تلك مع شدّ الأصابع تجعل تحريك القلم شبه مستحيل، من الجيد أنه بقي فترة قصيرة ولم يعاقبني بتلك الطريقة إلّا مرة واحدة.

لم أخبر والديَّ بما فعله المعلم وأعتقد أن معظم التلاميذ لم يفعلوا، كنّا نظن أن ضربنا جزء من المدرسة، وكنّا نشعر بأننا مذنبون، فلا طالب يعاقب لولا أنّه أخطأ، ضُربنا لأننا مؤذيون وكسالى، لأننا لسنا الأطفال الأفضل بعيونهم.

وهكذا ينمو الخوف معنا من أول الكلمات التي نتهجاها “بابا، ماما، رامز، ريم”، فنعلم حينها ثمن الخطأ جيداً، أتريدون أن تعرفوا كيف تتحول الشعوب إلى شعوب خائفة ومترددة وترضى بالقليل؟ أتريدون أن تعرفوا لماذا نخشى هذا النظام ونفكر ألف مرة قبل أن نقول رأياً واحداً؟ يكفي أن نعلم كم عصا تلقى كلّ طفل على يديه، يكفي أن نعلم شكل العقوبات التي كانوا يوهموننا بأنهم يبنون أجيالاً بها، هل كان يبنون أجيالاً أم كانوا يربون ثقافة الخوف فينا منذ الطفولة؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
هلا نصرالدين – صحافية لبنانية
ملياردير لبناني مسجون في ليثوانيا وملاحق بدعاوى في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بشراء نفوذ، فما قصته؟

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني