fbpx

مصر وتركيا في أتون النار الليبية

الأحلاف تنذر بتصاعد حدة الصراع ومحاولات حسمه. إلى الآن تمارس هذه الأحلاف لعبة رسم حدود اللعبة وقواعدها وخطوطها الحمر.

مصر في حالة حرب لم تبدأ بعد على جبهتها الغربية. وتستنفر القاهرة جميع مقوماتها لهذه الحرب وتحاول تجنبها في الوقت نفسه.  وجاءت استعدادات الحرب مباشرة بعد فشل عملية المشير خليفة حفتر في احتلال طرابلس والتي سميت “طوفان الكرامة”، وعمقت الحضور العسكري التركي في ليبيا. 

لم تكن مصر حاضرة أو متصدرة المشهد الليبي حتى 2014. فالثورة المصرية كانت مشتعلة في 2011 والأعوام اللاحقة.  وعام 2014، قامت مصر بخطوة كبيرة تجاه الملف الليبي ودعمت المشير حفتر الذي بدأ حملته العسكرية من أقصى الشرق قرب الحدود المصرية. تورطت مصر في الشأن الليبي بخطوة كبيرة واستراتيجية فقيرة ومحدودة الأفق. كانت الاستراتيجية المصرية متمحورة فقط على الجانب الأمني الداخلي لمصر والخوف من الجماعات الإسلامية المسلحة.

في أفضل الأحوال، كانت استراتيجية أمنية قائمة على الدفاع المتقدم عبر تحويل الشرق الليبي إلى مساحة مانعة وحاجز بين الغرب الليبي والغرب المصري. نجحت استراتيجية مصر إلى حد بعيد في تحقيق هدفها الرئيس، فالجماعات الإسلامية لم تتمكن من التوغل داخل الغرب المصري، كما نجحت الأجهزة الأمنية في اقتلاع أي فرصة لتمترس الجماعات الجهادية المصرية هناك وتحويل الغرب المصري لساحة حرب واسعة مثل شمال سيناء، كما نجحت أيضاً في تقويض حركة تهريب السلاح إلى مصر وعبرها. ولكن هذه الاستراتيجية جعلت من مصر أحد أطراف النزاع داخل الشأن الليبي لدعمها حفتر عسكرياً واستخباراتياً، وهو ما قوض إلى حد بعيد قدرتها على لعب دور الوسيط والراعي لعملية السلام هناك. وغابت أي أجندة اقتصادية وسياسية طيلة النزاع حتى بداية إعادة ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط.  

زمام المبادرة

منذ هزيمة حفتر على أعتاب طرابلس، والقاهرة تأخذ بزمام المبادرة للمرة الأولى منـذ اندلاع الصراع في ليبيا. فكان أول رد فعل من الدولة المصرية في 6 حزيران/ يونيو 2020، هو إطلاق مبادرة القاهرة لوقف النزاع المسلح وبدء عملية التفاوض بحضور المشير حفتر ورئيس مجلس النواب الليبي في طبرق عقيلة صالح. وطالبت مصر بتفكيك الميليشيات المسلحة، وتمثيل عادل لأقاليم ليبيا الثلاثة في مجلس رئاسي ينتخبه الشعب الليبي تحت إشراف الأمم المتحدة، وتوحيد وإعادة بناء المؤسسات الليبية.

وفي 20 حزيران، صعّدت مصر موقفها وأفصح السيسي وشرع بشكل كبير في إنفاذ خطواته الجديدة في ليبيا. فأثناء تفقده المنطقة الغربية العسكرية، اعتبر السيسي خط سيرت- الجفرة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. كما طلب من القوات المسلحة أن تكون في كامل الاستعداد لتنفيذ مهمات قتالية داخل مصر وخارجها، وأكد شرعية أي تدخل قد تقوم به مصر في ليبيا، والأخطر أنه أفصح عن استعداده لدعم القبائل وتسليحها. ويمثل خط سرت- الجفرة أهمية كبرى لمصر، أهم عناصرها الأمن والموارد النفطية والغاز الطبيعي في الهلال النفطي. فمصر تريد أن تمنع تقدم قوات الوفاق إلى الشرق وقطع يد الأتراك عن الوصول للموارد النفطية وكذلك منع الميليشيات الإسلامية من الاستحواذ عليها. 

السيسي مستقبلاً عشائر ليبية

استكمال الشرعيات والاستعداد الحربي المصري

فوّض البرلمان المصري القوات المسلحة بالتدخل العسكري والقيام بما يلزم لحفظ أمن مصر القومي في 20 تموز/ يوليو 2020. السيسي بدأ اتخاذ الخطوات اللازمة داخل الجيش منذ 20 حزيران، ثم طلب من مجلس النواب الليبي تفويضه وإعطائه شرعية التدخل العسكري هناك، وبالفعل فوضه في 24 تموز 2020. وعقد مؤتمر كبير للقبائل الليبية والقبائل المشتركة بين ليبيا ومصر وكذلك قبائل الواحات المصرية في 16 تموز 2020. وفي هذا المؤتمر، تم تفويضه أيضاً لدخول ليبيا وتقديم العون البشري له من أبناء القبائل. مثّل تعدد جهات التفويض الذي حظي به السيسي تقويضاً لشرعية حكومة الوفاق التي ترتكز عليها تركيا، من حيث أنها الحكومة المعترف بها دولياً. 

وعلى الجانب العسكري المحض، طورت مصر قدراتها البحرية بشكل ضخم لمجابهة التحديات الأمنية والعسكرية في المتوسط، وطوّرت سلاح الطيران. وتوسعت مصر في الفترة الأخيرة، في المناورات الحربية خصوصاً البحرية. وتعمدت توجيه رسائل مباشرة لتركيا في تفوقها بحرياً ووجود كل أشكال المضادات البحرية لمواجهة بعض التفوق التركي عليها في الفرقاطات، وتعمدت إظهار قوة مصر في عمليات الإنزال البحري والبرمائي. 

ومنذ 20 حزيران، والإعلام المصري دخل في مرحلة إعلام الحرب من دون أدنى مبالغة، وماكينة البروبغاندا تعمل بشكل مكثف. ويمكننا أن نلمح خيطاً واضحاً داخل الإعلام يعكس توجه الدولة المصرية في الشأن الليبي كله وهو “مصر تستعد بجدية للحرب ولكنها تسعى بجدية أيضاً إلى تجنبها”. 

تركيا في ليبيا: صراع الحدود والنفوذ والثروات 

تشكل ليبيا آخر معاقل النفوذ التركي في الشرق الأوسط على المستوى الجيوسياسي وهي هدف شديد الأهمية من ناحية الموارد والصراع على غاز المتوسط. وبالتالي فخسارة ليبيا لمصلحة الحلف المصري- الإماراتي شيء مستبعد إلى الآن بالنسبة إلى الأتراك. خسر أردوغان مواقعه في مصر وتونس بعد خسارة النهضة، والعراق بعد مغامرة “داعش”، وسوريا بعد انتصار الأسد إلي حد بعيد. وتعتبر ليبيا وموانئها بوابة مهمة لأفريقيا تطمح تركيا في الاستحواذ عليها لبسط مزيد من نفوذها على أفريقيا والتمدد جنوباً والتحكم بالبوابة الشمالية.

الوجود التركي في تناقض بنيوي ضخم مع المصري. فأولاً الدولتان في حالة صراع عنيفة منذ 2013. ثانياً، مصر تشدّد على عدم قبولها تكرار النموذج السوري على حدودها الغربية. ثالثاً، دعم أنقرة الحركات الإسلامية بخاصة الإخوان المسلمون، من أهم أسباب التوتر بين الدولتين. رابعاً، تخشى القاهرة من صعوبة السيطرة على الميليشيات الإسلامية والتي تعادي النظام المصري بشكل حربي في سيناء وفي الوادي وخصوصاً “القاعدة” و”داعش”. وأخيراً الصراع على غاز المتوسط. فكلا الدولتين يطمح أن يصبح مركز تصدير ونقل الغاز. إنما ثمة أمر قد يربك البعض في هذه المسألة. فاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الوفاق وتركيا تمنح مصر مساحة تزيد بمقدار 35 ألف كيلومتر مربع لحدودها البحرية الاقتصادية. ومع ذلك رفضت مصر الاتفاقية. مرة أخرى، الشأن الليبي لمصر شديد التعقيد من الناحية الأمنية ومصر أعلنت كثيراً عدم قبولها حضور الاتراك عسكرياً بشكل مباشر أو من خلال المليشيات الإسلامية. ثانياً، فاتفاقية ترسيم الحدود لن تصمد كثيراً أمام القانون الدولي، لمخالفتها قانون البحار بشكل صريح، لأنها ببساطة تستثني جزر اليونان وتتجاوزها على الخريطة. لذلك تستغل مصر هذه الاتفاقية لتعزيز موقعها أمام اليونان لكنها لا تقبل ولا تعترف بها. كما أن سعي تركيا إلى نقل الصراع من سوريا إلى ليبيا وتفريغ إدلب هناك يستدعي مزيداً من الاستنفار المصري. وتشير تقارير إلى نقل تركيا مقاتلين سورين من إدلب بعضها يقدرهم بـ9 آلاف وبعضها الآخر بـ14 ألف مقاتل. 

ولذلك يظل من الممكن أن تقبل مصر بالتفاوض والتوصل إلى حل سياسي مع حكومة الوفاق، ولكن يظل من المستبعد أن تقبل بحضور أنقرة على حدودها. 

وعلى رغم من أن العنف والقتل دارت راحتهما في ليبيا، إلا أن مستوى الوحشية والدموية لا يقارن بسوريا، وهو أمر متوقع حدوثه مع نقل المقاتلين من البيئة السورية إلى الليبية.

تناقضات الاحلاف واحتمالية الحرب

ما يحدث في ليبيا هو حرب أهلية ذات طابع مناطقي بين الشرق والغرب والجنوب، وفي نفس الوقت حرب أهلية ممتدة ومرتبطة بحرب إقليمية واسعة منذ 2011 تتداخل فيها عدة قوى دولية. ولكن الملف الليبي يشتعل فيما تبدأ التحالفات الإقليمية التماسك والتحديد. وذلك على عكس معظم الملفات الأخرى. فمثلاً في سوريا كان موقف السعودية والإمارات متوافقاً مع الأتراك في ضرورة دعم الحركات الجهادية ضد بشار الأسد وإسقاطه، وكذلك اتفقوا جميعاً على الملف اليمني، لكنهم كانوا في صراع حاد على مصر قبل 30 حزيران وبعده. ومصر كانت ضد كل من الأتراك والسعودية وقطر والإمارات في سوريا. ولكن في ليبيا الآن التناقضات بين الأحلاف أقل وطأة وأكثر وضوحاً. فهناك الحلف المصري- الإماراتي- السعودي ضد الحلف القطري- التركي. والجانب الأوروبي يميل أكثر فأكثر إلى موقف مصر. والخلاف بين فرنسا وإيطاليا يتضاءل هو الآخر. أما بريطانيا فعلى رغم دعمها حكومة الوفاق، إلا أنها بعيدة من الملف الليبي كثيراً في السنوات الأخيرة، خصوصاً أن استراتيجيتها في التدخل في 2011 محل نقد داخلي شديد، ومتهمة بأنها السبب في خلق دولة فاشلة في جنوب المتوسط. 

يعتبر الروس فقط أكثر الأطراف الفاعلة في الملف الليبي تناقضاً. فهناك حرب تجارب لأسلحة الدفاع الجوي والطائرات المسيرة بين الأتراك والروس على الأراضي الليبية. ومن الصعب على روسيا القبول بوقوع ليبيا في يد الأتراك ومن خلفهم الولايات المتحدة. خصوصاً أن الملف الليبي يشكل غصة في حلق موسكو. فليبيا- القذافي كانت أحد منافذ روسيا إلى المياه الدافئة، ويشعر الروس بأن الناتو أقصاهم منها في 2011. ولكن في الوقت نفسه، تحالفات الغاز بين مصر ودول شرق المتوسط تهدد النفوذ الروسي في هيمنته على تصدير الغاز لأوروبا. وهكذا تتشابك المصالح التركية والروسية مرة أخرى على رغم القصف العسكري المتبادل، وإن بشكل غير مباشر.

الولايات المتحدة تسعى إلى تأجيل أي قرارات تجاه ليبيا حتى الانتهاء من الانتخابات الرئاسية بها. ومواقفها إلى الآن تتسم بالتناقض تجاه هذا الملف وعدم الحسم فيه. ويرجح أن الموقف الأميركي لن يكون هو المحدد الرئيس لخفض حدة الصراع في ليبيا أو تصعيدها. فالاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط مرتبكة منذ وقت طويل وذات طبيعة انسحابية. والشواهد على ذلك كثيرة ومنها عدم تحرك الولايات المتحدة بأي شكل جاد لردع حفتر عن محاولة احتلال طرابلس أو ردع الأتراك عن عدم جلب المرتزقة من سوريا. 

هذه الأحلاف تنذر بتصاعد حدة الصراع ومحاولات حسمه. إلى الآن تمارس هذه الأحلاف لعبة رسم حدود اللعبة وقواعدها وخطوطها الحمر. فمصر رسمت خط الجفرة- سرت وأظهرت استعداداً كبيراً للتحرك العسكري، والأوروبيون وجّهوا رسالة واضحة للأتراك بأنه لن يسمح بوجود قواعد عسكرية تركية متطورة في ليبيا، وكانت رسالة قاسية، إذ دمرت أجهزة الدفاع الجوي التركي في قاعدة الوطية بعد نصبها مباشرة وأثناء وجود وزير الدفاع التركي. 

وفي ما يتعلق باحتمال نشوب حرب بين مصر وتركيا في ليبيا، فالأمر متوقف على تحرك الأتراك نحو سرت. وكانت تصدر أخبار يومية في الفترة الأخيرة عن اقتراب اندلاع معركة كبرى في سرت وعن حشود عسكرية ضخمة من قبل الوفاق، ولكن شيئاً لم يحدث إلى الآن. ولكن إذا وقعت هذه المعركة فأغلب الظن أن الدخول العسكري المصري سيقع هو الآخر. 

وعلى رغم من أن العنف والقتل دارت راحتهما في ليبيا، إلا أن مستوى الوحشية والدموية لا يقارن بسوريا، وهو أمر متوقع حدوثه مع نقل المقاتلين من البيئة السورية إلى الليبية. ومع تدخل القبائل من خلال مصر سيزداد الأمر حدة بسبب تفاقم النزعات الثأرية المتوقع حدوثه هو الآخر.

أمر إشعال الحرب يبدو أنه في أنقرة.        

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
منال نحاس – صحافية لبنانية
تسللت الدول العربية عبر ستار مكافحة كورونا الى أدق المساحات الخاصة المتعلقة بحرية الأفراد وطوقتها، فكيف فعلت ذلك؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني