fbpx

حنين ومودة ليستا الأخيرتين… قانون لقمع المصريات على “تيك توك”

ما حصل من حكم على الشابتين حنين حسام ومودة الأدهم دق ناقوس الخطر في المجتمع المصري وأعاد طرح أسئلة عن مدى حق المجتمع في انتهاك حرية المرأة وخصوصيتها وجسدها...

تكرر الاحصاءات والدراسات الرسمية المصرية والدولية حقيقة مؤكدة وهي ارتفاع معدلات العنف الأسري، وما يشمله من تحرش واعتداء جنسي وقتل وختان وتزويج قاصرات. 

لكن يبدو أن السلطات المصرية قررت التركيز على القبض على فتيات “تيك توك” وتوجيه اتهامات لهن بتهديد قيم الأسرة المصرية، طبقاً لمواد جديدة أُضيفت إلى قانون استخدام المواقع المعلوماتية في نهاية عام 2018، أي في عهد الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي. هذه الاتهامات تفتح الباب للبحث عن ماهية القيم المهدَّدة هذه ولماذا النساء وحدهم المسؤولات عن قيم الأسرة، خصوصاً وسط حوادث العنف المتزايد ضد النساء والفتيات…

بعد القبض على فتيات يستخدمن “تيك توك”، ريناد عماد وبسنت محمد ومنار سامي منذ مدّة قصيرة، باتت مصائر اللواتي يستخدمن هذا التطبيق في مصر أكثر خطورة. وقد صدر راهناً حكم قضائي آخر بحق حنين حسام ومودة الأدهم و3 أخريات بالسجن عامين وغرامة مالية 300 ألف جنية (18500 دولار) بتهم “الاعتداء على قيم ومبادئ الأسرة المصرية وإدارة وإنشاء مواقع على شبكة معلوماتية بهدف ارتكاب جريمة”. وليس ذلك سوى مؤشراً على الحكم القاسي الذي ينتظر ريناد عماد وبسنت محمد ومنار سامي.

الحكم أشعل ردود فعل واسعة خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي التي شهدت حملة تدوين ساخرة من “قيم الأسرة المصرية” تحت هاشتاغ “بعد إذن الأسرة المصرية”، وكتبت فتيات عن الجرائم التي مارستها عليهن أسرهن المصرية من ختان وإجبار على الزواج وترك التعليم وتعذيب باللسع والضرب وحلق شعر الرأس، وهي جرائم لم تثر سخطاً أو غضباً يذكر مقارنة بما حدث جراء إقدام فتيات على الرقص عبر تطبيقات الكترونية.

في تدوينة للناشطة سارة سليمان على هاشتاغ “بعد إذن الأسرة المصرية” وهاشتاغ “خرجوا ستات التيكتوك”، قالت: “اسمحولي اقولكم كام قيمة من قيم الأسرة المصرية والأسر المحيطة في حياتي أولاً البنات بتنضرب لو نطت، فتحت رجليها أكتر م اللازم وهي قاعدة، أو صرخت بأصوات قد يبدو إن فيها قدر من المياصة،  ثانياً  البنات بتتسحب زي البهايم علشان تتختن (مبيبقوش عارفين رايحين يعملوا ايه بالظبط)، ثالثاً مينفعش يبقى في حياتك أصدقاء ذكور، ولو فيه ف انتي مضطرة تسجليهم بأي أسماء تانية وتكلميهم م الحمام مثلاً! رابعاً  ذكور العيلة أو (الرجالة) والعيال الصغيرة اللي لسه مطلعلهمش شنب إعدادي واللي علشان يبقوا رجالة ف بيتحكموا في كل نفس بتخرجيه فين وامتى وإزاي، معظمهم عمره ما بيسجل مثلاً إسم ستات العيلة على تليفونه زي ما هو. خامساً  أول ما بيتشك في انك ممكن تبقى بتعرفي راجل ف انتي هتتسحبي عادي زي البهيمة ويتعملك كشف عذرية! سادساً أغلب البنات بيتم التحرش والاعتداء عليهم من قرايب الدرجة الأولى وأصحاب القيم!!”.

تواصلنا مع المحامي محمود حيدر من “المركز الإقليمي للحقوق والحريات” وهو موكل الدفاع عن حنين حسام لمعرفة كيف “استحدثت” تهمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية، والتطورات في قضية الفتاة. يقول حيدر لـ”درج”: “منذ القبض عليها يتم التجديد لها احتياطياً، ورفعنا طلب استئناف ضد قرار حبسها احتياطياً وربحنا الاستئناف. كنا نظن أن القضية ستنتهي بخروج حنين، لكن النيابة أصدرت قراراً بحبسها مجدداً بحجة ظهور أدلة جديدة اعتماد على نص المادة 150 من قانون الإجراءات الجنائية”.

ويضيف: “الأدلة كانت الفيديو نفسه الذي نشرته حنين على صفحتها الشخصية على تيك توك، لكن النيابة قدمت من خلاله اتهامات جديدة وهي الاعتداء على قيم الأسرة المصرية ومبادئها، وإدارة مواقع على شبكة معلوماتية وإنشائها، بهدف ارتكاب جريمة بناء على القانون 175، لسنة 2018، وهي من جرائم تقنية المعلومات، وحكم على حنين بالسجن عامين وبدفع غرامة 300 ألف جنية. هي قضية جنحة، هناك اتهامات أخرى توجهها لها النيابة لم تتم إحالتها إلى المحكمة”.

كشوف عذرية؟

من أبرز النقاط التي أثارت ردود فعل ساخطة ما تردد عن طلب التحقيق باجراء كشوف عذرية على أحد الموقوفات.

فقد تم تداول توجيه النيابة أمراً لمودة الأدهم بالخضوع لكشف عذرية. يقول المحامي حيدر إنه مطلع على ملف قضيتها وليس بين أوراقها، أمر بعرضها لكشف عذريتها، ويضيف: “كل اللي اطلب منها هو الكشف على الحسابات البنكية وهي رفضت، وبحسب تصوري أن هذا يعد أحياناً من إجراءات دخول السجن لكي يسجل في دفترها فى السجل هل هي بنت أم لا، إلى جانب أنه من إجراءات التفتيش الذاتي وعادة يتم كشف العذرية على المتهمات في قضايا “مخلة بالشرف” للتأكد من أنهن لا يخفين ممنوعات داخل مناطق حساسة من جسدهن”.

لكن على رغم أن الفكرة تبدو اعتيادية في بعض السجون والكشف على العذرية يعد روتيناً للتفتيش الذاتي، إلا أن ذلك يعد جريمة في حد ذاتها، فكشف العذرية تقوم به طبيبات في مصلحة الطب الشرعي بناءً على طلب النيابة في بعض المسائل الجنائية، للتحقق من الادعاءات الجنائية للتأكد من كون الفتاة بكراً أم لا، وذلك من طريق فحص غشاء البكارة، للبت في جرائم مثل الاغتصاب، وبصفة عامة، إجبار أي مريض أو فتاة في أي مكان على توقيع كشف طبي يرفضه المريض يعد جريمة، إلا أنها جريمة لا عقوبة عليها في القانون المصري المنشغل بوضع مواد جديدة لملاحقة فتيات “تيك توك”.

وكان سبق لكشوف العذرية أن أثارت موجة انتقادات وشجب من منظمات حقوقية مصرية ودولية حينما فرضها الجيش المصري على متظاهرات ساحات التحرير في بدايات الثورة.

هدم الأسرة؟

استعمال مواد من نوع “هدم الأسرة المصرية” بدا صادماً ومفاجئاً للموقوفات والمتابعين على حد سواء، خصوصاً أن هذه مواد لم يكن شائعاً استخدامها. 

وهنا، يكشف حيدر عن الأصل القانوني الذي على أساسه يتم توجيه اتهامات من هذا النوع: “هذا قانون حديث التطبيق، وُضع نهاية عام 2018 وتعتبر قضية حنين حسام من أول القضايا التي حوكمت بالسجن بسبب هذا القانون. قبلها كانت (الراقصة) سما المصري تلقت اتهامات من هذا النوع وفق القانون الجديد وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات وغرامة 18500 دولار، وعقوبة هذه المادة السجن ما لا يقل من 6 شهور إلى 3 سنوات وغرامة من 50 ألف جنية إلى 100 ألف، أو كليهما”.

ويتابع “المادة 25 مادة فضفاضة وغير دستورية وتتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وهذا ما توضحه أحكام محكمة النقض، والمبادئ الدستورية في ضرورة أن تكون المواد القانونية التي يعاقب على أساسها المتهم واضحة وضوحاً تاماً ولا تحتمل الشك، وبالنسبة إلى المادة 25 فتهمة الاعتداء على قيم الأسرة المصرية غير واضحة وتقبل الشك، نظراً إلى اختلاف الثقافة من مجتمع إلى آخر أو من فئة إلى أخرى”.

ويعتبر حيدر أن المادة 25 حديثة التطبيق تعتبر مبهمة وفيها الكثير من الغموض وهو ما يجعلها غير دستورية، إلى جانب أن هذه المادة تضمن الاعتداء على الحريات الفردية التى يكفلها الدستور.

هل مصر بحاجة إلى جهة رقابية مستقلة تشرف على التشريعات الجديدة ما دامت هناك تشريعات ومواد توضع في القوانين ولا تخلو من التباس أو إساءة واضحة؟ 

يقول حيدر: “القضاء بطبيعته مستقل لا يجوز أن تكون هناك جهة رقابية عليه، لكن من خلال رفع القانون أو المادة إلى المحكمة الدستورية فالأخيرة بإمكانها الحكم إذا ما كان النص سليماً وغير غامض أم يجب تعديل المادة”.

تنص المادة 25 على ما يلي: “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياه الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة”.

كما تنص المادة 27 على أنه “في غير الأحوال المنصوص عليها في هذا القانون، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه، ولا تزيد عن ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أنشا أو أدار أو استخدم موقعاً أو حساباً خاصاً على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانوناً”.

أطلق المحامي أشرف فرحات حملة “خليها تنضف”، وقدّم بلاغاً للنيابة العامة ضد بسنت يتهمها فيه بخدش الحياء وهدم القيم الأسرية للمجتمع. وقال فرحات في بلاغه ضد بسنت، الذي حمل رقم 27782 لسنة 2020، عرائض النائب العام، إن المشكو في حقها أنشأت حسابات عبر مواقع التواصل الاجتماعي TIK TOK، و”إنستغرام”، واعتادت على بث فيديوات قصيرة وصور، وتقوم بإيحاءات لإثارة الغرائز بقصد جذب المشاهدين وجمع المال ضاربة بعادات المجتمع وتقاليده عرض الحائط.

هذه الأحكام القضائية التي تعادي حقوق النساء تعزز أيضاً سلطة رجال الدين المتشددين على النساء وتفسح المجال لفتاويهم المناهضة للحريات. فقد علق الداعية عبد الله رشدي على قرار سجن حنين حسام قائلاً في «فايسبوك»: «أصدر القضاء حكماً تاريخياً وهو الحبس لبعض فتيات التيك توك لينتبه الأهل لأولادهم وبناتهم وشَرَفِهم، وليرتدعَ مثيرو الفساد والشهواتِ، بالمناسبة.. كل ما يحض على نشر الفواحش يجب منعُه وليس فقط بنات التيك توك، فالمعصية شيءٌ والمجاهرَةُ بها وإشاعتُها شيءٌ آخر تماماً، ونرجو المزيد من هذه الأحكام الرادعة لكل من تسول لهم أنفسهم إشاعة الفواحش في مجتمعنا المصريِّ الأصيل».

كما أثارت تصريحات النائب المصري إلهامي عجينة جدلاً واسعاً، بعدما طالب بتوقيع كشف عذرية دوري على الطالبات داخل الجامعات، حتى أنه اضطر للاعتذار، مؤكداً أنه “كان مجرد اقتراح لحل مشكلة الزواج العرفي”. لكن مجرد طرح مثل هذا الاقتراح دق ناقوس الخطر في المجتمع المصري وأعاد طرح أسئلة عن مدى حق المجتمع في انتهاك حرية المرأة وخصوصيتها وجسدها، وطالب المجلس القومي للمرأة ورئيس جامعة القاهرة جابر نصار بمحاكمة عجينة. بيد أن الخطير في الأمر هو أن تصريحات عجينة تعكس نظرة فئة كبيرة من المجتمع المصري للمرأة ولمفهوم الشرف، فعائلات مصرية كثيرة تجبر بناتها على الختان والزواج وأخيراً تُخضعهنّ لفحص كشف العذرية بكل ما فيه من إهانة وتحقير، باعتبار أنه الدليل على “حفاظ الفتاة على شرفها”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني