لبنان: التحييد عن الحياد

تُحتِّم طبيعة لبنان الجيوسياسية وتركيبته الطائفية أن يكون هناك انقسام حول موضوع الحياد والذي لا شك يجب أن يكون في طليعة جداول الأعمال لأي اجتماعات أو مؤتمرات حوارية مستقبلية، عندما يحين الوقت.

تصدّر وسم “#حياد_لبنان” لائحة المواضيع الأكثر تداولاً على منصة “تويتر”، التي ما هي إلا مرآة لما يدور في الصالونات والمجالس، واحتل عناوين الصحف ومقدمات النشرات والبرامج الحوارية. تعالت، على حين غرة، الأصوات المنادية بتحييد لبنان عن صراعات الإقليم، كمنفذٍ نحو إنقاذ البلد من أزماته برمتها. قصة الحياد المستجدة، بدأت مع نداء أطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي، شدد فيه على ضرورة أن يكون لبنان في حياد عن الصراعات التي حوله. 

سارع كل حزب وتيار إلى تفسير هذا المفهوم على مقاسه وبما يتلاءم مع أجندته الخارجية (مما ينسف أساساً أي محاولة للحياد)، وازدحم جدول زيارات الديمان بلقاءات مع الأقطاب السياسية وعُقِدَت المؤتمرات لإعلان المواقف المؤيدة والمنددة وتلك المؤيدة جزئياً. في خضم هذا الإعصار والتجاذب السياسي المستجد، وجد المواطن نفسه قد إنجرّ قسراً في هذا الجدال العقيم منحازاً، بشكل عفوي وبدهي، إلى إحدى المحورين إما تأثراً بخطاب الزعيم أو بسبب القناعات الناتجة عن غرائز وعصبيات طائفية. تراجع الحديث عن انهيار الوضع المعيشي إلى مركز الوصافة كأن الشعب قد نُوِّمَ مغنطيسياً وتشتتت بوصلته عن أولوياته ومعاناته. 

تُحَتِّم طبيعة لبنان الجيوسياسية وتركيبته الطائفية أن يكون هناك انقسام حول موضوع الحياد والذي لا شك يجب أن يكون في طليعة جداول الأعمال لأي اجتماعات أو مؤتمرات حوارية مستقبلية، عندما يحين الوقت. أما طرحه الآن وفي هذه الطريقة فتشوبه تساؤلات كثيرة: 

  • التوقيت: لم يكن هناك، أقلّه في الفترة الأخيرة، أي حدث أو استفزاز خطابي يستدعي طرح موضوع الحياد بهذا الزخم البروباغاندي والتجييشي. لم يكن السقف بهذا العلو حتى حين كان الانخراط في الصراعات الإقليمية في أوجّه وأكثر علانية. إضافة إلى ذلك، عادةً ما تُطرح الأمور وتصبح مدار جدل وبحث عندما تكون على صلة بالأزمات الراهنة والطارئة والتي تُختصر حالياً بكيفية انتشال لبنان من أزمته الاقتصادية المعيشية الداخلية وليس الوقوف عند مدى صوابية قرارات الأطراف الداخلية في الانخراط في لعبة المحاور. فكيف تسلّق موضوع الحياد سلم الأولويات ولماذا تسويقه الآن وفي هذا التوقيت؟
  • الآلية: من السهل المطالبة بالحياد، ولكن ما الآلية لتحقيق ذلك؟ الأكيد أنه لا يتحقق بكبسة زر بل يتطلب خارطة طريق واضحة الأطر والقوانين والأنظمة والتفاهمات تستطيع تحصينه من أي خرق، وتضمن للبنان حقوقه. يتوجب أيضاً تحديد الدول التي يجب الحياد عن تبعيتها. كما يجب تعريف “الصراعات” التي يجب الحياد عنها فهل هي عسكرية فقط أم اقتصادية عقائدية قومية؟ كذلك، هل يمكن تحقيق الحياد قبل الاتفاق على استراتيجية دفاعية جامعة؟ هل يحتاج الأمر إلى تعديل دستوري أو بيان وزاري جديد؟ وبالتالي فمن المستحيل إنجاز هذه المتطلبات بوتيرة موازية لسرعة انهيار البلد. 
  • الاستعجال: يتهيأ للمواطن أن الفشل في تحقيق الحياد فوراً قد يُدخل البلد في أتون أزمات خانقة هو بغنى عنها ما قد يعكّر فرص الازدهار والبحبوحة وأن الحياد هو المفتاح للمساعدات الغربية والعربية. ولكن في الواقع فإن لبنان هو على بعد إنشات من ملامسة القعر إقتصادياً واجتماعياً وقد وصل عميقاً داخل الأتون، لذلك فإن الاستعجال يجب أن يكون باتجاه استرداد الأموال المنهوبة والمهربة قبل كل شيء. 

المشكلة الأساسية تكمن في تحديد الأولويات. عندما انتفض الشعب في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، طالب بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين واسترجاع ما نُهِب وهُرِّب والعبور إلى دولة مدنية عادلة. لم يكن السلاح الأولوية ولا موقف لبنان مما يحصل في محيطه أو ما شابه. إن تحريف هذه المطالب والعبور على جسدها نحو مواضيع تثير الانقسامات الطائفية والانتمائية هو أكبر تأكيد أن أكثر ما يحتاجه لبنان الآن هو حكومة تكنوقراط حقيقية نقية، تلفظ أي انتماء طائفي وحزبي وتنصرف إلى الإنقاذ والتخطيط. فلنحيّد أنفسنا، كشعب، عن موضوع الحياد وغيره من أساليب التشتيت ولنعد توجيه البوصلة نحو أهدافنا ومطالبنا. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
نجلاء أبومرعي – كاتبة وإعلامية لبنانية
ما يبدو أكثر أهمية إلى حد كبير ويمكن البناء عليه بالفعل، هو الناخب الذي لم يستجب للدعوات التي أطلقتها المساجد للامتناع عن اختيار التغييريين، فرقعة الخوف من هاجس التحرر الفردي تنحسر شيئاً فشيئاً.
Play Video
فراس حمدان هو محامٍ لبناني نشط بالساحات خلال انتفاضة 17 تشرين وكان ثمن نضاله كبيراً. شرطة مجلس النواب أصابت فراس برصاصة من سلاحٍ محرم دولياً اخترقت قلبه بإحدى التظاهرات، وعلى رغم أن شظاية الرصاصة بقيت في قلبه، إلا أن فراس تحدّى وترشّح على الإنتخابات، وربح. ليعود إلى الساحة نفسها ولكن هذه المرة كنائب!

4:38

Play Video
“رح ننتخب أي حدا ضد المُعرقلين…”، 21 شهراً مرّ على انفجار مرفأ بيروت وأكثر من 4 أشهر على تجميد التحقيق. السلطة اللبنانية تُحاول عرقلة التحقيقات وطمس الجريمة، بل وتخوض الانتخابات بوجوه مُتّهمة بانفجار 4 آب، لكن أهالي الضحايا يصرّون على ثباتهم: العدالة تأتي بالتغيير.

2:49

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني