fbpx

نجاة الصغيرة ومصر “الآيلة للسقوط”: يا سيسي “أسألك الرحيلا”!

بشيء من التصرّف بكلمات من اغنيتها التي كتبها نزار قباني: "أسألك الرحيلا، لخير هذا البلد يا سيسي وخيرنا، أسألك الرحيلا"!

إما أن تحب صوت نجاة الصغيرة أو ألا تحبه. غالباً ليس هناك من حل وسط في العلاقة بصوتها. بمعنى أن صوتها لا يخضع لنقاش ولا يترك مجالاً لمنطقة رمادية. تسمعه، فإما أن تحب الصوت، وإما أن تنفر منه، وهذه غالباً حالة نادرة في الغناء العربي، لكن خبراء الصوت في المقلبين، يتفقون على ان صوت نجاة مميز، وهو “عبد- وهابي” نسبة إلى محمد عبد الوهاب. وموسيقار الأجيال اختار نجاة لتغني من ألحانه عشرات الأغنيات التي لاقت نجاحاً وشهرة كبيرين. 

هذا في ما يخصّ صوتها، أما شخصيتها فإشكالية أيضاً، وتخضع لتقييم صعب من عارفيها والمقربين منها ومن المراقبين من بعد. فـ”الصغيرة” التي كانت من نجمات الغناء والتمثيل، وجدت نفسها منذ بداية مشوارها في منافسة حامية مع اختها “الدلّوعة” سعاد حسني، وتوترت العلاقة بين الفنانتين بعدما تفاقمت غيرة نجاة من نجاح أختها الصغيرة، وانتهت هذه العلاقة المضطربة إلى تصرف غريب بعد موت (انتحار؟) الساندريلا عام 2001، اذ أحيت نجاة بعد أيام على وفاة سعاد حفلاً غنائياً على رغم أنها كانت متوقفة عن اي نشاطات فنية ومختفية عن وسائل الإعلام لسنوات. بعد هذا الحفل اعتزلت نجاة رسمياً وانزوت في منزلها ولم تعد إلى الغناء إلا في بدايات عام 2017، مع أغنية “كل الكلام” من كلمات الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان طلال، لكنها لم تظهر في الكليب إلا عبر صور قديمة لها من شبابها. 

اليوم تعود نجاة لتظهر، هذه المرة في الشارع، أسفل بيتها في الزمالك بعد تصدّع المبنى بسبب عمليات الحفر في مترو الأنفاق، وما كان بالإمكان التعرف إلى صاحبة الصورة المنقّبة، لولا تأكيد هويتها من جيرانها في المبنى الذي أخلي تماماً للعمل على تدعيمه وترميمه بعد تخلخله ومواجهته خطر الانهيار. ويبدو أن الفنانة التي تجاوز عمرها الثمانين، وبدل أن تستيقظ كما في أغنيتها “ساكن قصادي” على “صوت فرح”، استيقظت على صوت يدعوها إلى مغادرة المبنى بسبب خطر انهياره، وهرعت إلى الخارج لتلتقطها الكاميرات وهي تجلس وحيدة على الناصية.

المشهد يبعث على إسقاطات كثيرة، تبدأ من انهيار المبنى بما هو انهيار لتاريخ عظيم من الفن المصري الذي انتهى إلى أن يُلقي بآخر رموزه على قارعة الطريق، بعد خلخلة أساسات الثقافة المصرية من نظام تجاوز بتصرفاته المعادية للحياة العامة والحريات الفردية بأشواط جميع الأنظمة العسكرية التي حكمت مصر منذ ثورة الضباط الأحرار وحتى سقوط حسني مبارك. ولا تنتهي بإسقاطات تحيل إلى ركاكة السياسة المصرية التي لا تقيم وزناً لأي بناء، معماري، أو ثقافي أو علمي أو فني، أو حتى إنساني، إلا وتضرب به عرض الحائط. 

هذه السيرة السياسية كلها تجلس على قارعة الطريق، لأن المبنى آيل للسقوط. ومبنى الشربتلي هو مصر كلها بتاريخها العسكريتاري الحديث الذي تدحرج رويداً رويداً من جمال عبد الناصر إلى السيسي.

ونجاة “الصغيرة” التي أضحت “كبيرة” في العمر والتجارب، عايشت جميع الأنظمة المصرية في القرن الحالي والماضي، فهي من مواليد الثلاثينات، عاشت طفولتها وشبابها الأول في كنف الملكية المصرية، في عهد فاروق آخر ملوك مصر، ثم شهدت ثورة الضباط الأحرار التي أنهت الملكية وحولت مصر إلى جمهورية برئاسة محمد نجيب الذي عزل ووضع في الإقامة الجبرية قبل أن تنتقل الرئاسة بالاستفتاء إلى جمال عبد الناصر، فعايشت نجاة معه الانتصارات والخيبات، وقدّمت أغاني وطنية، من بينها تحفة محمد عبد الوهاب “الوطن الأكبر”، فضلاً عن أغنيات وطنية كثيرة كتبت ولحنت لمناسبات محددة، كجلاء القوات الإنجليزية عن مصر، أو الوحدة بين مصر وسوريا، أو العدوان الثلاثي، أو اعادة افتتاح قناة السويس، وسواها من المناسبات التي عاشتها نجاة في ظل نظام عبد الناصر، ومن بعده أنور السادات، لتنهي مسيرتها الفنية في عهد حسني مبارك، وتعتزل قبل أن تعود في عهد السيسي بعد 6 سنوات من اندلاع الثورة المصرية وإخمادها من الإسلام السياسي، ثم من العسكر. 

هذه السيرة السياسية كلها تجلس على قارعة الطريق، لأن المبنى آيل للسقوط. ومبنى الشربتلي هو مصر كلها بتاريخها العسكريتاري الحديث الذي تدحرج رويداً رويداً من جمال عبد الناصر إلى السيسي. ومسببات التصدّع عناصر كثيرة، أبرزها النظام الحالي الذي ترافق تدميره مواقع أثرية، مع إدخال البلاد في نفق من القمع والأحكام القضائية التعسفية التي تستهدف الحريات وتحفر في “اغشية البكارات” على “تيك توك” لإثبات العذرية السياسية والاجتماعية. مبنى المشاهير الذي سكنته ذات يوم سعاد حسني، تحفر تحته حفارة الجهل لمحاولة قتل الساندريلا، بما تمثله من فرح وحرية وجمال ودلع، في قبرها، وإطفاء ابتسامتها وكمّ قبلاتها الخالدة على الشاشة. ونجاة تجلس هناك، خارج المبنى، وتنتظر أن تنهي الحفارة عملها في نبش الماضي وتشويهه، وإلحاقه مع الحاضر بمستقبل قاتم، ويخيل إليّ أنني أسمعها تتمتم لعبد الفتاح السيسي بخوف في سرّها، وبشيء من التصرّف بكلمات من اغنيتها التي كتبها نزار قباني: “أسألك الرحيلا، لخير هذا البلد يا سيسي وخيرنا، أسألك الرحيلا”!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مبادرة الإصلاح العربي
يمرّ قطاع الرعاية الصحّيّة في لبنان حالياً بمرحلة صعبة للغاية، تحت وطأة أزمة كورونا من جهة، وفي ظلّ عجزٍ عن التنبّؤ بالظروف الماليّة والنقديّة للبنان من جهة أخرى.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني